حوار | الإسلاميون داخل الخطّ الأخضر... بين تجربتين

حوار | الإسلاميون داخل الخطّ الأخضر... بين تجربتين
من تظاهرة ضد حظر الحركة الإسلامية (أ ف ب)

د. منصور نصاصرة:

  • الاندماج في المنظومات السياسية للدولة تحول تكتيكي لا يمس الأيديولوجيا
  • مناهضة أوسلو ودخول الحيز المقدسي والمجتمع العصامي وراء حظر الحركة الشمالية
  • خطوة د. منصور عباس مناورة سياسية مدروسة ومن السابق لأوانه الحكم على نتائجها

احتلت الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني محور دراسة تحت عنوان "الحركات الإسلامية ونماذج الإقصاء والانخراط في المنظومات السياسية "، للمحاضر في العلاقات الدولية في جامعة بئر السبع، د. منصور النصاصرة، وزميله د. كريج لاركين من كينغ كوليج لندن، ونشرت مؤخرًا في مجلة الدمقرطة العالمية.

وتسلّط المقالة الضوءَ على بعض نماذج التحول الذي شهدته الحركات الإسلامية في العقود الأخيرة في العالم العربي، وتتناول بشكل خاصّ حالة الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني بشقيّها، من منظور الدراسات المقارنة ونظريات الإقصاء والاندماج في المنظومات السياسية والعمل البرلماني.

وتعتمد المقالة على بحث ميداني دام سنواتٍ وتحليلِ الصحافة والمقابلات المطوّلة مع النخب السياسية والناشطة في الحركات الإسلامية، مثلما يقول النصاصرة، وهي تحاول أن تحلّل نماذج مختلفة من عمل الحركة الإسلامية (بشقيّها) مثل الانخراط في الانتخابات البرلمانية وحتى بناء نموذج ريادي، حمل اسم "المجتمع العصامي" في أم الفحم والصراع على الأوقاف في القدس ونقد اتفاقيات أوسلو وغيرها من المحاور.

د. منصور نصاصرة
د. منصور نصاصرة

وحول أهم محاور الدراسة والتحولات في أنماط عمل الحركات الإسلامية، كان هذا الحوار مع د. منصور النصاصرة:

عرب ٤٨: فهمنا أنّ المقالة هي بمثابة بحث أوّلي لمشروعٍ موسّعٍ سيصدر باللغة الإنجليزية ويتناول التحولات التي طرأت على العمل الإسلامي في الوطن العربي وفلسطين؟

نصاصرة: صحيح، البحث الذي أنجزته أنا وزميلي د. لاركين اعتمد على أكثر من 30 مقابلة مع أكاديميين عرب وقياديين محليين في الحركات الإسلامية والمجتمع المدني، وأيضًا تتبّعنا الصحافة التي تصدر في دول عربية مختلفة، بينها تونس ومصر والأردن والمغرب والكويت وغيرها، وسيُتوَّج هذا البحث بإصدارات أخرى عن الحركات الإسلامية في العالم العربي، وما يجري عندنا في فلسطين من منظورٍ مقارن.

الدراسة التي نشرت مؤخرا في مجلة الدمقرطة العالمية تُكمل ما بدأنا به منذ عام 2018، حين قام د. لاركين بإنجاز دراسات عن الحركات الإسلامية في العالم العربي، وقمت أنا بالكتابة عن الحركة الإسلامية في فلسطين ودورها في الحيّز المقدسي، والدراسة التي نشرت في مجلة الدمقرطة - وهي واحدة من المجلات المُحكّمة على مستوى العالم في دراسات الديمقراطية - تكمل سيرورة البحث الذي بدأنا به، وتعتبر حلقة في بحث شامل سينجز لاحقا في مجلات أخرى.

وتحاول الدراسة فهم ما يجري في الحركات الإسلامية في العالم العربي، وهل هناك تحوّل في أنماط الفكر السياسي لهذه الحركات، إن كان في الأردن أو مصر أو تونس أو المغرب والجزائر وغيرها، وفي البلاد عندنا من منظور دراسة ما يسمى بنظرية "الوسطيّة"، التي تحاول أن تفهم أسباب التحول في التصرف السياسي للحركات الإسلامية في العالم العربي خلال العقود الأخيرة.

