المحامي حايك: محاربة الفساد مسؤولية جماعية

المحامي حايك: محاربة الفساد مسؤولية جماعية
بلديّة الناصرة أكبر سلطة محليّة عربية في البلاد

المحامي نضال حايك:

  • الإدارة السليمة تمنح مناعة لمجالسنا من الرشوة والابتزاز
  • منعنا عشرات التعيينات غير القانونية في مختلف المجالات والمناطق
  • مؤشر الشفافية في سلطاتنا المحلية ينوء بأثقال احتكار المعلومات
  • محاربة الفساد مسؤولية جماعية، وأعضاء المجالس وكلاء الإدارة السليمة

تدور في الآونة الأخيرة أحاديث كثيرة عن العلاقة بين العنف والجريمة التي تضرب مجتمعنا وبين مظاهر الفساد التي تعصف بالعديد من سلطاتنا المحلية، حتى أن بعض المحللين والمراقبين ذهبوا إلى الحديث عن نفوذ أو موطئ قدم لعصابات الجريمة في سلطاتنا المحلية، وصولا إلى سيطرة هذه العصابات على بعض من تلك السلطات.

وكما هو معروف، فإنّ انعدام الشفافية وغياب الإدارة السليمة هما تربة صالحة للفساد الذي يشكّل، بدوره، مصدر كل الشرور، وأخطرها العنف والجريمة، فهما يشكلان أهم أركان المناعة الذاتية التي تحصن الحكم المحلي، الذي يعتبر بغياب الدولة الوطنية، الشكل الوحيد للإدارة الذاتية والمظهر الوحيد لمظاهر السلطة.

جمعية "محامون من أجل الإدارة السليمة" تسعى منذ إقامتها عام 2014 إلى تجذير أسس الإدارة السليمة في السلطات المحلية العربية، التي أصبح الفساد والمحسوبيات من الظواهر الرائجة والعادية (للأسف)، كما أوردت في مقدمة مؤشر الشفافية السنوي 2018 الصادر عنها.

نضال حايك
نضال حايك

والمؤشر هو تقرير سنوي يهدف إلى رصد الشفافية في سلطاتنا المحلية، من خلال قناة التواصل المركزية بين السلطة المحلية والمواطن، وهو موقع السلطة المحلية على الإنترنت، وهو يفحص التزام السلطات المحلية العربية بتعليمات القانون، التي تقضي بنشر معلومات ومستندات معينة على مواقع الإنترنت التابعة لها، ويقوم بتدريج تلك السلطات وفقا لكمية النشر ومدى الالتزام بتوفير المعلومات الضرورية عنها للمواطن.

في هذا السياق، تكفي الإشارة إلى معطى يلخص واقع الحال، يفيد بأن 52% من السلطات المحلية العربية نشرت على مواقعها الإلكترونية أثمان ضريبة المنازل "أرنونا" ومواعيد دفعها، في حين نشر 16% منها، فقط، الميزانية السنوية.

هذه الانتقائية المتمثلة بنشر معلومات تسهّل على السلطة المحلية جباية الأموال من الجمهور، مقابل الامتناع عن نشر معلومات تفيد الجمهور بكيفية صرف تلك الأموال هي ليس دليلا، فقط، على أنّ تلك السلطات لم تذوت بعد جوهرها الجماهيري والمسؤولية التي تحملها تجاه الجمهور، كما يورد التقرير، بل هي تعكس مدى الاستهتار بهذا الجمهور.

حول الشفافية والإدارة السليمة في السلطات المحلية العربية وأهميتهما في بناء حكم محلي قادر على قيادة المجتمع إلى بر الأمان، كان هذا اللقاء مع مدير جمعية "محامون من أجل إدارة سليمة"، المحامي نضال حايك:

عرب 48: "في الليلة الظلماء..." كما يقولون، ولا أريد أن ألقي باللوم كله على السلطات المحلية، فمشكلتها أنها أكثر مرآة تنعكس فيها سلبيات وعورات وهفوات وقصورات مجتمعنا، فمن العائلية والطائفية إلى الواسطة والمحسوبية والصفقات الانتخابية إلى الفردانية والمخترة السياسية وصولا إلى محاولات نفاذ الطغم المالية وعصابات الجريمة.

