رضا جابر: يجب عدم أخذ موضوع العنف والجريمة بعيدا عن السياسة لأنه في صلبها

رضا جابر: يجب عدم أخذ موضوع العنف والجريمة بعيدا عن السياسة لأنه في صلبها
زوجة ضحية العنف في مجد الكروم تحمل صورته (أ ب)

المحامي رضا جابر:

  • موضوع العنف والجريمة انتقل إلى ساحتنا الأمامية ويجد له رافعة اجتماعية اقتصادية
  • عصابات الإجرام تتسلل من خلال منافذ الفساد للسيطرة المجالس المحلية
  • تسامح السلطة مع الفساد في المجالس والمدارس اخترق عصب المجتمع العربي

إذا ما استثنينا المؤسسات الرسمية المتمثلة بمكاتب الشؤون الاجتماعية التابعة للمجالس المحلية، والتي هي فقيرة، أيضًا، نجد غيابا شبه كامل لمؤسسات وأطر تهتم بموضوع العنف والجريمة في مجتمعنا، رغم انتشار الظاهرة وتفاقمها منذ سنوات، وتحولها إلى تهديد أساسي لأمنه وأمانه.

مركز "أمان"، الذي تأسس قبل بضع سنوات بمبادرة من الشيخ كامل ريان، الذي تعرض لمصاب شخصي بفقدان نجله في جريمة قتل، هو المؤسسة الوحيدة التي تعنى بهذا الموضوع أساسا، ويحاول، بإمكانيات متواضعة، كما يقول مديره، العمل على تغيير السياسات المرتبطة به على مستوى قيادات المجتمع العربي، وعلى مستوى مؤسسات الدولة.

المحامي رضا جابر
المحامي رضا جابر

ولإلقاء المزيد من الضوء على هذا الموضوع وحول السياسات المرتبطة بالعنف والجريمة، كان هذا اللقاء مع مدير مركز "أمان"، المحامي رضا جابر.

عرب 48: ماهي قراءتكم للتصعيد الأخير الذي يشهده مجتمعنا في مستويات العنف والجريمة ورد الفعل السياسي والجماهيري؟

جابر: لدي تصور مبدأي للموضوع ولا يروق لي أنه أخذ منحى بعيدا عن السياسة، لأن موضوع العنف والجريمة في مجتمعنا هو موضوع سياسي أساسًا، يتعلق بسياسة الدولة تجاهنا ويرتبط ببنية الدولة التي تضع المجتمع العربي على هامش المجتمع الإسرائيلي.

التهميش الذي يعاني منه المجتمع يرتبط بجوهر الدولة، وهو يحول دون معالجة بنيوية للسلبيات الموجودة في المجتمع المهمش، الذي تعزز التحولات الداخلية الجارية فيه من المشاكل والأزمات التي يسبّبها، كونه يقع على هامش مجتمع الأغلبية.

هذه الأزمات يجب أن تُعالج على مستوى الدولة، لأن المجتمع العربي لا يستطيع معالجتها بمفرده، كونه لا يمتلك السلطة ولا القوة القانونية التي تستعملها الدولة ومؤسساتها، مثل التحقيق وإنفاذ القانون على منظمات الإجرام، كما أنّ موضوع البنية الاقتصادية للإجرام المنظم داخل المجتمع العربي يرتبط، أيضًا، بتعامل أجهزة الدولة مع الموضوع.

نحن كمجتمع لا نستطيع أن نعالج هذا الجانب من الموضوع، لأننا لا نمتلك شرطة وموارد لمعالجته قانونيا، بمعنى أن الأمر لا يتعلق فقط باستعداد المجتمع للقيام بهذا الدور، بل باستطاعته أو عدم استطاعته على القيام به، بسبب البنية القانونية والسياسية للدولة، التي لن تعطي الأقلية استعمال القوة، هي لن تعطينا تأسيس شرطة خاصة بنا، لأنها تخشى أن تستعمل في "مآرب" أخرى.

لذلك، نحن بحاجة لأن تقوم الدولة بدورها، لأنها تمتلك الصلاحية القانونية وتمتلك الموارد المطلوبة لأجل القيام بذلك، وهي لا تقوم بهذا الأمر لأنها تضعنا على هامش المجتمع الإسرائيلي ولا تتعامل معنا كمجتمع مدني بل كمجتمع خصم.

عرب 48: بل هي تتعامل معنا كعدو؟

جابر: ليس عدوا بالضّبط، لأن مصطلح عدو ينطوي على أبعادٍ أكبر، بل هي تضعنا في خانة الشك وتستعمل ضدنا نمط السيطرة والمراقبة، وتتجاهل حل مشاكلنا بصورة جذرية.

في المقابل، تعامل المجتمع الفلسطيني في الداخل مع هذه الجزئية، كان التوغل بشعور الضحية بدون ممارسة ضغط جدي، فقد كان علينا أن ننظم أنفسنا ونخرج من خانة الضحية لخانة المطالبة بحل جدي.

لقد تميّز ردنا في مرحلة معينة بنوع من الخجل ممّا يحدث داخل مجتمعنا وعدم تركيز الجهد ضد الدولة، لقد كان نوعًا من اللوم الذاتي، والشعور بأننا نحن المسؤولون عن هذه المشكلة ومطالبة الدولة بحلها هو نوع من التوسّل أو التسوّل.

عرب 48: ربّما نتج ذلك عن خطأ في التشخيص والتقليل من شأن ظاهرة عائلات الإجرام التي تسللت لمجتمعنا؟

جابر: ربّما، ولكن عزوف الدولة، بقصد أو بدون قصد، عن معالجة مشاكل المجتمع العربي ومكافحة الجريمة المنظمة، جعلها تتوغل في الحياة المدنية والاقتصادية للناس المعياريين، وخصوصا في المجالس المحلية، وجعل موضوع العنف ينتقل من المساحة الخلفية لمجتمعنا إلى الساحة الأمامية.

من مظاهرة مجد الكروم المناهضة للعنف والجريمة وتواطؤ الشرطة (رويترز)
من مظاهرة مجد الكروم المناهضة للعنف والجريمة وتواطؤ الشرطة (رويترز)

هذا تطور خطير لم يكن في السابق، وهو ما أعنيه عندما أقول إنّ الجريمة انتقلت إلى الساحة الأمامية للمجتمع، بعد أن كانت في المساحة الخلفية أو على هامش المجتمع، بمعنى أن بعض مدمني المخدرات يقتلون بعضهم بعضا.

المرحلة الثانية، أن قوى الإجرام تسعى للسيطرة على المجتمع، حيث سيطرت على حيّزٍ عامٍ، وعلى قسم من المجالس المحلية وأصبحت تستعمل نفوذها في حل مشاكل الناس وتستغلهم.

أما المرحلة الثالثة، وهي الأخطر، أن بعض الناس ذوّت أساليب معينة كانت موجودة فقط لدى عائلات الإجرام، وبات يستعملها لحل مشاكله وتعزيز نفوذه.

والمشكلة الكارثية التي بدأت تظهر في السنتين الأخيرتين، هي أن الناس المعياريين في مرحلة معينة، تقمص قسم منهم بعض تصرفات وأساليب عائلات الإجرام وذوتّها وكأنها الطريق المثلى لحل مشاكله وحصوله على نفوذ معين.

الناس العاديون تقمصوا نفس فعل عائلات الإجرام هنا وهناك، وصارت أفعال عائلات الإجرام "قدوة" تحتذى، لذلك قد نرى مدير مدرسة، مثلا، يرسل أناسا لإطلاق النار على فلان من الناس.

عرب 48: نحن نعرف أنّ الحل للجريمة المنظمة يكمن لدى الدولة و"ذراعها القمعي"، المتمثل بالشرطة والتي هي الخصم والحكم في هذا المجال؟

جابر: هناك تمييز بنيوي في نظام الدولة، ولذلك لأجل دفع الشرطة للقيام بواجباتها، فإنّ تعاملنا معها يجب أن يكون تعاملا عينيا ونديا ويجب وضع مطالب محددة وواضحة، فعندما نقول لها "تعالي حلي مشاكلنا"، تجد المهرب في التجنيد وفتح محطات شرطة.

الشق الثاني، وهو الأهم، هو أنّه نشأت في مجتمعنا حاملة اجتماعية اقتصادية للجريمة والعنف، حيث باتت الجريمة، في مرحلة معينة، شيئا عاديا أو محتملا، وردّة الفعل الاجتماعية والجماهيرية عليه متواضعة لدرجة أنّ المجرم والعنيف يستقويان ويزدادان استقواء من مرحلة إلى أخرى.

سكوت الناس على الفساد وسكوتهم على أن يكون مجرما بينهم، السكوت على إطلاق النار على جار في داره، وعدم انتصار المجتمع لأفراده وعدم انتفاضه ضد هذه المظاهر، مكّن هذه العناصر من التغلغل فيه وجعل كل من معه قطعة سلاح يستطيع أن يسيطر على حي بكامله.

عرب 48: هناك تحولات اجتماعية اقتصادية مرّ ويمر بها مجتمعنا يفترض أخذها بالحسبان، أيضًا؟

جابر: صحيح، في الخمسينيّات والستينيّات والسبعينيّات لم تكن فوارق طبقية ذات شأن في مجتمعنا، وحتى العائلات التي كانت تمتلك أراضيَ لم تترجم غناها إلى موقع طبقي، في حين أن العقود الأخيرة شهدت تحولات ونشوء فوارق طبقية، حيث تكونت طبقة وسطى تتمتع بنوع من الغنى وسحقت طبقة تحت الأرجل، كما يقولون، هؤلاء هم وقود الجريمة حيث يتم استغلالهم وتوظيف فقرهم وحاجتهم.

عرب 48: أنت تتحدث عن مجالس وعن نفوذ وعن شريحة اجتماعية اقتصادية، وهي قطعا لا تتشكل من مسحوقين بل من ميسوري الحال؟

جابر: نعم، ولكن هؤلاء يستغلون المسحوقين لتنفيذ مآربهم، ولذلك قلت إنّ المسحوقين هم وقود الجريمة وليس محركها، والحديث عن المجالس هو في سياق كونها موارد اقتصادية (وظائف ومناقصات) يطمح الكثيرون للوصول إليها، وفي اللحظة التي يخفض فيها رئيس مجلس رأسه لمجرم هدده في مناقصة ما، فقد انتهى عن كونه السد المنيع الذي يقف بين الإجرام وبين السيطرة على الحياة الخاصة بالناس.

عرب 48: تريد أن تقول إنّ عصابات الإجرام تسيطر أو هي تسعى للسيطرة على موارد المجتمع؟

جابر: أصبحوا يسيطرون على موارد ويسعون للسيطرة على حل مشاكل الناس وأخذ مكانة اجتماعية، ما يعني تحول الإجرام من إجرام يحمل دمغة سلبية، إلى قادر على حل مشاكلك.

وطبعا هناك دور للدولة في تسهيل وترسيخ هذا الواقع، فبدلًا من أن يكون عضو كنيست عربي هو من يساعدك ويحل لك مشاكلك، المجرم هو من يفعل ذلك.

عرب 48: وما علاقة الدولة بالموضوع؟

جابر: هي صيرورة تفكيك مجتمع وهناك علاقة وثيقة مع الدولة، ففي كل الدوائر والمؤسسات هناك من يسموّن "حراس الصالح العام"، في وزارة الداخلية هؤلاء وظيفتهم الحفاظ على نظافة اليد في المجالس المحلية، في وزارة التربية والتعليم وظيفتهم الحفاظ على أن يكون المدير الذي يفوز بالمناقصة مديرا يتمتع بالمهنية والكفاءة المطلوبة.

هؤلاء يتعاملون مع المجتمع العربي بشكل يختلف عن المجتمع اليهودي، بمعنى أنهم يتعاملون مع السلطات المحلية العربية كسلطات يمكن أن يكون فيها فساد والمهم هو أن تسير الأمور بسلاسة معينة، وكذلك الأمر بالنسبة للتربية والتعليم.

هذا "التسامح"، الذي يمكن اعتباره سياسة موجهة، يتم تسويغها بالخصوصية أو بالثقافة العربية المختلفة، خلق نظاما فاسدا في المجالس المحلية العربية وفي جهاز التربية والتعليم العربي واخترق عصب المجتمع العربي.

من تظاهرة مجد الكروم (رويترز)
من تظاهرة مجد الكروم (رويترز)

"حراس الحق العام" تخاذلوا عن القيام بواجبهم، وبدلا من أن يدافعوا عن الحق العام أمام السياسة المحلية أو العناصر ذات النفوذ، تواطأوا معهم ضد الصالح العام للمجتمع، وهو موضوع تفاقم خلال الـ20 سنة الأخيرة وحوّل الحكم المحلي عندنا إلى مجال للفساد والإفساد داخل مجتمعنا.

عرب 48: ولكن ما الرابط بين الفساد والجريمة؟

جابر: الرابط هو أن الفساد مكّن عصابات الإجرام من التغلغل واحتلال نفوذ داخل المنظومات المحلية، وهذا النفوذ، مع استعمال القوة، تحوّل من نفوذ عادي إلى نفوذ يمزّق المجتمع ويقوّضه بصورة كبيرة.

والقضية لا تقتصر على مجرم أخذ كشك فلافل من البلدية في مدرسة ويريد أن يأخذ كشكا أو كشكين إضافيين (في الطيبة قتل مدير على هذه الخلفية)، بل أن هناك حاملة اقتصادية لسوق سوداء تنفذ فيها الإجرام وبدأ يزحف، مع القوة والعنف الذي يستطيع استعماله، للسيطرة على مناح كبيرة من حياتنا.

عرب 48: ما العمل؟

جابر: بالنسبة للدولة علينا إدراك أنّ المنظومة هي جزء من المشكلة، ولذلك يجب ان يكون التعامل معها عيني ومحدد، فنحن لسنا بحاجة لمحطات شرطة لتجنيد العملاء والمتطوعين.

ولا لرجال شرطة يفتشون السيارات الطالعة والنازلة ويحررون مخالفات، بل لرجال شرطة يفتّشون عن السلاح ويجمعونه.

كما أننا لا نحتاج "لأيام شرطة"، تعرض فيها الشرطة أسلحتها المختلفة في المدارس العربية، لـ"تربية" أبنائنا، فالمعلم هو من يربي ورجل الشرطة وظيفته القبض على المجرمين والقتلة، ونريده أن يقوم بواجبه لا أن يقوم بوظيفة المعلم. وفي ما يتعلق بالمجالس المحليّة، يجب أن تعمل الدولة ووزاراتها وشرطتها على إغلاق منافذ الفساد أمام عصابات الإجرام للسيطرة على الأملاك العامة.

أما بشأن إسقاط الحاملة الاجتماعية، فيتوجب على القوى السياسية أخذ مسألة تنظيم المجتمع بصورة جدية، بالتركيز على العمل والتنظيم الجماعي ومحاصرة الفردانية، وإعطاء مساحة للشباب في عملية إعادة السيطرة على الحيز العام وتحريره من عصابات الإجرام.

وعلى لجنة المتابعة صياغة رؤيا مرجعية سياسية ثقافية وأخلاقية وطنية يهتدي بها مجتمعنا وتشكل بوصلة تقوده إلى بر الأمان، خاصة في ضوء تآكل المشروعين، الوطني والقومي.


المحامي رضا جابر: مدير مركز "أمان"- المركز العربي للمجتمع الآمن، حاصل على اللقب الثاني في القانون العام من جامعة تل أبيب وجامعة نورث وسترن في شيكاغو. زميل سابق في معهد مندل للقيادة التربوية. اهتماماته تتعلق بموضوع مناهضة العنف والجريمة، حقوق الإنسان، الفلسفة القانونية والقضايا الاجتماعية والسياسية العامة.