نظرية الوسطية تفسّر لنا كيف أنّ حركات متشدّدة قوميًا أو دينيا أو حركات ضد المنظومة الديمقراطية بدأت تغيّر من نهجها عبر المشاركة، على سبيل المثال، في العملية الديمقراطية والتعددية على مستوى العالم ككلّ، ونحن نأخذ الحركات الإسلامية نموذجًا.

د. عبد الله نمر درويش
عبد الله نمر درويش

ونتساءل، نظريًا، هل التغيير في نهج الحركات الإسلامية في العالم العربي ممكن أن يحدث بسبب سياسة الاضطهاد التعسفية من قبل الدولة لهذه الحركات؟ ونتوقف عند سياسة الاحتواء التي بدأت الحركات الإسلامية من خلالها بلعب دور مهم على مستوى هذه الدول، هل التحولات الحاصلة تمثل تغييرًا أيديولوجيًا أم هي نتاج نقاشات داخلية في الحركات الإسلامية ومواكبة ما يحدث في العالم؟ وعن أنماط هذه التغيرات من حركات إسلامية - كانت حركات، في الأساس، تميل إلى نموذج العمل المدني وإلى حركات ممثّلة في البرلمانات المختلفة - وأصبحت تخوض المعركة الانتخابية كجزء من منظومة الدول العربية المحيطة بنا في مصر والمغرب والكويت والجزائر وغيرها، والنموذج الأكثر بروزا في تونس، حيث أصبحت حركة النهضة ليس فقط حزبًا إسلاميًا، وإنّما حزب سياسي يلعب الدور السياسي بالكامل في المنظومة الديموقراطية التونسية.

عرب ٤٨: طبعا، النموذج التونسي يقابله النموذج المصري، حيث أخفق الإخوان المسلمون في الاستمرار في السلطة؟

نصاصرة: النموذج التونسي مهمّ جدًّا في سياق تحول البلد إلى التعدديّة السياسيّة ضمن منظومة توافقية فيها تمثيل لغالبية الأطياف السياسية، بما فيها حركة "النّهضة"، التي كانت محظورة من الرئيس التونسي المخلوع، زين العابدين بن علي، وكان جميع قياداتها في المنفى في لندن حتى عام 2011، ثم انتخبت بأغلبية عام 2011 وتحوّلت، لاحقا، إلى جزء من منظومة سياسية توافقية تونسية.

د. كريج لاركين
د. كريج لاركين

نرى كيف أنّ التحول أوصل "النهضة" إلى السلطة، وفي مصر رأينا كيف أن تعسّف السلطة العسكرية أدى إلى إقصاء الإخوان من الحكم بعدما نجحوا في كسب الانتخابات ديموقراطيًا عام 2011 بعد عقود من الإقصاء والاضطهاد. لدينا نموذجان الأول يفسّر كيف يمكن دمج الحركات الإسلامية في منظومة الانتخابات والتعددية وفي المنظومة السياسية؛ والثاني يبرز منظومة الإقصاء والاضطهاد المرتبطة بالدولة والتي قامت بإقصاء الحركة الإسلامية الشمالية من المنظومة المدنيّة والسياسية.

عرب ٤٨: ولكن هناك من يقول إنّ "النهضة" في تونس نجت لأنّها تعاملت بمرونة أكثر من "الإخوان المسلمين" في مصر، وإنها تعلّمت من تجربة إقصائهم عن السلطة؟

نصاصرة: هذا حصل في تونس بعد نقاشات طويلة داخل حركة "النهضة"، بينما في مصر عندما نتحدث عن النظرية الوسطية، فتم إقصاء "الإخوان المسلمين" من السلطة تاريخيا، وسجن قياداتهم حتى بعد انتخابها ديموقراطيا في مصر عام 2011، واختيار الرئيس المنتخب، محمد مرسي، وسجنه لاحقا.

