إسرائيل الصلبة... إسرائيل الرخوة: النيوليبرالية في جهاز التعليم العربي

إسرائيل الصلبة... إسرائيل الرخوة: النيوليبرالية في جهاز التعليم العربي
نتنياهو ووزير التعليم الأسبق بينيت في مدرسة عربية (أ ب)

عماد جرايسي:

  • النيوليبرالية كأسلوب حديث لبسط السيطرة على التعليم العربي
  • إدخال التعليم العربي في مجال تنافسي فرداني مقطوع عن أي أفق جمعي
  • عملية تمييع للهوية الجمعية الوطنية وصناعة هوية داروينية اجتماعية
  • محصّلة هذه السياسة إنتاج نخب مهنية غير مهتمة بالشأن العام والقضية الوطنية

في دراستهما تحت عنوان النيوليبراليّة في جهاز التعليم العربي في إسرائيل "الدولة الصلبة والدولة الرخوة وبسط السيطرة"، التي نشرها "مدى الكرمل"، يناقش الباحثان د. أيمن إغبارية وعماد جرايسي، كيف غيرت السياسات النيوليبرالية مفاهيم السيطرة والرقابة على جهاز التعليم العربي، وكيف أنّها لم تعد تقتصر على صياغة جهاز التعليم في إسرائيل من جديد فحسب، بغية تهيئة الفرد للاندماج في السوق الحرة وفي عالم التكنولوجيا والمعرفة وسوق العمل.

فقد أنيط، أيضًا، بهذا الجهاز دور مهم وهو بسط السيطرة على المواطنين العرب، من خلال استعمال أسلوب يد "الدولة الصلبة" إلى جانب أسلوب يد "الدولة الرخوة"، وبالتالي جرى بناء خطاب تربوي جديد يسعى إلى إنتاج طالب فلسطيني جديد يتبنى القيم المتصلة بحرية الفرد والنجاح الشخصي، إلى حد النزوع إلى الفردانية الشرسة والداروينية الاجتماعية.

ويتعزّز ذلك عن طريق الاستثمار في الذات بالتعليم وتحصيل الشهادات العليا من أجل الالتحاق بسوق العمل، وتبنّي شعارات محايدة وغير مسيسة (نحو المهنية، الكفاءة)... وبالتالي يصبح بسط السيطرة على جهاز التعليم العربي أسهل من ذي قبل، كَونه يسمح لائتلافات فلسطينية محلية جديدة تتماهى مع سياسات السلطات الإسرائيلية الرسمية أن تضافِر جهودها لضبط التعليم العربي وفرض الرقابة عليه.

جرايسي
جرايسي

حول هذه الدراسة وتحديث سياسات السيطرة على جهاز التعليم العربي في عهد النيوليبرالية، كان هذا الحوار مع عماد جرايسي، وهو طالب دكتوراه في جامعة حيفا.

عرب ٤٨: قد يبدو، لأوّل وهلة، بأنّ النيوليبرالية تفكّك أدوات السيطرة بحكم تفكيك المجموعة والتعامل مع الأفراد؟

جرايسي: صحيح، لكن في الحالة الإسرائيلية، وتحديدًا في جهاز التعليم، تعمل الدولة على توظيف النيوليبرالية من خلال مفاهيم "الدولة الصلبة" و"الدولة الرخوة"، لتعزيز السيطرة على جهاز التعليم العربي، وتحديث أدوات السيطرة التقليدية القديمة.

هي تلائم أدوات السيطرة للتغيرات الاجتماعية والسياسية التي مر بها العالم في الآونة الأخيرة، وبالأساس مفهوم النيوليبرالية. تعزيز الفردانية بشكل يصبح معه وكأن خلاص الذات عند الطالب يكون من خلال الاجتهاد والتحصيل والشهادة، التي هي فقط الكفيلة بدمجه في سوق العمل، ما يخلق طالبًا منزوع الانتماء الجمعي والوطني.

واللافت أنّ هذا التوجه يقتصر على العرب، في حين يجري في التعليم العبري تعزيز الفردانية من جهة، وفي المقابل تجري أيضا عملية تعزيز للهوية الجمعية، من خلال محاولة عسكرة الجهاز وتعزيز الهوية اليهودية والصهيونية وتكريس الرواية الصهيونية.

في المجتمع اليهودي يجري تعزيز الفردانية من خلال امتحانات التقييم ومن خلال طرق الاندماج في سوق العمل والاقتصاد والأكاديميا. ولكن بالتوازي مع عملية صقل وسبك لهوية جمعية ولرواية يهودية صهيونية داخل جهاز التعليم.

هذا في حين يجري إدخال جهاز التعليم العربي فقط في مجال تنافسي فرداني مقطوع عن أي أفق جمعي، بحيث يقصر هدف الطالب على النجاح لأجل الالتحاق بالأكاديميا والانخراط في سوق العمل، دون أيّة علاقة بهويته الجمعية العربية الفلسطينية وخصوصيته الثقافية.

عرب ٤٨: نلاحظ في الآونة الأخيرة، أيضًا، انحسارًا في دور التثقيف اللامنهجي الذي كانت تؤديه حركات الشبيبة الحزبية والحركات الطلابية؟

جرايسي: صحيح، التثقيف اللامنهجي كان يلعب دور المكمّل ويغطّي هذا العجز الذي يتركه جهاز التعليم الرسمي، الذي لا يعمل على صقل الهوية الجمعية للطالب العربي، بل هو يحاول أن يميّع هذه الهوية، بمفهوم خلق العربي الجديد الذي يجب أن يهتم فقط بذاته وبأمور المواطنة في سياق علاقة الفرد بالدولة، وليس بأمور وقضايا الجماعة التي ينتمي إليها.

وكما هو معلوم، فإنّ المجتمع العربي يفتقر لحركات شبابية على غرار ما هو قائم لدى الجانب الآخر. والحركات الشبابية الأيديولوجية التابعة للأحزاب ضعف دورها كثيرا في الآونة الأخيرة، إلى جانب تراجع الحركات الطلابية في الجامعات، أيضًا.

من إحدى جامعات البلاد (أ ب)
من جامعة تل أبيب (أ ب)

عرب ٤٨: النيوليبرالية أنهت الأيديولوجيات في العالم، تقريبا، ولكن في إسرائيل الأيديولوجية الصهيونية يجري تعزيزها؟

جرايسي: إسرائيل تعمل في مسارين متوازيين في جهاز التعليم العبري، كما ذكرت، مسار تعزيز مفهوم النيوليبرالية وتشجيع الفردانية مقابل تخصيص ساعات وضخّ ميزانيات كبيرة لتعزيز وسبك الهوية اليهودية الصهيونية، والحفاظ بذلك على توازن معيّن بين الهوية الجمعية والهوية الفردية التنافسية في جهاز التعليم العبري.

هذا في حين يوضع في جهاز التعليم العربي كل الثقل على التنافس ويتم التعامل مع الطالب كرقم، أي أنّ الرقم الذي يجلبه (العلامة) هو المفتاح للنجاح وللخلاص الذاتي في سوق العمل، وكأنه غير مرتبط بجماعة يتم التمييز ضدّها ويجري منع تقدمها، بمعنى أنّه لو حصل على العلامة سيبقى عربيًا يحسب ويحاسب على المجموعة التي ينتمي إليها، حتى لو شعر أنّه لا ينتمي لهذه المجموعة.

عرب ٤٨: في التنافس الجماعي، المجموعة التي ينتمي إليها الطالب العربي أدنى من المجموعة الأخرى بسبب واقع التمييز، ولذلك يروق للبعض ميدان التنافس الفردي؟

جرايسي: ولكن، كما ذكرت وكما هو معلوم، الطالب العربي يحاسب في النهاية، بكونه ينتمي إلى مجموعة هي ليست المجموعة التي تحظى بالتفضيل في الدولة. وبالتالي، فإنّ الفكرة النيوليبرالية في جهاز التعليم العربي هي أداة لتفضيل المصلحة الشخصية على المصلحة العامة (خلاص الذات)، بالمقابل في جهاز التعليم العبري هناك تماهٍ بين المصلحة الفردية وبين المصلحة العامة، النيوليبرالية بما تنطوي عليه من تطلّعات شخصية وفردانية، توضع هناك تحت سقف تطلعات ومصلحة الجماعة.

وبينما توظّف المصلحة الشخصية في التعليم العبري لصالح الجماعة اليهودية والفكرة الصهيونية ومفهوم التوسع، نرى في التعليم العربي محاولة لضخ روح التناقض بين المصلحة الفردية والمصلحة العامة.

وطبعًا هذا جزء من دور "الدولة الصلبة" بمفهوم كل قضية التقييم والنجاح وخلق تنافس فردي بين الطلاب على العلامات داخل المدرسة، وما يفرزه ذلك من نخبة طلابية وتنافس بين المدارس وخلق مدارس نخبوية ، مقابل تهميش كل قضية المضامين العربية والثقافة الفلسطينية.

عرب ٤٨: هي عملية باتجاهين، الأول هو التشديد على التنافس والتطلعات الفردية؛ والثاني هو العمل على إضعاف وتفكيك الجماعة؟

جرايسي: نحن نستعمل مصطلح تمييع الهوية، بمعنى أن تصبح "عربيًا" بالاسم لمجرد أنّك تتحدث العربية، بينما لا تتعلم عن ثقافتك ولا عن لغتك ولا تعرف تاريخك وإرثك الثقافي والجمعي، هذا هو مفهوم الدولة الصلبة، مفهوم التنافس والفردانية مقابل تهميش الهوية الجماعية.

في حين أنّ مفهوم "الدولة الرخوة" هو مفهوم الخصخصة وانسحاب الدولة بشكل تدريجي من توفير الخدمات المطلوبة والأساسية لجهاز التعليم، والعمل وفق قوانين الربح والخسارة والتعامل مع التعليم وفق مفاهيم الخصخصة.

وبسط السيطرة يتم بواسطة تعزيز التنافسية وطموح الخلاص الفردي للطالب بمقابل تهميش روايته وارثه الثقافي من خلال "الدولة الصلبة"، والخصخصة والانسحاب من توفير الخدمات من خلال الدولة الرخوة، وبهذه الطريقة يتم تمييع الهوية وزعزعة دور جهاز التعليم العربي في التغيير الثقافي والسياسي للمجتمع العربي.

عرب ٤٨: بهذا الشكل يجري تحديث آليات الضبط والسيطرة في جهاز التعليم العربي؟

جرايسي: نعم، مفاهيم السيطرة تغيّرت ولم تعد تقتضي مراقبة المعلمين، بل تحولت إلى إدخال المعلم والطالب في مسار مادّة البجروت تُحدّد مضامينها من فوق، وعدم وجود حيّز من الوقت لتدريس مواد ومضامين بديلة تخص الهوية والجماعة والثقافة الوطنية، لأن دخول الطالب للجامعة يرتبط بمواد البجروت والعلامات التي يحصل عليها.

لم تعد هناك حاجة لأساليب بسط السيطرة المباشرة والرقابة المباشرة، بل من خلال تمييع الهوية وإشغال الطلّاب والمدارس بمفهوم التقييم والعلامة، كمدخل للاندماج في الأكاديميا وسوق العمل.

