د. أحمد حجازي: العرب الأكثر تضرّرًا من مخطط الحكم الإقليمي

د. أحمد حجازي: العرب الأكثر تضرّرًا من مخطط الحكم الإقليمي
الناصرة مهدّدة بفقدان مركزيّتها (أ ب)

د. أحمد حجازي:

  • الحديث يدور عن 85 سلطة محلية عربية تعاني 62 منها من العجز وتخضع لمحاسب مرافق
  • 2% من المناطق الصناعية في إسرائيل تقع ضمن نفوذ البلدات العربية

تبنى وزير الداخلية الإسرائيلي، أرييه درعي، استنتاجات الفريق المهني، الذي شُكّل قبل سنة، برئاسة مدير عام وزارته، مردخاي كوهين، لفحص مبنى الحكم المحلي في إسرائيل. واعتبر الاقتراح الذي ينصّ على إقامة ما سمي بـ"طبقة" حكم إقليمي يقع تحت الحكومة وفوق السلطات المحلية، بمثابة ثورة في مبنى الحكم في إسرائيل، من شأنه أن يغيّر، إذا ما جرى تبنيه، مبنى هذا الحكم ويوزّع القوة المطلقة التي تتركز بأيدي الحكومة ووزاراتها وينقل قسما كبيرا من صلاحياتها للأقاليم التي تقترح الخطة إقامتها.

وتنصّ الخطة، كما أوردت تفاصيلها صحيفة "هآرتس" مطلع الأسبوع، على إقامة 8-15 منطقة لم يجرِ تحديدها بعد بسبب حساسية الموضوع، فيما تقترح أن تشمل كل منطقة سلطات قوية وضعيفة، عربية ويهودية، علمانية وحريدية، مدنية وزراعية وغيرها، بقصد خلق تعاون ومساعدة إدارية من قبل السلطات القوية للسلطات الأضعف منها، وفيما سيتم الحفاظ على استقلالية السلطات المحلية وعلى تميزها الثقافي والتربوي، سيتم تقرير جزء كبير من نشاط السلطات المحلية من قبل طبقة الحكم الإقليمي.

د. حجازي
حجازي

كذلك، سيُقام مجلس منتخب لكل منطقة من قبل السلطات المحلية التابعة لها، فيما ستنقل إدارة غالبية مجالات النشاط المدني، والمواصلات، والتعليم، والمياه، والصناعة وغيرها (وهي صلاحيات موجودة اليوم يأيدي الوزارات الحكومية) قانونيا إلى الحكم الإقليمي، الأمر الذي من شأنه أن يثير معارضة سياسية كبيرة، حتى أنّ دعم الوزير درعي نفسه للخطوة غير مفهوم ضمنا.

ويأتي مقترح إقامة حكم إقليمي في إسرائيل (وهو شكل من أشكال الحكم الفدرالي) بعد انتقادات وجهتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية "OECD"، التي خصّصت جزءًا كبيرًا من تقريرها السنوي لمشاكل الحكم المحلي في إسرائيل، وخلص إلى نتيجة أنّ إسرائيل هي الدولة الأكثر مركزية من بين الدول المتطورة حيث تضم حكومة واحدة ومن تحتها 257 سلطة محلية صغيرة وضعيفة.

وتقع إسرائيل وفق معيار البنك العالمي في الموقع الـ94 من ناحية مركزية الحكم وتوزيع الصلاحيات من بين 182 دولة، والأخيرة من بين الدول المتطورة. وفي مقياس الاستقلال الاقتصادي، فإسرائيل هي الدولة الأكثر مركزية في العالم، حيث يتم (بشكل متطرّف) تقرير 95% من الضريبة في الحكم المحلي ( أرنونا) من قبل الحكومة المركزية مقابل 7.8% فقط في الدول المتطورة و تبلغ ميزانية الحكم المحلي في إسرائيل 5.5% من الناتج القومي فقط، مقابل 11% - %14.5 بين الدول المتطورة.

وفي حين تبلغ المصروفات العامة في إسرائيل 14%، فإنّها تصل إلى 24% - 32% في دول المنظمة، وفي مقاييس توزيع الصلاحيات المالية أو الإدارية (إدارة القوى العاملة) أدرج البنك الدولي إسرائيل في الموقع 109. وإسرائيل، أيضًا، هي الأسوأ من بين الدول المتطورة في مجال الفجوات بين السلطات المحلية وليس أنّ الفجوات لا تتقلص فيها، بل تتّسع بنسبة 5% سنويًا، وهي الوتيرة الأعلى بين الدول المتطورة.