وكيف تحولت الحركة الجنوبية من نموذج حركة إسلامية دعوية إصلاحية إلى حركة برلمانية، أيضًا، وهل هذا جزء من التحول الذي طرأ على الحركات الإسلامية في العالم العربي وانخراطها في المنظومات البرلمانية، كسؤال مركزي وماذا دفع الجنوبية للقيام بهذا التغيير.

نحن ندّعي أنّ هذا التغيير هو تغيير أو تصرّف سياسي تكتيكي مثير جدًّا من الحركة الجنوبية، عندما قرّرت في عام 1996 أن تخوض الانتخابات الإسرائيلية، ومن ناحية أخرى نرى أنّ السياسة التي تم اتّباعها ضد الحركة الإسلامية الشمالية هي سياسة الإقصاء والاضطهاد والسجن، في محاولة، عبر الضغط عليها، لتغيير نهجها تجاه الملفات الساخنة مثل القدس والأقصى وتطوير نموذج المجتمع العصامي ونقد اتفاقيات أوسلو علنا.

إذا رجعنا لتاريخ "أسرة الجهاد" ومؤسس الحركة الإسلامية، الشيخ عبد الله نمر درويش، نرى أنّ آلية الاعتقال أدّت إلى تغييرٍ معيّن حينها في نهج الحركة التي انبثقت لاحقا وما زالت حتى اليوم. وتجب الإشارة، في هذا السياق، إلى أنّ جزءًا من نظرية الوسطية هو محاولة الضغط على هذه الحركات لتغيير نهجها عن طريق الإقصاء وحتى الحظر.

عرب ٤٨: نعرف أنّ الحركة الإسلامية انشقّت نتيجة الخلاف على موضوع مهمّ، وهو موضوع المشاركة في انتخابات الكنيست الذي تعتبره دراستكم اندماجًا في المنظومة السياسية؟

نصاصرة: يشير مفكّرون فلسطينيّون محلّيّون إلى أنّه من خلال مقاطعة الانتخابات البرلمانيّة، احتجاجًا على سياسات التعامل مع الأحزاب العربيّة، حدثَ تغيُّر تدريجيّ في آليّة احتجاج الفلسطينيّين في إسرائيل ضدّ الكنيست؛ وذلك بالانتقال من التصويت للأحزاب المناهضة للصهيونيّة إلى مقاطعة الانتخابات تمامًا. لم يكن هذا التحوّل ليَحْدث لولا وجود أثر لموقف الجناح الشماليّ للحركة الإسلاميّة.

من منظور أيديولوجيّ، رفضَ أعضاء الحركة الشمالية المشاركة في الكنيست، لأنّها تتصادم مع مبادئهم ومعتقداتهم وأجنداتهم المجتمعية. شكّلت المقاطعة الأيديولوجيّة %10 من المقاطعة العامّة للانتخابات في الفترة الواقعة بين العامين 1997 - 2007. في نقده للكنيست كمنبر للأقلّيّة العربية، أشار رئيس الحركة الإسلامية الشمالية، الشيخ رائد صلاح، إلى وجوب تركيز الجهود في بناء القدرات المجتمعيّة، لأنّ المشاركة في الانتخابات من شأنها أن تُضعف دورهم التاريخي. بواسطة الانكفاء المحلّيّ لأنشطة الحركة والتركيز على تمكين المجتمع العربيّ، كثّف الشيخ صلاح وأتباعه جهودهم المحلّيّة بواسطة تقديم خدمات إنسانيّة للأقلّيّة الفلسطينيّة عن طريق مختلف المنظّمات الإسلاميّة، باعتباره النهج الأمثل للحركة.

من ناحية أخرى، رأى مؤسّس الحركة الإسلاميّة، الشيخ عبد الله نمر درويش، أنّ دَوْر الأحزاب السياسيّة العربيّة بالغ الأهمّيّة، مشيرًا إلى أنّ دعم المشاركة في الانتخابات القُطْريّة سيمكّن النواب العرب من معالجة قضايا حارقة تخصّ الأقلّيّة العربيّة والسعي لتحقيق المساواة على عدّة صُعُد. اعتبر درويش الكنيست وسيلة لتحسين أوضاع السلطات المحلّيّة العربيّة (وبخاصّة من خلال تحصيل ميزانيّات متساوية)، مضيفًا أنّ الطريق المثلى لتلبية مصالح المجتمع الفلسطينيّ في إسرائيل تكمن في مختلف مستويات التداخل والتمثيل الوطنيّ.

الشيخ رائد صلاح، رئيس الشقّ الشمالي (أ ب)
الشيخ رائد صلاح، رئيس الشقّ الشمالي (أ ب)

وباعتبار أنّ درويش أبرز قادة الحركة، أشار كذلك إلى أنّه منذ بداية انخراط الأقلّيّة العربيّة في الكنيست، لم تعد أصوات الناخبين العرب موجّهة للأحزاب الصهيونيّة، فقد حرّرت الأحزاب العربيّة الأصوات العربيّة من الصهيونيّة (مقابلة مع درويش، "الجزيرة"، 28 نيسان/أبريل/ 1999). يتّفق مع درويش في موقفه هذا النائبُ السابق عن الحركة في الكنيست، طلب أبو عرار، قائلًا إنّ "الحركة ترى العديد من النتائج الإيجابيّة للتواجد في الكنيست. إنّ الكنيست هي منبر مهمّ لعرض قضيّتنا ومشاكلنا اليوميّة".

عرب ٤٨: ونرى أنّ الحركة الإسلامية الجنوبية ذهبت في هذا التغيير والمشاركة البرلمانية حتى النهاية؟

نصاصرة: صحيح، ولكنّني أعتقد أنّ هذا جزءٌ من التغيير التكتيكي للحصول على مكاسب سياسية، وليس تغيرا أيديولوجيًا لدى الحركة الإسلامية، بمعنى أنّ دخول المنظومة الإسرائيلية هو تكتيك سياسي لا يمس الأيديولوجيا، وهو تكتيك ينطلق من خصوصيّتنا كفلسطينيين أو كحركة إسلامية في الحيّز الاستيطاني الاستعماري الإسرائيلي، ويأخذ ما يحدث في العالم العربي بين السلطة والحركات الإسلامية بالحسبان. أي أنّ النموذج التونسي أصبح مركزيا لدى الحركة الجنوبية في بلادنا.

ومناقشة ميثاق الحركة الإسلامية الجنوبية هو مثال واضح عمّا يحدث في الحركة الجنوبية، وعلى انضوائها كجزء من المنظومة السياسية، بينما الحركة الإسلامية الشمالية قرّرت - رغم الملاحقات السياسية - أن تستسمرّ في نهجها ونموذج المجتمع العصامي حتى حظرها في عام 2015.

عرب ٤٨: بمعنى إخراجها من الملعب السياسي نهائيا؟

نصاصرة: نعم، وهذا يرتبط بالنقاش الذي دار داخل الحركة عام 1996، حيث وجّه التيار الشمالي الكثير من النقد لاتفاقيات أوسلو والكثير من النقد لإقصاء مدينة القدس وتهويدها المستمر وتركيز نشاطها حول المسجد الأقصى وعلى الأوقاف (مهرجان "الأقصى في خطر")، إضافة إلى انتقاد التوجّه للانخراط في المنظومة الإسرائيلية من خلال المشاركة في انتخابات الكنيست.

إخراج الحركة الشمالية عن القانون هو سياسة إقصاء ممنهجة لنموذج العمل الإسلامي والعصامي ورفض الانخراط في المنظومة الإسرائيلية، والحركة الشمالية رفضت الانخراط في هذه المنظومة وتعرّضت - حتّى إخراجها النهائي عن القانون - إلى السياسات التعسفية والملاحقات السياسية وصولا إلى الإقصاء النهائي عام 2015.

وتعود جذور إقصاء الحركة الشماليّة ليس فقط إلى رفضها لأوسلو وعدم التنازل عن ملف اللاجئين وملف القدس والأقصى، بل إلى تبنّيها نموذجَ "المجتمع العصامي"، وهذا نموذج مهم جدا على مستوى العالم اليوم، وقد خلق نوعا من الاستقلالية لمؤسسات الحركة الإسلامية الشمالية، وجعلها تفلح في خلق أساس للاعتماد على قدراتنا ومؤسساتنا، من أجل تطوير مجتمعنا، وهذا أمر تحدّى في نهاية المطاف مفاهيم السلطة المركزية.

المجتمع العصامي وارتباطه بقضية القدس بشكل خاصّ، ونماذج دعم المقدسيين ودعم المجتمعات المهمشة والصراع على حلبة الأوقاف هناك، ودخول الحركة الإسلامية الشمالية للحيّز المقدسي في غياب دور السلطة الفلسطينية في القدس بعد رحيل فيصل الحسيني، أدّى إلى دخول لاعبين جدد للقدس، حيث ملأت الحركة الإسلامية الشمالية، بالإضافة إلى مؤسسة الأوقاف في القدس، الفراغَ القيادي المدني الناشئ في الحيز المقدسي بعد فترة أوسلو.

وأدّت الحركة الإسلامية بشقّيها هذا الدور بشكل مثير جدًا من ناحية المساعدات للمجتمعات المهمشة وقضية المرابطين والمرابطات في الأقصى. ومن ناحية أخرى، كشفت الحركة الشمالية السياسات الإسرائيلية المتعلقة بالأقصى ونظّمت مهرجان "الأقصى في خطر" ومسيرة "البيارق" وربطت المسجد الأقصى بديناميكيات الداخل، وقامت بتحويل الحيّز المقدسي إلى جزء من حياتنا، هذا ناهيك عن دورها العالمي وربط الحيّز المقدسي بالحيز الإسلامي العام، بما يعني أنّ دخول الحركة الإسلامية الشمالية الحيز المقدسي كان عنصرًا مركزيًّا في عملية إقصائها، وهو إشعار بأنه يمنع التدخل في ملف القدس كإحدى ملفات الصراع المركزية في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

العنصر الثاني هو عدم الانسجام مع اللعبة السياسية الإسرائيلية وطرح "المجتمع العصامي" بديلًا محليًا مجتمعيًا ومدنيًا، تدخل في نطاقه عشرات المؤسسات والجمعيات التي أنشأتها الحركة الشمالية، هذا عدا عن الدور الذي لعبته في قضايا الأوقاف. وأذكر، في هذا السياق، كثيرًا من الحوارات كانت لي مع القيادي الإسلامي الراحل عبد الحكيم مفيد، أحد مؤسسي المشروع الإعلامي التابع للحركة الإسلامية، والذي نشط في الدفاع عن أوقاف مسجد الاستقلال في حيفا ومقبرة القسّام، وهو مؤشر على دور الإسلامية الشمالية في صيانة معالم الأوقاف الاسلامية في المدن والقرى الفلسطينية العامرة والمهجرة والدفاع عن أراضيها.

من أحد مهرجانات الأقصى في خطر
من أحد مهرجانات "الأقصى في خطر"

عرب ٤٨: لعبوا دورًا في النقب، أيضًا.

نصاصرة: كان للحركة الإسلامية الشمالية والجنوبية دورٌ أساسيٌ في النقب، خاصّة في القرى غير المعترف بها حيث شقّوا طرقًا وبنوا بيوتًا للعائلات المهمشة ونظّموا مخيمات تواصل وأعادوا بناء بيوتٍ جرى هدمها. هذا بالإضافة إلى كفالة ما يقارب 20 ألف يتيم في الضفة الغربية وغزة من قبل الحركة الجنوبية وتقديمها لمساعدات للاجئين في دول عدة في العالم.

عرب ٤٨: العكس تماما جرى مع الجنوبية التي اندمجت في منظومة الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية والتزمت بمحاذيرها؟

نصاصرة: أعود وأؤكد أنّ هذا الاندماج هو بمثابة تحوّل تكتيكي لا يلامس الأيديولوجيا، ولكنّه حوّلها إلى لاعب سياسي وليس إسلاميا فقط في المنظومة الإسرائيلية، وهو خطاب لم نعتد عليه، ولكنّنا نراه اليوم في تونس وفي دول عربية أخرى.

عرب ٤٨: ولكن خطوة منصور عباس الأخيرة ربما تكون قفزة واسعة في هذا الاتجاه؟

نصاصرة: أنا أعتقد أنّها خطوة تكتيكية متفق عليها في أوساط قيادة الحركة الجنوبية، وهي نوع من المناورة السياسية ومن المؤكد أنّها نتاج نقاشات مختلفة في أوساط الجنوبية (آخرها كان نقاش ميثاق الحركة الجنوبية، علنًا في الناصرة وكتابة ميثاقها)، ومن السابق لأوانه أن نقرّر ماهيّة هذه الخطوة وهل ستقود الحركة الإسلامية الجنوبية إلى التحول إلى حركة إسلامية برلمانية أكثر تأثيرا؟

عرب ٤٨: ربّما هي مغامرة وليست مناورة؟

نصاصرة: أعتقد أن هناك نقاشًا جدّيًا في مجتمعنا بين مؤيد وبين معارض لخطوة عباس، ولا نعرف في هذه المرحلة إلى أين تسير الأمور، ولكن من المهم أن نعرف أنّ هناك قواعد انتخابية للحركة الإسلامية الجنوبية من النقب إلى المثلث إلى الشمال، وأنّ هذه الحركة هي نتاج عمل طويل في مجال تمكين المجتمع والعمل الأهلي وتقديم المساعدات للاجئين في دول عدة وكفالات الأيتام في غزة والضفة الغربية وغيرها، مثل النشاط حول الحفاظ على الأوقاف وتسيير الحافلات للأقصى والعمل الدعوي.

للحركة الجنوبية، أيضًا، باع طويل في هذا المجال ولها ركائز اجتماعية وقواعد انتخابية في النقب وفي المثلث والجليل، وإنّ استقطاب شخصيّات أخرى من مجتمعنا الفلسطيني لهذا النموذج الجديد، الذي تحدّث عنه منصور عباس والانفتاح على قطاعات أخرى هي إستراتيجية جديدة، وهو نموذج يتحدى المشتركة، أيضًا، حتى هذة اللحظة.

عرب ٤٨: تقصد أنّ على المشتركة فتح أبوابها لشخصيات وأطرٍ أخرى وليس فقط للأحزاب؟

نصاصرة: على المشتركة أن تجد آلية جديدة لدمج قيادات مجتمعية في إطار قائمتها، لتكون إطارًا وطنيًا وحدويًا شموليًا، فهي بصفتها مشروعًا وطنيًا لا تستطيع إقصاء فئات من مجتمعنا، وترسيخ دور الأحزاب فيها فقط ويجب عليها إيجاد آليات لاستيعاب كافة الشخصيات والتيارات الوطنية، وإلا فلن تصمد سياسيا في جولات قادمة. لا شك أنّ تفكّك المشتركة سيكون له تأثير كبير على نسبة التصويت وعلى آليّات النضال الشعبية الأخرى، فالمشتركة رغم كل الاختلافات في داخلها كانت مشروعًا وطنيًا ناجحًا على مستوى العالم، وليس فقط عندنا، لذا كان حريًا الحافظ عليه بكل الإمكانيات المتاحة لدينا.


د. منصور النصاصرة: محاضر في العلاقات الدولية والعلوم السياسية في قسم السياسة والحكم، في جامعة بن غوريون في بئر السبع، وزميل بحث في جامعة إكستر البريطانية. عمل محاضرًا في مجال الصراعات والأقليات القومية سنوات عدة في جامعة إكستر البريطانية وفي لندن.

نشر العديد من الدراسات والكتب منها: بدو النقب وبئر السبع (نشرته جامعة كولومبيا- نيويورك 2018)، دراسات المدن في الشرق الأوسط (نشرتة راوتليدج- لندن 2019)، وبدو النقب والكولونيالية (نشرته راوتليدج عام 2015)، ودراسات عدة عن مدينة القدس واتفاقيات أوسلو.

كما صدرت له دراسات عدة في مجلات دولية حول منظومة العشائر والدولة في الشرق الأوسط، اتفاقيات أوسلو والأقلية الفلسطينية في إسرائيل، الصراع على الأوقاف في القدس والحركات الإسلامية، منظومة المدارس في شرق مدينة القدس والحراك الشبابي ومخططات برافر في النقب.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص