د. غانم: تغيّرات في عمق المجتمع الإسرائيلي أدت للانزياح إلى اليمين

د. غانم: تغيّرات في عمق المجتمع الإسرائيلي أدت للانزياح إلى اليمين
مناصر لنتنياهو في انتخابات آذار الأخيرة (أ ب)

د. هنيدة غانم:

  • عوامل ديمغرافية وجيو سياسية وراء انزياح المجتمع الإسرائيلي إلى اليمين
  • الكتلة الدينية والحريدية تشكل ما يقارب 30% والشرقيون أكثر من 40%
  • المستعمر الصهيوني العلماني الطلائعي أخلى دوره للمستوطن الصهيوني المتدين
  • على العرب أن ينتظموا جماعيا ويحافظوا على ثوابتهم حتى عندما يذهبوا للكنيست


ما يميّز الجولة الرابعة من الانتخابات الإسرائيلية غير المحسومة - عدا عمّا تعكسه من أزمة حكم - هو وقوعها في ملعب اليمين. حيث تُنْبِئ استطلاعات الرأي بأن الكنيست القادمة ستضم أكثر من 80 عضو كنيست من اليمين، هذا في ظل تآكل أحزاب "اليسار" التاريخية، مثل حزب العمل الذي لن يتجاوز نسبة الحسم.

والمفارقة أنّ المنافسة على رئاسة الحكومة ستجري بين زعيم الليكود الحالي، بنيامين نتنياهو، والوزير السابق المنشق عن الليكود، غدعون ساعر، الذي كان أحد أبرز رموز اليمين في الليكود، حتى أن كثيرين يرون به، في المفاضلة بينه وبين نتنياهو، بأنه اليمين الحقيقي.

حول أسباب انزياح المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين وتداعيات ذلك على الأداء البرلماني العربي، كان هذا الحوار مع الباحثة في علم الاجتماع السياسي ومديرة المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – "مدار"، د. هنيدة غانم.

عرب 48: من الواضح أنّ هناك تغيرات في عمق المجتمع الإسرائيلي، أدّت إلى هذا الانزياح السياسي الجارف نحو اليمين؟

د. هنيدة غانم
د. هنيدة غانم

غانم: من متابعتي كباحثة متخصصة في السوسيولوجيا السياسية الإسرائيلية منذ عام 2008 على الأقل، أنا غير متفاجئة بتحول المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين. فإحدى فرضيات العمل التي أستند إليها أنّ إسرائيل تمرّ بتغيرات بالعمق وهي ناتجة عن تقاطع تغيّرات ديمغرافية مع تغيرات جيوسياسية أدّت، بالمحصّلة، إلى هذا التحول. وبالتالي، فإنّ انزياح المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين الديني والاستيطاني كان واضحة بالنسبة لي.

نحن نعرف أنّ من أقام الصهيونية وأنشأ دولة إسرائيل هم اليهود الأشكناز القادمون من شرقيّ أوروبا أساسًا. وبناءً عليه كانت نسبة العلمانيين - الاشتراكيين الديمقراطيين بين المستوطنين في الـ48 لا تقل عن 85%، وأنّ النقاش مع التيارات الدينية والحريدية قبل الـ48 كان حول فكرة إقامة دولة يهودية، وهو نقاش تحول بعد الـ48 إلى نقاش حول طبيعة الدولة والعلاقة بين التيارات التي تمثّل مركّباتها المختلفة.

اليوم هناك 38% فقط من اليهود في إسرائيل يعرّفون أنفسهم على أنّهم علمانيّون. في المقابل، نسبة اليهود الحريديين تبلغ 15% بين عموم السكان اليهود و27% في الصفوف الأولى بالمدارس، في حين تبلغ نسبة الطلاب في التيار الديني الرسمي أكثر من 15%، ما يشير إلى الاتجاه الذي يسير فيه المجتمع الإسرائيلي.

وإذا سلّمنا أنّنا أمام كتلة دينية - حريدية تشكّل ما يقارب الـ30% من السكان، وهي في نمو متسارع، فهذا لا يعني أنّ الكتلة العلمانية هي يسار أو وسط، فإذا أخذنا حزب ليبرمان الذي يستند إلى قاعدة علمانية صرفة (هم المهاجرون الروس) نرى أنّه حزب يمين ذو سمات فاشية. كما أنّ الليكود يمين علماني، بالرغم من أنّه يعتمد على قاعدة اجتماعية محافظة دينيا بغالبيتها من اليهود الشرقيين. وكذلك حزب ساعر المنشق عنه أيضا، هذا يعني أن الفسيفساء الإسرائيليّة تغيّرت والقماشة الإنسانيّة الإسرائيلية تغيرت.

عرب 48: صعود اليمين ممثلا بالليكود ارتبط تاريخيا بارتفاع شأن اليهود الشرقيين في إسرائيل كمًا ونوعا؟

غانم: التجربة التاريخية التي مرّ بها اليهود الشرقيون في المراحل الأولى لبناء الدولة والعنصرية التي مورست ضدّهم من حزب "ماباي" مؤسس المشروع الصهيوني، جعلتهم - عوضًا عن انتقاد المشروع الصهيوني - ينافسون على تصدّره من خلال الانزياح أكثر وأكثر نحو اليمين.

ردّة فعلهم على الظلم والعنصرية اللذين وقعا عليهم لم تجعلهم يعادون وينتقدون المشروع الاستعماري الذي نزع عنهم عروبتهم وانتزعهم من أوطانهم واستجلبهم كأيدٍ عاملة رخيصة لخدمة أغراضه، بل جعلتهم ينطلقون من أنّ الدولة الصهيونية مفهومة ضمنًا، والسؤال كيف يكونون جزءا منها ويتصدرونها.

النخبة التي أسست إسرائيل أشكنازية شرقية (أرشيف الجيش الإسرائيلي)
النخبة التي أسست إسرائيل أشكنازية شرق أوروبية (أرشيف الجيش الإسرائيلي)

هم طوّروا نوعًا من الهوية الشرقية اليهودية الصهيونية التي من حقها أن تنافس على الصدارة على قدم المساواة مع الصهيونية الأشكنازية. وفي هذا السياق، إذا نظرت إلى لجنة "بيطون" (اللجنة التي أقامها في حينه وزير المعارف، نفتالي بينيت، وترأسها الشاعر الشرقي الأصل، إيرز بيطون) فهي مرآة ممتازة لما يريد أن يكونه الشرقي في هذه الدولة.

أولا: الهدف من إقامة اللجنة كان إدماج السردية الشرقية في السردية الصهيونية العامة، وإذا كانت الرواية الرسمية تفيد بأن من أسس الصهيونية وعانى من أجل إقامة إسرائيل هم اليهود الأشكناز، فإن لليهود الشرقيين حكاية أيضًا يجب أن تظهر من خلال رواية قصص عن دورهم في دعم الصهيونية، وإذا كانت الصهيونية تجعل من المحرقة القصة المحورية في الحيّز العام حيث يجري من خلالها إنتاج الهوية، فالشرقي بطبيعة الحال لم يكن لديه محرقة ولكن لديه قصصا وربما "بوغروم" يريد أن يحكي عنها وعنه في هذا السياق.

عرب 48: مع حسم الشرقيين لموقفهم إلى جانب اليمين وما باتوا يتمتّعون به من وزن ديمغرافي، انخفضت - وربّما تلاشت - احتمالات "اليسار" للوصول إلى الحكم في إسرائيل؟

غانم: الحديث يدور عن 40% من السكان. وفي مرحلة معينة (قبل الهجرة الروسية) كانوا 50%، علمًا بأنّ 80% منهم يقولون إنّهم يصوتون لليكود. لكن ما أردت تأكيده أنّ التغيّرات الديمغرافية تلك تقاطعت مع تغيّرات جيو سياسية، إذ إنّ لحظة احتلال الـ67 هي لحظة مفصلية في تحول المشروع الصهيوني إجمالًا، وأنا أميّز بين نموذج "المستعمرة"، الذي ساد في الـ48 ونموذج "المستوطنة" السائد في الـ 67.

والتمييز يبتغي فهم التغيّرات التي حصلت في المشروع الصهيوني نفسه وليس تبني المفاهيم. بمعنى أنّ المشروع الصهيوني حتى الـ67 هو استعماري سياق تطوره هو السياق الاستعماري الإمبريالي الغربي، نموذجه هو الاستعمار البريطاني والفرنسي وفكرة المستعمرة بمعنى أن تخرج من مكان وتنشئ لك مستعمرة وتنتقل مع سياستك وتفرضها على السكان المحليين، من خلال طردهم أو تحييدهم نهائيا عبر استدماجهم أو محوهم.

