من هي حركة "بلاك بلوك" وما أهدافها؟

من هي حركة "بلاك بلوك" وما أهدافها؟

شهدت العاصمة باريس، أمس الثلاثاء، مواجهات عنيفة بين قوات الأمن وأشخاص ملثمين تسللوا بين المتظاهرين الذين خرجوا في مسيرة بمناسبة عيد العمال. وكانت الشرطة الفرنسية قد حذرت، الأول من أمس، الإثنين، من اشتباكات متوقعة مع مجموعات يسارية متطرفة تعرف بحركة "بلاك بلوك" وجهت دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي لجعل المناسبة "يوما ثوريا".

وتخللت مسيرات عيد العمال، أمس، في العاصمة الفرنسية ومدن أخرى، التي شارك فيها بحسب النقابات 55 ألف شخص في باريس و210 آلاف في أنحاء البلاد و143 ألفا بحسب الداخلية، أعمال عنف وتخريب اتهمت "بلاك بلوك" بالوقوف خلفها. فـمن هي هذه الحركة وما أهدافها؟

"بلاك بلوك" في مظاهرة بالعاصمة الفرنسية، باريس 1968

تصنف "بلاك بلوك" على أنها حركة يسارية متطرفة، ظهرت في ألمانيا في ثمانينيات القرن الماضي وتحديدا سنة 1980، لتنتشر بعدها في أنحاء أوروبا. كان لها تواجد حتى خلال المظاهرات المناهضة للرئيس المصري محمد مرسي، في كانون الثاني/ يناير 2013.

صرح متحدث باسم وزارة الداخلية الفرنسية لوسائل إعلام محلية، اليوم الأربعاء، أن "هؤلاء المتطرفين اليساريين (بلاك بلوك) موجودون في قلب كل المعارك العنيفة المناهضة للعولمة"، مشيرا إلى استخدامهم "باروكات (شعر مستعار)، لثاما، بنادق بحرية، زجاجات حارقة، مطارق البناء، أقنعة الغاز"، ومتهما إياهم بكونهم "أشخاصا حاقدين على قوات حفظ النظام" وأنهم "أشخاص مصممون على بلوغ أهدافهم وهم ينتظمون عادة في نواة مكونة من 450 إلى 500 شخص".

ويضيف نفس المتحدث أنهم "معادون لأجهزة الدولة، يعارضون القوانين الجنائية ونظام السجون، يمقتون الرأسمالية والعولمة، يتنقلون باستمرار، وهم محترفون في تغيير منظرهم وملابسهم خلال الاحتجاجات".

من جهتها، أشارت صحيفة "لوبارزيان" الفرنسية إلى أن عددا من عناصر "بلاك بلوك" قدموا من خارج فرنسا للمشاركة في مسيرات الأول من أيار/ مايو، بحسب مصادر أمنية لم تقدم معلومات تفصيلية. وكان رئيس الوزراء الفرنسي السابق، مانويل فالس، قد قال في 2014، إن "العنف الذي يمارسه أقصى اليسار وهؤلاء البلاك بلوك، وهم ينحدرون من بلادنا ومن دول أجنبية، هو أمر غير مقبول".

وتجمع عناصر "بلاك بلوك"، الثلاثاء، حول لافتات كتب عليها شعارات مختلفة أبرزها "ماكرون يضعنا في غضب أسود" و"الكل يكره الشرطة" و"باريس، قومي، انهضي". فيما صرح أحدهم (19 عاما) لوكالة الأنباء الفرنسية "لقد سئمنا من هذا النظام الرأسمالي الذي يدمر كل شيء، ومن القمع الوحشي للشرطة تجاه المعارضين. نريد تغييرا جذريا، أن تُسمع كلمة المجتمع، نريد البيئة، نرفض العولمة". فيما قال آخر "نحن هنا لأن الوضع مروع. الاحتجاجات كانت عارمة في الجامعات ومحطات القطارات، لكن دون جدوى".

مجموعة صعبة الاختراق!

وقد نقلت صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية تصريحا لمسؤول في الشرطة الفرنسية، ربط أعمال الشغب الأخيرة بأحداث عنف سابقة في منطقة نوتردام دي لاند قرب نانت (غرب) متهما "بلاك بلوك" بالتورط فيها و"استلهام تكتيكاتها من الحركة الأصلية التي ظهرت في ألمانيا".

كما أشارت الصحيفة، حسب نفس المصدر، إلى ضلوع عناصر "بلاك بلوك" في أعمال شغب اندلعت خلال انعقاد مؤتمر المنظمة العالمية للتجارة في سياتل الأميركية (غرب)، سنة 1999. واصفة إياهم بـ"الفوضويين الذين يرتدون غالبا القناع الأبيض الشهير لفيلم "في فور فينديتا" ويتسللون إلى المسيرات المناهضة للعولمة، حيث يستفيدون من تضامن المحتجين الذين لا يخفون إعجابهم بهم بقدر ما يتخوفون منهم".

"بلاك بلوك" في مظاهرة بالعاصمة الفرنسية، باريس 1968

ولم تتمكن السلطات الأمنية الفرنسية لحد الآن، من تحديد عدد أعضاء هذه المجموعة لصعوبة اختراقها وعدم وجود أي تراتبية قيادية لها، إذ تتحرك تبعا للأحداث، وبشكل عفوي.

إستراتيجيات للتملص من المراقبة الأمنية!

كل هذه الصفات عززها اليوم استعمال مواقع التواصل الاجتماعي وتكنولوجيات تتيحها شبكة الإنترنت وتسمح لهم بإخفاء هوياتهم الحقيقية. فحسب مصدر من الإدارة العامة للأمن الداخلي "دي جي إس أو" التابعة لوزارة الداخلية فإن "العناصر الأكثر حذرا منهم (بلاك بلوك) يتواصلون فيما بينهم بطريقة مشفرة بمساعدة خبراء في الإعلام الآلي يعملون على منع تعقب عناوين آي بي (المعرف الرقمي للأجهزة المرتبطة بالإنترنت) الخاصة بهم". إذ إنهم يتحركون باحتراف على الشبكة ويتبادلون تعليمات خاصة حول طريقة التصرف في حال تم توقيفهم أو التحقيق معهم.

في 2009، قاموا بتنقيح إستراتيجيتهم بناء على تعليمات مكتوبة في دليل موجه إلى "الناشطين" جاء فيه أيضا "خذ معك وشاحا أو غطاء للوجه، لا تستعمل هاتفا محمولا مليئا بجهات الاتصال الخاصة بك (...) لا تنس أبدا أن هناك العديد من عناصر الشرطة المتخفين في الزي المدني. لا تتحدث عن أنشطتك في الشارع وتجنب نطق الأسماء. دوّن رقم الهاتف الخاص بالمحامي على يدك، قم بتصوير إصاباتك، واحتفظ بملابسك الملطخة بالدم، وإن كنت في تلك الظروف، تجنب تقديم أي شهادة للطبيب أو خلال تواجدك في قسم الطوارئ".

وعموما، تمثل تجمعات اليسار المتطرف، كابوسا متكررا بالنسبة للاحتياطات المتخذة استعدادا للاحتجاجات والمظاهرات، وهو ما يطالب به عمد المدن الفرنسية، وخصوصا إزاء إمكانية خروجها عن السيطرة، إذ إنه وعقب كل أحداث شغب، تُتهم الشرطة بالتقليل من أهمية التعبئة في صفوف المتظاهرين.

وقد تعرضت واجهات العديد من المحال وأيضا السيارات الثلاثاء، للتخريب والحرق خلال أعمال الشغب، كما تم رشق قوات حفظ النظام بالزجاجات الحارقة.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018