المحامي مجد أبو صالح: لهذا نرفض مشروع التوربينات الإسرائيليّة في الجولان

المحامي مجد أبو صالح: لهذا نرفض مشروع التوربينات الإسرائيليّة في الجولان
من الجولان المحتل (رويترز)

المحامي مجد أبو صالح:

  • راهنوا على "الشقاق الداخلي" فأثبتنا أنّنا موحدون في رفض الاحتلال ومشاريعه
  • إن كنا مختلفين سياسيا، فنحن موحّدون حول هويتنا وانتمائنا لوطننا
  • بوحدتنا سنسقط "مزرعة التوربينات" كما أسقطنا مشروع الانتخابات
  • المشروع يعمّق النفوذ الإسرائيلي في الجولان ويحاصر تطور بلداته وسكانه

جاء تزامن إضراب الجولان ضد مشروع "التوربينات" الإسرائيلي مع الذكرى الـ39 لقرار ضم الجولان ومحاولة فرض الجنسية الإسرائيلية على أهله، تأكيدًا آخر تَبِعَ إفشال انتخابات المجالس المحلية، على أن مرور الزمن وتداعيات تدهور الأوضاع في الوطن الأم – سورية - لن يغيّرا شيئا في الموقف الوطني الثابت الرافض للاحتلال وإفرازاته المختلفة والمتمسك بالهوية العربية السورية.

وشهد الجولان العربي السوري المحتل، الأربعاء ما قبل الماضي، إضرابا عاما ومواجهات احتجاجا على بَدْء مشروع "التوربينات" مع إغلاق شرطة الاحتلال عددًا من المداخل الرئيسة لقرى الجولان، ومنع الأهالي من الوصول إلى أراضيهم الزراعية في المناطق التي تعتزم نصب التوربينات فيها.

وصادقت "اللجنة الإسرائيلية الوطنية للتخطيط والبنى التحتية" في حكومة الاحتلال، بأغلبية أعضائها، على مشروع "توربينات الرياح"، الذي أقرته اللجنة الوزارية لقضايا التخطيط في 12 يناير/كانون الثاني 2020 وبات له صفة القرار الحكومي في 30 من الشهر نفسه.
ويضم المشروع الذي أوكلت للشركة الإسرائيلية "إنرجكس" للطاقة البديلة مهمّة تنفيذه 32 توربينة، ارتفاع الواحدة منها 220 مترًا، ويعد حجمها الأكبر بين التوربينات المستخدمة في العالم حتى الآن.

أهالي الجولان في أراضيهم مؤخرًا (عرب ٤٨)
أهالي الجولان في أراضيهم مؤخرًا (عرب ٤٨)

وأوردت دراسة نشرها "المرصد السوري لحقوق الإنسان" في الجولان أنّ المشروع سيشمل بناء ما لا يقل عن 52 توربينة رياح، وسط أربع من القرى السورية المتبقية في الجولان المحتل، هي مجدل شمس، مسعدة، بقعاثا وعين قنية.

وسيُبنى المشروع في موقعين، الأوّل في منطقة رعبنة الواقعة على بعد كيلو متر أو أكثر من قرية مسعدة وإلى الجنوب من قرية عين قنية، ومنطقة سحيتا، الواقعة في مركز الأراضي الزراعية السورية على بعد يزيد قليلا عن كيلو متر واحد، إلى الجنوب الشرقي من قرية مجدل شمس وعلى بعد أقل من كيلو متر من بركة رام.

ومن المفترض أن يولد المشروع 152 ميغاواط من الطاقة سنويًا، ما سيجعل منه أكبر مزرعة رياح من حيث الإنتاج، والطاقة التي سيتم إنتاجها ستُباع بشكل مباشر لزبون واحد فقط هو شركة الكهرباء الإسرائيلية وستحقق عائدا سنويا يقدر بمئات الملايين.

لم تحدد "إنرجيكس" نموذجا معينا للتوربينات التي ستستخدمها في المشروع، ولكنّها تدّعي أنّ التوربينات ستشتمل على أحدث التقنيات، وسيكون ارتفاع كل منها 180 مترا، أي ما يعادل 64 طابقا وتزن التوربينة الواحدة في نموذج أصغر من الذي تعتزم "إنرجيكس" استخدامه 330 طنا وترتكز على منصات مكونة من 1100 طن من الإسمنت المسلّح ويتراوح قطر التوربينة من 9 - 15مترًا، ويمكن أن تحتوي التوربينات التي يفترض أنّها أصغر حجمًا من تلك المقترحة للمشروع على شفرات تدور بنصف قطر يغطي أكثر من 950 مترًا مربعًا وتدور بسرعة 290 كيلومترا.

وإلى جانب الأضرار التي سيلحقها المشروع بالبيئة والزراعة والسياحة والتطور العمراني، فإنّه سيُعزز باعتباره مشروعًا استيطانيًا ضخمًا من النفوذ الإسرائيلي في الجولان المحتل.

حول تداعيات وأبعاد هذا المشروع وسبل مواجهته والتصدي له وإسقاطاته، أجرينا هذا الحوار مع المحامي مجد أبو صالح.