وهذا المشروع بالأساس يعني استخدام وتطويع الرواية الدينية وعلمنة المفاهيم الدينية مثل الخلاص والأرض الموعودة وغيرها، رغم أنّ من قاده هم أناس ملحدون استخدموا الإيتوس والأساطير الدينية والتوراتية لإقامة دولة يهودية في فلسطين. علمًا أنّ الناظم العام كان إقامة دولة قومية علمانية ديمقراطية لليهود، ولا يوجد تناقض بين كونها استعمارية وديمقراطية لليهود، بل هي ديمقراطية المستعمر.

لقد كانت المستعمرة بهذا المفهوم الأوروبي الاستعماري الغربي تريد أن تكون ديمقراطية وتنهل من الفكر الاستعماري الأوروبي السياسي، وهو نموذج تحقّق بواسطة العنف المؤسس من خلال عملية التطهير الإثني الذي حصل في الـ48 وتحويل السكان الأصليين إلى أقليّة هامشية، وتواصل من خلال العنف الحافظ عبر سياسات الإخضاع المختلفة ووضع القوانين والمنظومة التي تحفظ هيكل الدولة والتأسيس للـ"رسمية" وتكريس طابع الدولة كدولة يهودية من خلال سلسلة قوانين على غرار قانون العودة لليهود، وهي بمجموعها قوانين حافظة للفكرة الأساسية المتبقية دائمًا في قلب المشروع الصهيوني، وهي فكرة الدولة اليهودية.

عرب 48: بماذا اختلفت المستوطنة عام 67؟

غانم: الـ67 هي لحظ مختلفة. فحتى الـ67 أَخضعت الصهيونية الدين، والتقى الحقيقي مع الأسطوري، بمعنى التقت إسرائيل المستعمرة مع أرض إسرائيل التي هي جزء من المخيال التوراتي الديني. هذه اللحظة (النكسة) التي تمت السيطرة فيها على ما يسمى قلب أرض إسرائيل هي لحظة أزمة المشروع الصهيوني ولحظة مؤسّسة جديدة.

والنموذج الجديد الذي تأسس قادته حركة "جوش إيمونيم" وهي حركة دينية استيطانية، وهنا دخلت الصهيونية الدينية والأسئلة التي ترتبط بالعلاقة مع "الأرض المقدسة" واحتلت الصدارة.

احتلال المسجد الأقصى (أرشيف الجيش الإسرائيلي)
احتلال المسجد الأقصى (أرشيف الجيش الإسرائيلي)

وإذا كانت "أوفوريا" (نشوة) الانتصار والالتقاء مع "أرض إسرائيل" الأسطورية شملت الجميع في البداية وقاد الحركة من أجل أرض إسرائيل مثقّفون علمانيون كبار، إلّا أنّ هذه الأوفوريا بدأت تتراجع تدريجيا بعد اكتشاف أن الفلسطيني لا "يختفي" كما حصل في الـ48، وبسبب الثمن الذي كبّدته المقاومة الفلسطينية للاحتلال.

وبدأ الانقسام يظهر بين الصهيونية المؤسسة التي لجأت إلى البراغماتية كوسيلة للسيطرة على الأرض وتقليل الخطر الأمني، بما في ذلك اللجوء إلى تسويات سياسية للحفاظ على مشروع الدولة اليهودية الذي أقامته في الـ48، وبين التيّار الديني المأخوذ بفكرة أرض إسرائيل والذي اشترى البضاعة التي باعته إياها الصهيونية المؤسسة، من أنّه يعود إلى أرض إسرائيل وفكرة المساومة بالنسبة له غير واردة، والفكرة الأساسية لديه هو كيف يسيطر على هذا المكان. وبهذا المعنى فإنّ المستوطنة استبدلت المستعمرة و"المستوطن المتدين" استبدل "المستوطن الطلائعي العلماني".

هذه التحولات الجيوسياسية تقاطعت مع التحولات الديمغرافية سالفة الذكر، وساهمتا معًا في إزاحة المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين، وأدّتا إلى تغّير تدريجي في النخب الحاكمة وصولًا إلى انتهاء دور المؤسسين وصعود من كانوا يعتبرون سابقًا هوامش المشروع الصهيوني، على غرار حركة "غوش إيمونيم" والتنقيحيين ونخب الشرقيين الذين تم استدماجهم في الليكود وغيره من أحزاب اليمين.

عرب 48: هو صعود لنجم ما بات يعرف بالصهيونية الدينية على حساب الصهيونية العلمانية التقليدية؟

غانم: صحيح ولكن في كل الأحوال تبقى الدولة اليهودية هي المحور، وإن كانت هناك اختلافات فهي على حجمها وعلى طبيعتها وعلى المساحة التي يمكن إعطاؤها للفلسطيني. وإذا كانت الصهيونية العلمانية مستعدة للمساومات، فإنّ الصهيونية الدينية تقوم على نزع الشرعية ونفي الآخر. وإذا أراد هرتسل، كما قال، إقامة الدولة اليهودية لتخليص اليهود من المهانة، فإنّ صهيونية اليوم تأخذ المشروع الصهيوني إلى أقصى الفكر الفوقي، وتدخله في "بوميرانغ" يجعله يفقد من رصيد الضحية الذي قامت عليه الصهيونية، وهي حالة قبلية واستقواء غير مسبوقة تذكرنا بألمانيا عشية ثلاثينيّات القرن الماضي.

عرب 48: هذا يترجم انتخابيا كما ذكرنا باختفاء "اليسار" وتآكل الوسط لتغدو المنافسة بين اليمين واليمين، الأمر الذي يسقط معادلة الخيار بين السيّئ والأسوأ التي اتّبعها العرب حتى الانتخابات الأخيرة؟

غانم: اليوم تجري الانتخابات بين تيارات مختلفة من اليمين حول طبيعة وشكل دولة أرض إسرائيل. والسؤال هو ليس الضم، بل كيفيّة الضم وليس الأراضي المعدة للدولة الفلسطينية، بل حجم هذه الأراضي وسؤال ماذا نفعل بالفلسطينيين، هل نعطيهم حقوقًا أم لا؟

اليوم هناك إجماع على القضايا الأساسية وليس من المستغرب في ظل تنويعات اليمين أن يطرح موضوع الضم مجدّدًا، ويتم استغلاله انتخابيا لتمرير صفقات معينة.

عرب 48: ولكنّنا نرى أنّ نتنياهو الذي كان يحرض ضد العرب يتوجه إليهم للحصول على أصواتهم؟

غانم: لا فرق بين التعامل مع العرب كمخزون أصوات وبين التحريض عليهم. في الحالتين هناك نزع وعدم اعتراف بشرعيتهم، إنْ كان بالتحريض أو بالرشوة الانتخابية، هم يقولون إنّ العرب على حافة المواطنة وليس داخلها أو خارجها تماما ويتعاملون مع هذه المجموعة وفق مصالحهم، يستطيعون مهاجمتها والتحريض عليها إذا اقتضت الحاجة أو رشوتها إذا اقتضى الأمر ذلك. فعند طرح تبادل المثلّث تم إخراجهم منها نهائيا، واليوم يقولون تعالوا أعطونا أصواتكم.

عرب 48: في المقابل، العرب الذين حاولوا استعادة الدور الذي لعبوه زمن رابين فشلوا رغم التوصية على غانتس؟

غانم: لا أوافق، لا يمكن للفلسطينيين مواجهة الواقع الذي يعيشونه دون أن يتنظّموا جماعيًا، والتنظيم الجماعي يجب أن يشمل حتى الذهاب للكنيست، وهذا يجب أن يكون الهدف من القائمة المشتركة.

عرب 48: ولكن هناك من يقول لا فرق بين المعسكرات الصهيونية المتنافسة، ولذلك يجب المناورة بينها لتحقيق المصالح والمنافع؟

غانم: هناك خطوط حمر والخط الأحمر الأساسي يجب أن يكون عدم التساوق مع اليمين ومع نتنياهو. وإذا كان نضالنا من أجل الميزانيّات فلنذهب إلى السلطات المحلية. ولكن إذا كان الهدف هو أن نتنظّم كقوة تعمل داخليا وخارجيا ودوليا، فيجب أن تكون لدينا مجموعة من المبادئ مرتبطة بحقوق جماعية وفردية، وفكرة الحقوق الجماعية تتناقض تماما مع وجودنا في حكومة أو ائتلاف صهيوني بل يجب أن نتننظم بالضرورة كمعارضة لها مطالب قومية قبل كل شيء.

لا أستطيع أن أرى الفلسطيني كجزء من حكومة أو ائتلاف وأن يضع يده بيد الفاشي، ولكن أستطيع أن أرى ألوان الساحة الإسرائيلية. وبالرغم من كل شيء أنا أميّز بين سموتريتش ويائير لبيد على سبيل المثال، ويجب التمييز بين الألوان ورؤية الفروقات والتناقضات والتحرك بينها ضمن الحفاظ على ثوابتنا الوطنية وعدم التفريط بها مقابل فتات الإنجازات.


د. هنيدة غانم: باحثة في علم الاجتماع السياسي ومديرة المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية - "مدار".

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص