أسرى الداخل: الأسير أحمد أبو جابر..

أسرى الداخل: الأسير أحمد أبو جابر..

لن يدرك غير «المحروقين» من الوطنيين أن تصل تضحية شخص، أي شخص، حدّ الإستعداد لافتداء الأرض والوطن بالنفس الغالية.. ولن يستوعب أحد أن يصل هذا الإستعداد حدّ أفتدائهما بالأبناء.. ولن يفهم أحد أن هؤلاء، إذ يقومون بما يعتبرونه إسهاما في نصرة القضية الوطنية، إنما يأخذون في حساباتهم السجن لفترات مديدة، والتعذيب والتنكيل والقهر، ويأخذون في اعتباراتهم، أيضا، إمكانية أن يضبطوا ويلقى القبض عليهم فلا يتزوجون ولا ينجبون ولا يسافرون الى الخارج أو يتنزّهون، ويأخذ المتزوجون منهم والآباء في حساباتهم أنهم سيبتعدون عن فلذات أكبادهم وعن فراش الزوجات الدافئ يستبدلونه بحصائر السجن وسرائر الطبقات وعرق الرجال بدل عبق النساء..

ويأخذ هؤلاء في حساباتهم أن هناك احتمالات كبيرة لأن يتسبّبوا بألم وأذى لأحبائهم الأقربين، الوالد والوالدة والأخوات والإخوة، وللزوج والأبناء.. يعرفون كل ذلك.. ويظل الوطن والأرض أغلى حتى ليرخص لأجلهما كل ما ذكر سابقا..

لن يدرك غيرهم، إذ لم يجرّب أحد مثلهم لهيب النار المشتعلة أبدا في الصدور على وطن ضاع وأرض سلبت في عزّ الظهيرة وأخوة تم تهجيرهم في الليل قبل النهار فانسلخ الأخ عن أخيه والإبن عن أبيه والزوج عن زوجته.. تفرّقوا أيدي سبأ وألقي بهم في خيام ومخيمات تكوّم فيها اللاجئون كأنهم في يوم حشر كل أيام السنة، فإذا غطّوا رؤوسهم انكشفت أرجلهم على برد اليرموك وبرج البراجنة وعسكر وأخواتهم، وإذا شدوا الغطاء على الأرجل انحسرت الرؤوس على الحمّى والمرض..

كأنما كتب على الفلسطيني أن لا يعيش طفولة، وأن تختصر حياته على هموم فلا يعرف أن يراهق وأن يعشق وأن يبني بيتا ومستقبلا آمنا مطمئنّا مثل كل عباد الله .. لكأنما الطفولة عار وميوعة لا تليق بإبن المخيم، كما لا يليق العشق باليافعين المرقّعة سراويلهم على الأقفية والركبتين.. كأنه إبن الشقاء منذ مجيئه إلى رحيله جاء من رحمه ولازمه كما رفيق ثقيل..

لكن يظلّ أنه يحلم مثل كل البشر.. يحلم بالرفاء وبالبنين وباحتضان زوج وفيّة جميلة طيبة في دار كبيرة تنفتح على الجهات الأربع وتستنشق الهواء النقيّ على شواطىء عكا وحيفا ويافا وفي جبال الجليل والنقب والمثلث.. يحلم الفلسطيني بفلسطين، حتى لكأنه يعشقها ويفديها حياته إذ يرى إلى اغتصابها كل لحظة وإلى دوس كرامتها .. يرى الى ذلك في نابلس وجنين وغزة وبيت حانون والخليل وفي القدس وبيت لحم.. ويرى الى الغاصب يتطاوس عليه فلا يعيره إلا «فشكة» في رأسه تودي به وبحلمه.. ويرى الى العالم لا يعيره سوى دعم خجول بائس من القروش والكلام الذي يطيره الهواء بعد لحظة، وتطيّره إسرائيل بل ترفسه بالكندرة العتيقة إذ يخرج من الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة، لسان حال البيت الأبيض.. كأن هؤلاء، أسرى الحرية لم يحتملوا فاجتمع رأيهم على وجوب فتح طاقة أمل.. أو طاقة للتنهيد على الأقل..مات أبوه قبل أن يخرج الى الدنيا من بطن أمه في بئر السبع، مسقط رأسه.. عربيا بدويا ذاق كما إخوانه ضنك العيش والخنق والتضييق الذي تمارسه السلطات على بدو النقب لتجميعهم في كانتونات أو ترحيلهم الى خارج المنطقة لهدف أن تصبح ذات أغلبية يهودية مطلقة، ولتصبح أرضها ملكا لـ «المحروسة» (دائرة أراضي إسرائيل) التي خلّفها أبونا وحشا برؤوس عشرة ينهش كل رأس بعض حصّتنا أو كلّها..

وكان «معلم التريس» (نوع من النوافذ) أحمد أبو جابر، قد تزوّج في العام 1978 وبنى له بيتا في كفر قاسم، بعد أن رحل وأخوانه اليها من النقب، وأنجب ثلاثة أبناء، بنتا وإبنين، وكان يعمل لإعالة عائلته الصغيرة، ففتح له ورشة في كفر قاسم ثم نقل الورشة إلى غرفة في بيته توفيرا وتجنبا لدفع الأجرة الباهظة..

لكنه في العام 1986 تم إلقاء القبض عليه حيث اعترف أمام محكمة عسكرية جرت في نابلس أنه شارك مع مجموعة مكونة من ثلاثة أفراد من الضفة الفلسطينية المحتلة، في قتل جندي إسرائيلي وفي اغتيال عميل للإسرائيليين فلسطيني من بلدة بيديا.. فحكمت المحكمة العسكرية على كل من أحمد ورفاقه بالسجن المؤبد مدى الحياة عن قتلهم الجندي وفوقها عشر سنين عن قتل العميل..
تقول زوجه وأم أبنائه، أم جولان، إن زوجها أحمد الأسير كان من خيرة الرجال، فقد كان حنونا طيبا محبا يساير الأولاد ويلاعبهم ويعاملهم بحنو وطيبة.. وكان كريم النفس والخلق.. إلا أنه، وقبل اعتقاله بفترة، بدأ يتغير ويميل الى العصبية وضيق النفس فلا يتحمل حتى مجرد أن أسأله سؤالا واحدا..

وبدأ يغيب عن البيت كثيرا فلا يعود الا في ساعة متأخرة وإلى سريره مباشرة، حتى أن «الفار لعب في عبي وظننت فيه الظنون».. فإذا نويت أن أسأله لدى عودته في ساعة متأخرة كان يقول «إن الساعة متأخرة والوقت ليس مناسبا للسؤال والجواب والنقاش، وإذا سألته في الصباح عندما يفيق كان يقول يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم، على هالصبح في حدا بجادل وبسأل هيك أسئلة»..

بعد اعتقال زوجها، انقلبت حياة أم جولان رأسا على عقب، إذ وجدت نفسها وحيدة ومسؤولة عن تنشئة ثلاثة أطفال كبراهم، مايا، في السابعة من عمرها فيما الصغير لم يتجاوز عمره الشهر ونصف الشهر..

تقول السيدة المكافحة «لقد كانت صدمة فظيعة، فقد كانت الحالة بائسة إذ اعتمدنا على ما يعطوننا من مؤسسة التأمين الوطني ومن مساعدة إخوان أحمد، وهم تسعة إخوة لم يبخلوا وقدموا للعائلة ما يستطيعون، علما أن مؤسسة التأمين الوطني وضعت عراقيل وصعوبات كثيرة أمامنا، كونها قضية أمنية، الى أن رضخوا في النهاية ودفعوا المستحقات حتى بلغ الإبن الأصغر سنّ السابعة فتوقفت المؤسسة عن الدفع .. «لكن الأصعب من كل هذا أنني وجدت نفسي أما وأبا لثلاثة أبناء كانوا متعلقين بأبيهم وخاصة الإبنة الكبرى مايا»..

لكن أم جولان تتدارك وتقول إن «الله عان واستطعت أن أتغلب على جميع المصاعب وأن أربي أبنائي تربية كريمة.. واستطعت كذلك أن أوسع البيت وأن أزوج الإبنة الكبرى مايا والإبن الأكبر جولان اللذين أعطياني أحفادا طيبين وحلوين، بل إن الإبن الأصغر يكمل اليوم تعليمه الجامعي.. أما الأهم، فقد عرفت أخيرا سبب تغيّب احمد والانقلاب الكبير الذي حصل لديه، كما أن نفسي هدأت إذ تبين لي أن ظنوني به لم تكن في محلها وأنه زوج مخلص لم يخنّي، وقد كتب لي رسالة بعد أسره يشرح لي ما حصل ويكشف لي أنه كان يدري بما أشعر به لكنه لم يستطع أن يخبرني بالحقيقة»..
حمل الإبن الأكبر جولان المسؤولية صغيرا، فمنذ أن بلغ الثالثة عشر ربيعا، أي عندما كان في الصف الثامن، خرج الى العمل فعمل في مخبز من دون أن يترك دراسته وذلك الى أن أنهى الصف العاشر حيث وجد أنه لن يستطيع الاستمرار فعزف عن الدراسة وتفرغ للعمل لتوفير احتياجات البيت..

يقول جولان إنه لا يتذكر شيئا عن أبيه سوى ما تقصه عليه الوالدة من أن الأب أحمد كان حنونا ولطيفا ومحبا لأبنائه..

ويزيد.. « تقول أمي إنه كان يحملنا ويأخذنا يوميا الى الدكان ليشترى لنا الحلويات والألعاب وكل ما نرغب.. وتقول إنه كان يلاعبنا ويقضي معنا جل أوقات فراغه، لكنني لا أذكر شيئا من كل هذا»..

ويعيش جولان، كما كل العائلة، على أمل أن يطلق سراح الوالد أحمد أبو جابر، ويقول «أعتقد أنه - الوالد - قد نال عقابه، فواحد وعشرون عاما في السجن أظنها كافية لـ"عقابه على ما قام به".. لكنني لا أرى أملا سوى في تبادل للأسرى بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل.. وعليه، فإنني أتوجه الى رئيس السلطة الفلسطينية، أبو مازن، وإلى رئيس الحكومة الفلسطينية، إسماعيل هنية، وإلى جميع المسؤولين الفلسطينيين وذوي العلاقة بالمفاوضات مع الإسرائيلي، أن يلتفتوا الى ما يسمى أسرى الداخل من عرب الـ 48 وأن لا يتخلوا عنهم، حيث لا أحد في الدنيا يستطيع أن يطلق سراحهم سوى السلطة الفلسطينية التي من أجلها ومن أجل تراب فلسطين وعشقها أسر أبي وزملاؤه من الأسرى عرب الـ 48»..
وتزيد مايا، وهي أكثرهم تعلقا بالأب الأسير كونها تتذكّره وتذكر كم كان تعلقها به كبيرا، فتشير بإصبع الاتهام الى السلطة الفلسطينية التي أدارت ظهرها لأسرى الداخل عرب الـ 48 وتركتهم نهبا لليأس وتحت رحمة السجان الإسرائيلي الذي لن يعير قضيتهم، بالتأكيد، أي اهتمام..

تقول مايا إنه لمن العار على السلطة الفلسطينية أن تتخلى عن رجالها، كما أنه من العار أن يترك القائد جنديا جريحا في ساحة المعركة.. فلقد «صار للفلسطيني سلطة بفضل أبي وزملائه الذين قدموا حيواتهم من أجل القضية، ويجب أن لا يكون هنالك فرق بين الأسير الفلسطيني من هذه الجهة أو تلك، فكلّهم ساهموا وكلهم أعطوا»..
وتقول الإبنة الكبرى التي ما عرفت الدلال الا في سنواتها السبع الأولى عندما كان راعي البيت حاضرا، إنها تجلّ وتحترم أمها الفاضلة على ما قدمته لها وأخويها من تربية وتعليم ومساعدة في الأمور الحياتية، وعلى حرصها « على ألا تحرمنا من شيء فكانت لنا نعم الأم والأب.. لكن شيئا لا يسدّ مكان الأب ولن تستطيع أمنا الكريمة أن تحل محل والدي فهي لن تتمكن أن تكون أحمد أبو جابر أبدا»..

وتجيب مايا ردا على سؤالنا ما إذا كانت تتذكر والدها في المناسبات ولدى شعورها بالضيق، تقول «ما نسيته لحظة كي أتذكره.. فهو في وجداني دائما ويزورني في الحلم.. بل إن حلمي الوحيد بات يدور حوله ومتى يفرج عنه فنراه بيننا وأحضنه وأرتمي على صدره أشكو له حرماني منه كل هذه السنين.. هذا هو الأمل الذي يمنحني القدرة على الإستمرار في الحياة، فلا شيء من دونه يستحق الإنبساط، مع ذلك، فهنالك مناسبات معينة مثل الأعياد والأفراح في العائلة التي أشعر بها بغيابه بشكل خاص حتى أنني ألجأ الى البكاء»..

ويضيف جولان.. « لا شيء يعدل أن ترى أباك يأتي للسؤال عنك في المدرسة لتشعر أنك مثل باقي الطلاب ومثل باقي البشر أو أن تراه يهتم بأمورك فيزوجك ويبني لك بيتا ويشتري لك سيارة فالآباء هم عزوة الأبناء وسندهم وموضع ثقتهم التي لا غنى لهم عنها.. بل كنت أتمنى أن يعاقبني والدي حتى بالضرب إذا ما قمت بعمل رديء أو تسبّبت بمشكلة»..

هي قصة أخرى لعائلة تنتظر.. وهي حكاية من ضمن الرواية الفلسطينية النازفة الباكية.. وهي بند واحد صغير من بنود القضية الكبرى التي ينتظر أهلها حلا وعودة واستعادة حق.. ينتظرون وننتظر..

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018