عرب ٤٨: لماذا كل هذه المعارضة لمشروع يسوق على أنّه طاقة نظيفة وخضراء وودودة للبيئة، لقدومه من سلطة الاحتلال؟

مجد أبو صالح
مجد أبو صالح

أبو صالح: هذا سبب رئيسي طبعًا، ولكن هناك أسبابًا أخرى ترتبط بالأضرار التي يلحقها هذا المشروع بجوانب مختلفة من حياة أهالي الجولان، فرُوِّجَ لهذا المشروع وكأنه سيجلب الفوائد الاقتصادية والصحية والبيئية لأهالي الجولان، وبهذه الطريقة غُرّر بالبعض ممن وقّعوا على اتفاقيات مع الشركة الإسرائيلية المتعهدة لتأجير أرضهم لفترة طويلة المدى.

هذه التوقيعات استندت إلى معلومات غير دقيقة تتعلّق بتفاصيل هذا المشروع وبحجب معلومات عن الأضرار التي يسبّبها للبيئة وللمجتمع في المجالات الزراعية والسياحية والعمرانية، وهي معلومات انكشفت عندما بدأت تطرح التساؤلات حوله وأخذت الناس تدرس وتسأل عارفين واختصاصيّين في مجالات البيئة والصحة والزراعة والسياحة.

وكانت النتيجة أن جميع هؤلاء أوصوا بعدم قبول المشروع، لأنّه سيقتل الجولان الطبيعي الكلاسيكي ويترك تداعيات سلبية على الصحة والزراعة والسياحة وغيرها من مجالات الحياة، خاصّة في المنطقة القريبة من "مزرعة التوربينات" المزمع إقامتها.

في مجال البيئة مثلا، علاوة على تأثيره القاتل على الطيور المختلفة، يؤثر على الحيوانات التي تعيش على الأرض، لأنّ موت الطيور وجيفها المتناثرة على الأرض سيجلب الأذى لسائر الحيوانات ويخل بالتوازنات الطبيعية والبيئية.

وفي المجال العمراني، يقيّد المشروع تطوّرنا السكاني ويحدّ من توسيع مسطّحات القرى وخرائطها الهيكلية، فهو سيغلق المتنفس الوحيد المتبقي لمجدل شمس، على سبيل المثال، نحو الجنوب، لأنّها محاطة من الشرق بخط وقف إطلاق النار ومن الغرب بأراضي قرى جيراننا الذين هُجِّروا عن أرضهم عام 1967 ومن الشرق بـ "الحديقة الوطنية"، حسب مصطلحاتهم، والتي تقع بيننا وبين جبل الشيخ.

عرب ٤٨: المشروع يقع على مقربة من المساحة العمرانية؟

أبو صالح: هو يبعد عنها بعض الشيء، ولكن يشترط أن تكون مسافة فاصلة بينه وبين المنطقة السكنية، وبالتالي هو يستولي على احتياطي الأراضي الوحيد المتبقي لنا للتوسّع العمراني باتجاه الجنوب، ليتم إحكام الحصار حولنا من الجهات الأربع.

هو مشروع سيّئ لنا من جميع النواحي، وقد طُرِحَ الموضوع مع الأشخاص الذين وقّعوا الاتفاقيات وقامت غالبيتهم العظمى بالتوقيع على طلبات لإلغائها. وبالمناسبة، كان قسم منهم مشارك في الإضراب الأخير وبعضهم اعتقل، هذا يدل على أنّ الموضوع عليه إجماع بما يشمل الناس الذين وقّعوا بغالبيتهم، لذلك هذا موقف غير قابل للنقاش.

عرب ٤٨: فهمنا أنّكم توجّهتم للشركة المنفّذة مطالبين بإلغاء الاتفاقيات وستتوجهون للمحكمة بهذا الصدد؟

أبو صالح: نحن نعمل في مستويين المستوى القانوني، وأنا شخصيًا، كمحام، أشكّ في أنّنا نستطيع الحصول على نتيجة إيجابية عن طريقه؛ والمستوى الجماهيري، الذي نراهن عليه، ويتمثل بالالتفاف الشعبي الجماهيري حول رفض هذا المشروع.

عنفات الرياح قبل نصبها العام الماضي
عنفات الرياح قبل نصبها العام الماضي

يجب على الشركة المنفّذة للمشروع أن تدرك أنّ هناك إجماعًا من كافة شرائح المجتمع، سواء من رجال دين أو شباب أو مختصّين على رفض هذا المشروع الذي لا يعود علينا سوى بالسوء، وبأننا سنتجنّد بكل قوتنا لإسقاطه.

عرب ٤٨: جرت مواجهات واعتقالات خلال الإضراب الأخير؟

أبو صالح: الإضراب الأخير جاء في إطار سلسلة احتجاجات وسبقه اعتصام في ساحة سلطان باشا الأطرش في مجدل شمس، وكان أكثر من اجتماع في مزار أبو ذر الغفاري، وجرى توقيع عريضة شملت آلاف التواقيع وُجّهت للجهات المختصة.

وعبّرنا عن موقفنا وإرادتنا نحن أصحاب الأرض والمستفيدين، الذين إن كانت هناك فائدة من المشروع ستكون لنا ونحن لا نريدها وإن كان هناك ضرر سيعود علينا ونحن نرفض هذا الضرر.

عرب ٤٨: هل هناك مفاوضات مع الشركة المنفّذة؟

أبو صالح: لا توجد مفاوضات مع الشركة، فهي متمسكة بأنّها وقّعت اتفاقيات وتريد تنفيذها، وقد جاءت قبل بضعة أيام لإجراء فحوصات للتربة لكي تحصل على تراخيص لإقامة التوربينات، وهو عمل منافٍ للقانون لأنهم يدخلون الأرض ويفحصون ويغيرون شكل التربة. وكما هو معروف، فكل تغيير لوجه الأرض يحتاج إلى ترخيص، وبما أنّهم يشتغلون ويحفرون بدون ترخيص فهم يقومون بعمل غير قانوني، وبحماية الشرطة.

الشرطة تحمي، مع الأسف، الأشخاص الذين يخالفون القانون، رغم أنّها تعلم أنّ لجنة التنظيم المحلية في مسعدة أصدرت أمرَ وقفٍ إداريًا ضد الشركة وتعتدي وتعتقل المواطنين الذين يحتجون بشكل سلمي وقانوني.

عرب ٤٨: الإضراب الأخير تزامن مع الذكرى الـ39 لقرار ضم الجولان ومحاولة فرض الجنسية التي أفشلها صمود أهله؟

أبو صالح: نعم، هي مفارقة أن يتزامن الإضراب مع ذكرى تطبيق القوانين الإسرائيلية على الجولان، وهناك نقاش بين فقهاء القانون حول إن كان تطبيق القانون الإسرائيلي يعني الضم أم لا، وهذه مسألة أخرى خارجة عن موضوعنا.

الكنيست أقر في 14.12.1981 تطبيق القوانين والأنظمة والإدارة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان، كما جاء في نص القانون الذي سن لهذا الغرض، بعدها بثلاثة أيام صدر قرار بالإجماع من مجلس الأمن حمل رقم 497 يعتبر قرار الكنيست باطلا ولاغيًا وليس له أي أثر قانوني.

من إضراب الجولان بعد فرض المواطنة
من إضراب الجولان بعد فرض المواطنة

وبناء على القرار الذي اتخذه الكنيست، قرّرت إسرائيل تبديل هويّات سكان الجولان. وبالمناسبة، صراعنا مع إسرائيل ليس على الهوية التي هي بطاقة تعريف، بل على الجنسية التي تعني التبعية المتبادلة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وبالتالي رفضنا الجنسية الإسرائيلية التي تعني أنّك مواطن في دولة إسرائيل، بينما تعني الهوية أنّك مقيم في دولة إسرائيل.

عرب ٤٨: إفشال فرض الجنسية عليكم جعلكم مقيمين على غرار سكان شرقي القدس؟

أبو صالح: مع فارق بسيط، هو أنّ سكان القدس يحاولون الحصول على الجنسية، وإسرائيل لا تعطيهم لأسباب تتعلق بالتوازن الديموغرافي ومحاولات إفراغ القدس من سكانها الفلسطينيين، ومن جهتنا نتفهّم هذا الموقف، بينما حاولت إسرائيل وما زالت فرض الجنسية علينا وما زلنا نرفضها، لأن المجتمع أجمع أنّنا مواطنون سوريون وهويتنا وجنسيتنا السورية غير قابلة للنقاش والتفاوض.

واليوم هم يراهنون على الجيل الجديد الذي خُلق في ظل الاحتلال، هذا الجيل لا يعرف بلده ولم يعايش أحداث إضراب وانتفاضة 1981 ويتعرّض للكثير من المغريات المادية والحياتية، ويراهنون على الأحداث المؤسفة الواقعة في بلدنا ويقولون لنا انظروا ماذا يوجد هناك وماذا يوجد هنا، ولكنّهم سيصابون بخيبة أمل كبيرة لأن مسألة الهوية والانتماء عندنا تخلق وتنمو مع الطفل العربي السوري منذ ولادته.

والدليل أنّهم عندما حاولوا إعادة "الكرّة" في 30.10 من العام الماضي، عبر فرض ما يسمى بالانتخابات تلقّوا نفس الجواب الذي تلقوه قبل 39 سنة، حيث قلنا لهم لا انتخابات في ظل احتلال لأن الاحتلال واقع فرض بالقوة، وبالتالي فكل مؤسساته لا تمتلك الشرعية القانونية والأخلاقية لتمثل السكان، وبالتالي لا تمثلنا ونحن نرفضها لأننا لا نرغب بإضفاء الشرعية على الاحتلال ومؤسساته.

لقد راهنوا على "الشقاق الداخلي" وراهنوا على ما يحدث في سورية، فاثبتنا لهم أنّنا في كل ما يتعلق بالجانب الوطني لا خلاف بيننا، وإن كنا مختلفين سياسيًا، فإنّنا موحدون حول هويتنا السورية وتبعيتنا الكاملة لسورية وطنا ودولة لا نرضى عنها بديلا.

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص