والدة الأسير بيادسة ترحل بعد ثلاثين عاما على عتبة الانتظار..

والدة الأسير بيادسة ترحل بعد ثلاثين عاما على عتبة الانتظار..

لا أتحدث عن حدث جلل أمام القدر في فقدان واحدة من أمهاتنا العظيمات، بل عن مفارقة فيها الكثير من العزة والوجع والخجل..

قد تحترق الكلمات وتخرج الحروف متلعثمة متفحمة في لحظات ليست عابرة، ويتسمر الجسد وتتجهم وجوهنا الجافة، وتفيض أرواحنا أمام الحسرة وعظمة الوجع الإنساني، ونحن لا نقوى بكل البلاغة وفصاحة الكلام أن نسبر غور الجرح الذي احترقت به أكبادهن. ليست لأنها تشبه أمي وأمهاتكم وكل الأمهات الفلسطينيات والعربيات اللواتي يئنن تحت سياط حكم الاستبداد وبطش رعاعه، وذلك رغم مسمياته الدينية وغيرها من مسميات الاستبداد الذي يعبث بأرواحهن وأعراضهن وأرواح الأعزاء من البشر في بلادنا وفي ظهران القبائل العربية المتصحرة والمغمور بالرذيلة والاستبداد والارهاب، بل لأنها تفوقت بوجعها وصبرها وإيمانها وبراءتها كمثيلاتها من الأمهات القابضات على جمر متأجج يأبى أن يلتهمه الرماد، ويأبين الانكسار، ويتفوقن عظمة بعظمة العطاء على الأمة جمعاء.

كانت تحترق على عتبة الانتظار المؤبد.. وعرفت أن الضريبة التي دفعتها ويدفعها إبراهيم وأمثاله هو مهرا لعروس نتزوجها كلنا للأبد، لكن لايراها أحد منا بسبب الغدر والوهم وأوحال الرذيلة التي انغرست خنجرا بظهورنا، ولأنها تسمرت على قارعة الوطن المجازي وانتماؤها لأمة مجازية انتظرت الحلم الذي اغتالته قوى الاستبداد والبطش تحت الوجع المؤبد ثلاثة عقود وأكثر.. ورحلت بعد أن لم يتبق لها من أمل سوى التضرع للرب ومناجاة السماء.

وهذا هو حال والدة صالح أبو مخ، ووالدة وليد دقة، اللتين تنتظران على نفس القارعة كما آلاف مؤلفة من الأمهات. أما إبراهيم أبو مخ فهو لم يعرف والده أو والدته لأنهم رحلوا في سنوات طفولته الأولى، ولا أحد ينتظره سوى بيت خال من نبض الحياة الآدمية، تركه منذ عشرينيته الأولى من العمر عندما كان يفيض عنفوانا ويتدفق شبابا وحياة رغم غياب الوالدين وغياب الأهل بعد أن رحلوا في طفولته الأولى.

وطن مجازي يدمن الرذيلة و التفاوض، وشعب متشظ ينقسم في معمعان صراع بين نظم الاستبداد.. ورعاع القتل والذبح.. ولا مساحة في لوسط سوى التخوين.. وهو الذي أفنى زهر شبابه وشيبه في سبيل عزته وعزة شعبه ليكتشف أنها العبثية بعينها بعد أن سقط القناع، ولم يلوح في الأفق سوى تلك الأكياس الحجرية المشبعة بالجراح وبالرطوبة النتنة تحمل لهم رائحة الدم والموت البطيء مع غياب الأحياء من الضمائر.

جاء خبر وفاة عائشة بيادسة، أم محمد، والدة الأسير إبراهيم بيادسة، صعقة متوقعة لكنها مذهلة رغم سنها الذي تجاوز ال95عاما عاشتها بعزة وصبر استثنائي. وهذا الموت هو موت حق.. لكن الباطل أن نتخلى عن أسرانا، وأن تغادرنا قبل أن تطلق زغرودة للحرية أو تذرف دمعة في أحضان الفرح على محيا ولدها بعد دهر من الانتظار المميت. لكن هكذا شاءت الأحكام والأقدار كما تكابدنا مفارقات الحياة في أوجاعنا وفي الخيبة وبؤس مصائرنا.

استيقظت صباح أمس على وقع الفراق الصاعق وذهول الفاجعة الشخصية. وهو ليس فراقا من النوع المألوف، ولم يكن هذا الفراق بيني شخصيا وبين الراحلة، وإن كان له معنى أبعد وأعمق من ذلك بل فراقا بين حق اللقاء لأم مكافحة من طراز خاص وبين ولدها الأسير التي احترقت من أجله انتظارا لمعانقته للحظة قبل الرحيل حيث استحال هذا اللقاء رغم الوجع المستديم والانتظار المميت، ليس هذا وحسب بل انتظار شعب أعياه الموت والجرح، وأعياهم الغدر وطالت بهم العذابات كما أنهكتهم الرذيلة وأعياهم الجرح والموت والعبث لكنهم على أمل.

وصلت إلى بيت العزاء بأسرع ما يمكن للعزاء الصادق أن ينتظر لأواسي أعزائي، رغم بعد المسافات وانشغالات الحياة القاسية، وذلك بعد غياب طال به الوجع والشوق سنوات وسنوات فجائعية موجعة، لكن اللقاء كان صورة للفاجعة المستديمة نطقت بكل ما يختلج بالصدر من حسرة المعنى ومروءة النضال وأواصر العلاقات الحقيقية، وهذه ليست فاجعتي الشخصية فحسب بل فاجعة شعب ناضل ويقاتل من اجل الحرية والاستقلال بحيث تواردت في ذهني ووجداني صور شعب يكافح ويتكبد الويلات من أمهات الأسرى وأمهات الشهداء والمفقودين.. وكان من المتوقع أن يكون له حاضنة شعبية وقيادة سوية، إلا أن الحقيقة تتكشف بأن"لا بر إلا ساعداك ولا بحر إلا الغامض الكحلي فيك" وهذه هي فاجعة شعب أبى إلا أن يواصل الطريق رغم الغياب لكل المقومات والشروط ليتسلح بإرادته، وقوة الحق ليمضي رغم تراكم الموت وحسرته.

التقيت أفراد العائلة في بيت العزاء، وكان حضوري مفاجئا ومباغتا يحمل كل الحميمية وبلاغات اللقاء والنضال. التقيت إخوة الأسير إبراهيم بيادسة حيث كان الصمت أبلغ الكلام ولغة العيون تنطق أبلغ الوجع وحميمية الذاكرة لتستعرض ذاكرة موجعة أبلغها صدق الرسالة وحجم الثمن لكنها رحلت بحسرتها ووجعها المستديم..

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018