وحول تأثير خطة إقامة حكم إقليمي على البلدات العربية، وفي ما إذا كانت ستحسن من الخدمات البلدية في نطاقها، وعن تداعياتها على الحكم المحلي العربي، بصفته الحكم الوحيد الذي يتمتع به العرب في إسرائيل، كان هذا الحوار مع المختصّ في الإدارة والحكم المحلّي، د. أحمد حجازي.

عرب 48: لأوّل وهلة تبدو الخطة "خيالية" وغير قابلة للتطبيق في الواقع الإسرائيلي، ولكن إذا رجعنا إلى مجالات سابقة قورنت إسرائيل فيها مع "دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية " ومجموعة الدول المتطورة التي تطمح إسرائيل إلى اللحاق بركبها وتبني معاييرها، نكتشف أن تخلّفها المدقع في هذا المجال يجعل تطبيق الخطة أو أجزاءً منها مسألة واردة رغم الكثير من الإشكاليات التي قد تواجهها؟

حجازي: قانون الحكم المحلي الساري في إسرائيل سُنَّ من قبل سلطة الانتداب البريطاني عام 1921 وعُدّل عام 1934، في حين أنّ التعديل الوحيد الذي أدخلته عليه إسرائيل كان عام 1975 الذي أتاح الانتخاب المباشر لرئيس السلطة المحلية.

القانون، بهذا المعنى، قانون قديم يلائم نمط المركزية في الحكم التي كانت سائدة في حينه، ولا يواكب التطورات التي أدخلت على أنماط الحكم في أوروبا والدول المتطورة الأخرى وتعتمد على توزيع الصلاحيات.

من هنا، ينتج ما أشارت إليه الخطّة على لسان تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بوجود حكومة مركزية و257 سلطة محلية صغيرة وضعيفة، يجب أن نذكر أنّ من بينها 84 سلطة محلية عربية هي في وضع أسوأ من نظيراتها، لأنها تفتقر إلى الموارد المحلية مثل المناطق الصناعية والتجارية، حيث تشكّل تلك العائدات 15-20% فقط من ميزانيتها، إذا ما أدركنا أنّ 2% من المناطق الصناعية في إسرائيل تقع ضمن نفوذ البلدات العربية، ما يجعلها معتمدة أساسا على الدعم الحكومي وهبات الموازنة، علما أنّها تعاني من تمييز في تخصيص الميزانيات على أساس قومي.

عرب 48: بالرغم من ذلك، يبقى الحكم المحلي هو الحكم الوحيد الذي نحظى به، في ظل غياب أو مشاركة في الحكم المركزي، وهو مورد أساسي في ظل انعدام موارد أخرى، السؤال هل ستوسع الخطة من هذا الهامش أم ستضيّقه، رغم أنّها تتحدث عن توزيع صلاحيات على المستوى العام؟

حجازي: في الظاهر، يبدو أنّ الخطة جاءت للحد من تركيز الصلاحيات في رأس الهرم السياسي، الحكومة ووزارتها، وخلق بناء هرمي متوازن، إلى جانب تقليص الفجوات القائمة من خلال التكامل والتعاون بين السلطات المحلية القوية والضعيفة، اليهودية والعربية والعلمانية والحريدية وغيرها.

الخطة "تستهدف" كذلك البلدات الحريدية (أ ب)
الخطة "تستهدف" كذلك البلدات الحريدية (أ ب)

وهي تتحدّث عن انتزاع صلاحيات من السلطة المركزية وإعطائها للأقاليم، التي ستُقام كطبقة حكم ثانية تقع بين الحكم المحلي والحكم المركزي، ولكنّها تتحدث، أيضًا، عن أخذ صلاحيّات من الحكم المحلي وإعطائها للحكم الإقليمي.

ونحن نعرف أنّ مشكلتنا مع السلطة في إسرائيل هي في التطبيق، هل سيجري توزيع عادل يراعي واقع العرب الديمغرافي والجغرافي؟ أم سيجري تذييل السلطات المحلية العربية الواقعة في الإقليم لسلطات محلية يهودية قوية تفرض هيمنتها على الإقليم؟ ويتم بذلك انتزاع ما كنا نتمتع به من سلطات في مستوى الحكم المحلي دون أن نحظى بامتيازات على مستوى ال;م الإقليمي.

عرب 48: أنتَ تقول إنّ القضية ليست قضية خدمات فقط، علما أنّه لا ضمانات في أن تتحسن الخدمات التي يحصل عليها المواطن العربي؟

حجازي: الخطّة تتحدث عن توحيد خدمات على مستوى الإقليم المفترض في مجال المواصلات، التعليم، البنى التحتية وغيرها ونزع صلاحيات إدارتها من وزارات الحكومة ولكنّها تعطي سلطة الإقليم صلاحية التقرير في النشاط الذي ستقوم به السلطة المحلية، وهو ما يثير التخوف من إفراغ السلطات المحلية من مضمونها وقصر نشاطها على دور وظيفي محدود، خاصة إذا ما أدركنا أنّ الكثير من الخدمات قد أُخرِجَت في وقت سابق من هذه السلطات مثل المياه والصرف الصحي التي حُوّلت إلى "اتحادات مياه" والتعليم والمدارس الثانوية التي حُوِّلَت إلى "شبكات تعليمية".

هذا التخوف يعزّزه غياب مراكز مدينية عربية أو ما يعرف بمدينة لواء، ستشكل كما يبدو "عاصمة" الإقليم المفترض، ونحن نعرف أنّ هذه المكانة انتزعت، مؤخرًا، من المدينة العربية الوحيدة وهي الناصرة ومنحها لنتسيريت عليت التي غُيّر اسمها مؤخرا إلى "نوف هجاليل".

عرب 48: الخطورة أن تكون بضع قرى عربية تابعة لحيفا ومجموعة أخرى تابعة للخضيرة وغيرها من المدن الكبيرة وتُفرَغ بلدياتنا ومجالسنا من صلاحياتها؟

حجازي: صحيح، نحن نتحدث عن 85 سلطة محلية عربية أكبرها لا تصل عدديا إلى 100 ألف إنسان، بينما هي لا تعادل - حتّى الكبيرة منها - من ناحية التطور العمراني والصناعي والتجاري تجمعات يهودية أصغر منها بكثير، حيث يقع 53% من العائلات التي تسكنها تحت خط الفقر، وتعاني غالبية مجالسها وبلدياتها من عجز مالي متراكم، تخضع ضمنه 62 سلطة محلية من بين الـ85 لمحاسب مرافق.

من اجتماع سابق للجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية
من اجتماع سابق للجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية

كما أنه جرى خلال السنوات الماضية بناء وتعزيز مراكز مدينية يهودية حتى في المناطق ذات الأغلبية العربية لتكون تابعة لها، مثل كرميئيل ونوف هجاليل، ومؤخرا حريش في وادي عارة، لذلك فالسيناريو الذي تتحدث عنه وارد ولو بثمن تحسين الخدمات في قرانا ومدننا بعض الشيء لتسويقه، ولكن من جهتنا سنخسر الحكم المحلي.

عرب 48: ماذا كنت تقترح على اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية في كيفية التعامل مع هذه الخطة؟

حجازي: اعتقد أنّ الخطة ستواجه بمعارضة شديدة ليس من العرب فقط، بل من بلديات المدن الكبيرة التي ترفض تقاسم مواردها مع السلطات الأضعف، وكذلك من السلطات الأضعف التي سترفض التنازل عن جزء كبير من صلاحياتها، ناهيك عن الوزارات الحكومية التي لن ترضى أن يُنتَزَع الكثير من الميزانيات والمسؤوليات منها.

ومع ذلك، على السلطات المحلية العربية دراسة الخطة بعناية وفحص المخطط العملي الذي سيتم وفقه تقسيم البلاد إلى مناطق، وفي ما إذا سيتم التقسيم استنادا إلى عدد السكان أم عدد السلطات المحلية أم المساحة الجغرافية، وما هو حجم الصلاحيات التي ستُنتَزع من السلطة المركزية لصالح الأقاليم والصلاحيات التي ستأخذ من السلطات المحلية.

ورغم أنّني لا أرى المخطط يطبّق نظرا للمعارضات التي ذكرت، يجب علينا دراسته جيدا وتقديم البدائل التي تتوافق مع احتياجاتنا وأهدافنا لكي لا يقع علينا التغيير ونحن في غفلة من أمرنا.


د. أحمد حجازي: حاصل على شهادة دكتوراه في الإدارة والسياسة الجماهيرية في الحكم المحلي من جامعة حيفا، محاضر في مجال الإدارة والاستشارة التنظيمية في قسم إدارة الأعمال في كلية "أونو"، شغل عدة مناصب بينها القائم بأعمال رئيس بلدية طمرة في سنوات 1998- 2008، ومدير عام اتحاد مياه محيط شفاعمرو 1997- 2017 ومحاضر في جامعة حيفا في السنوات 2013-2015.