حايك: لقد رأينا في الإدارة السليمة وأهمية البعد القيمي ومبدأ سلطة القانون في الحكم والقيادة المحلية، رافعة لبناء مجتمع عصامي قادر على تحصين نفسه من التدخلات القسرية الخارجية، مثل اللجان المعينة والمحاسب المرافق والتدخلات الداخلية المتمثلة بجميع المظاهر السلبية، التي تحدثت عنها وفي مقدمتها الرشوة والابتزاز من قبل أي طرف كان.  

وقد رأينا بأن دور الحكم المحلي العربي لا ينحصر في النطاق الخدماتي، بل هو بمثابة "حكومة مصغرة" يفترض بها أن تضع الخطط الإستراتيجية لتطوير المجتمع وتؤثر على أنماط السلوك والتفكير وتساهم في التغيير المجتمعي، ونرى أن تبني السلطات المحلية لفكرة كونها "الحكومة المحلية" سيقود إلى تغييرات في مجالات متعدّدة، منها تطبيق القانون وتطوير رؤى وبرامج عمل للمدى البعيد.

أم الفحم (رويترز)
أم الفحم (رويترز)

من هنا تنبع أهمية الشفافية التي تضمن تدفق المعلومات وتعزز العلاقة بين المواطن والسلطة، وتساهم في توطيد الإدارة السليمة التي تحمي الحكم المحلي من أية تدخلات غير مرغوب فيها.

عرب 48: فهمنا أنّك كنت عضوا على مدى سنوات في جمعية "جودة الحكم" الإسرائيلية، ثم انشقتت وأسست مع آخرين الجمعية العربية "محامون من أجل إدارة سليمة" عام 2014.

حايك: موضوع الإدارة السليمة ومحاربة الفساد في سلطاتنا المحلية العربية، كان موضوعا غير مطروق قبل عقدين من الزمن حيث طغت في حينه مسألة العلاقة مع الدولة مثل الميزانيات وهبات الموازنة ومناطق النفوذ على الأجندة السياسية المحلية.

مؤخرًا، بتنا نرى أنّه رغم أهمية محور العلاقة مع الدولة، فإنّ محور القصور الذاتي وقضايا الفساد وغيرها من المسائل الداخلية لا تقل أهمية، فلن تسعفنا كل ميزانيات الدولة، على سبيل المثال، إذا ما تم صرف هذه الميزانيات بشكل غير ناجع.

وقد جاءت فكرة تأسيس جمعية عربية مستقلة وليدة هذه الحاجة المتزايدة لمحاربة الفساد، وللعمل بشكل منهجي ومنظم للمساهمة في تطوير عمل السلطات المحلية العربية في مستوى الشفافية والإدارة السليمة.

وعندما نتحدث عن إقامة موقع إنترنت أو عن توظيف غير قانوني، فإنّ الهدف بالتالي هو تطوير عمل السلطة المحلية، فعندما يكون مدير قسم المعارف، مثلا، شخصا كفؤا فهذا بالضرورة يعود بمنتوج وعمل أفضل للسلطة المحلية، وبالتالي بمنتوج وخدمات أفضل للجمهور.

عرب 48: توجهتم بعشرات القضايا للمحاكم ضد مناقصات ونجحتم في إلغاء العديد من التوظيفات غير القانونية، في الكثير من المجالس والبلديات وهي قضايا تضاف إلى رصيدكم، ولكن هناك، أيضًا، مئات المناقصات والتوظيفات غير القانونية، التي لم تصلكم ولم تصل إلى المحاكم وهي تثقل على سلطاتنا المحلية.

حايك: نحن نعمل على أكثر من مستوى، منها المستوى القضائي والتوعوي وهدفنا مساعدة السلطات المحلية للوصول إلى إدارة سليمة ومساعدة المواطنين وتوفير آليّات تمكنهم من تنجيع دورهم كرقيب وحسيب على هذه السلطات.

فالجمهور هو أفضل آلية مراقبة، فهو موجود في كل مكان وكل زمان، وهو يتوجه إلينا بعشرات الشكاوى التي نقوم بفحصها بالسبل القانونية التي نمتلكها، والتي لا تتوفر للمواطن العادي، وبناء على ذلك نتوجه أولا للسلطة المحلية المعنية، بهدف إصلاح القصور وإذا ما تعنّتت ولم تفعل ذلك نتوجه للقضاء.

بهذا المعنى، فإنّ الجمعية لها أفضلية بكونها تمتلك الأدوات لفحص قانونية أو عدم قانونية القضية ذات العلاقة، إضافة إلى أنّها تستطيع التوجه للقضاء باسمها وتكبّد عناء وتكاليف القضية عنه، ليس في الجانب المادي فقط، بل في الجانب المعني، أيضًا، حيث لا يستطيع أو لا يرغب هذا المواطن الكشف عن هويته تخوفا من الانتقام.

عرب 48: هل لديكم تواصل مع أعضاء المجالس والبلديات، خاصة وأننا نعرف أنّه يجري تهميش دورهم في اتخاذ القرارات؟

حايك: لدينا برامج ومشاريع خاصة بأعضاء المجالس، تتضمن ورشات وندوات واستكمالات هدفها زيادة العلم والدراية لديهم بالأدوات القانونية والإدارية لديهم، لتنفيذ عملهم وتحقيق الهدف من انتخابهم، ولدينا في نهاية السنة الحالية استكمال ضخم لمنتخبي الجمهور العربي في الحكم المحلي، سيعقد في رهط والطيبة والناصرة.

رهط من أكبر السلطات المحلية العربية (رويترز)
رهط من أكبر السلطات المحلية العربية (رويترز)

ونحن نؤمن أنه إذا ما قام أعضاء المجالس والبلديات بدورهم بشكل أفضل، فإنّ ذلك سيقلص من الخروقات ومن القصور ومن الفساد ويعود ذلك بالفائدة على الجمهور وعلى السلطات المحليّة، سواء بسواء، فهم وكلاء الإدارة السليمة وسفراء لمحاربة الفساد.

عرب 48: مؤشر الشفافية الذي تنشرونه حول السلطات المحلية العربية يعكس صورة قاتمة عن هذا المجال، والواقع يقول إنّ إدارات تلك المجالس، وتحديدًا رؤساؤها، يستأثرون بالمعلومات ويمنعون وصولها إلى المواطنين، وحتى إلى أعضاء المجالس أنفسهم وذلك كوسيلة للتحكم بالقرار؟

حايك: قضية الشفافية هي إحدى المشاكل الأساسية في الحكم المحلي، وبشكل خاص عندنا بسبب المنظومة العائلية والحمائلية، التي تحول دون استخدام المصوتين لقوتهم الانتخابية لمعاقبة المرشح في الصندوق، لأنه لم يتصرف بشفافية، لأن الاعتبار هو عائلي بالأساس.

نحن نعمل على هذا الموضوع في مستوى إقامة وتغذية مواقع الإنترنت التابعة للسلطات المحلية وفي مستوى نشر مؤشر الشفافية السنوي، الذي بدأنا به عام 2017.

عرب 48: يبقى النشاط القضائي هو الطاغي على عملكم، وهو المجال الذي حققتم فيه الكثير من النجاحات، هل لك أن تذكر أبرز تلك القضايا؟

حايك: لقد منعنا عشرات التعيينات غير القانونية في مختلف المناطق وفي العديد من السلطات المحلية، وأهميّة تلك القضايا ومفعولها في أنّها شكلت رادعا منع، وما زال، مئات التعيينات المماثلة، وفي أنّها تساهم في ترسيخ ثقافة الإدارة السليمة.

هذا إضافة إلى تنوع تلك القضايا وامتدادها الجغرافي، بحيث شملت كل بلدة وكل وظيفة تقريبا، فقد نجحنا في حرفيش والبقيعة شمالًا بإبطال تعيين مراقبين داخليين، وفي البعنة ومجد الكروم بإلغاء تعيين معلمين وفي الناصرة والرينة بإبطال تعيين مدراء مدارس، وفي أم الفحم بإلغاء تعيين مدرسين وفي الزرازير والبطوف بتعيين مراقبين داخليين وفي البعينة نجيدات، بإلغاء تعيين مدير عام وفي عيلبون بإلغاء تعيين مدير قسم الرياضة ومسؤول قسم المشتريات، وفي باقة الغربية بإلغاء تعيين مراقب داخلي وفي اللقية في النقب بإلغاء قرار مركزة رياض أطفال وهذا غيض من فيض.


نضال حايك: محام مختص في القانون الإداري والحكم المحلي، حاصل على اللقب الأول والثاني في العلوم السياسية من الجامعة العبرية في القدس. عمل في السابق محاضرًا من الخارج في السنة التحضيرية للطلاب الأجانب التابعة للجامعة العبرية، ومديرا للعيادة القانونية في المركز متعدد المجالات في هرتسليا.

شغل مدير قسم في الحركة لجودة الحكم في إسرائيل وأسس عام 2014 جمعية "محامون من أجل الإدارة السليمة"، التي يديرها حتى اليوم وحاز عام 2018 على لقب فارس جودة الحكم.