عرب ٤٨: بمعنى أنّ الدولة تضع المنهاج كما هو مثل منهاج المدنيات الأخير، والطالب والمعلم عليهما تدريسه ودراسته بحذافيره، للحصول على علامة البجروت المطلوبة والنتيجة تشويه للهوية وللمفاهيم الديمقراطية، أيضًا؟

جرايسي: نعم، الدولة تقرّ موادَّ تهمّش ثقافتك وانتماءك، وبالتالي يتم تقييمك حسب هذه المواد، وأنت كطالب (وكمعلّم وجهاز تعليم) يهمّه مستقبله ترى أنّ المهم هو العلامة، بمعنى تعزيز مفهوم التقييم في البجروت والبسيخومتري للاندماج في الأكاديميا. وفي المقابل لا توجد أطر لا منهجية تسدّ هذه الفجوة التي خلقها جهاز التعليم من خلال النيوليبرالية.

هي أشبه ببوتقة صهر تسعى لخلق طالب جيّد بمفهوم العلامة فقط. لذلك هناك ما يمكن تسميته بصناعة هوية، بوتقة صهر تصنع هوية الطالب العربي الذي يطمح فقط للنجاح بغض النظر عن القيم الجمعية والوطنية، والتي هي بالمفهوم النيولبرالي - الذي يكرّس تناقض المصلحة العامة مع المصلحة الشخصية - لا تفيده للاندماج في سوق العمل والأكاديميا.

في المقابل، نرى أنّه في جهاز التعليم العبري يُصار إلى خلق توازٍ وتماهٍ بين مصلحة الجماعة والمصلحة الفردية، بمعنى أنّ نجاحك كفرد يعود بالفائدة على الجماعة ويقويها.

عرب ٤٨: هم يطبقون النيوليبرالية بحذافيرها في جهاز التعليم العربي؟

جرايسي: يطبّقوها في جهاز التعليم العبري بشكل يخدم رواية الأغلبية اليهودية، وفي جهاز التعليم العربي بما يخدم رواية هذه الأغلبية اليهودية، أيضًا، وفي الحالتين تصب مفاهيم النيوليبرالية في خدمة مصلحة هذه الأغلبية.

هم يعزّزونها في المدارس العبرية بمضامين الانتماء لليهودية وللفكرة الصهيونية وأهميّة الخدمة في الجيش وغيرها، مقابل تهميش المضامين التي تتطرق للإرث الثقافي والجمعي والوطني لدى تطبيقها في المدارس العربية.

بالمحصلة، فإنّ المفاهيم النيوليبرالية تغذّي التراتبية الهرمية القائمة وتعطي أفضلية للطالب اليهودي، وتعزّز هويته مقابل تمييع وصناعة هوية تتمتع بالداروينية الشرسة، كما أسميناها، لدى العرب.

عرب ٤٨: أي أنّ مجتمعنا، بالمحصّلة، ينتج أكاديميين ولكنّ نجاحهم يعود عليهم فقط وليس على مجتمعهم؟

جرايسي: الوضع يتفاقم أكثر في ظل تغييب وغياب أطر لا منهجية مثل حركات شبيبة وحركات طلابية وأطرٍ ثقافية وتربوية أخرى، من شأنها أن تسد هذه الثغرة وتلعب دورًا مكملًا ذا أبعاد ثقافي واجتماعي ووطني، يساهم في صقل هوية طلابنا وينتج، بالتالي، أكاديميين ناجحين ويحملون الهمَّ الجماعيَّ في ذات الوقت.

هناك، أيضًا، بعد آخر للنيوليبرالية في أنّها تضعف دور المدرسة كوكيل وآلية للتنشئة الوطنية، يمكن من خلالها إحداث تغيير سياسي واجتماعي وتشكيل رافعة تنموية، وعندما تتوقّف المدرسة عن لعب هذا الدور في التنشئة الوطنية وصقل الهوية، يضعف دورها التنموي في المجتمع ويقتصر على التنافس والتقييم الرقمي، الذي ينتج في المحصلة النهائية نخبًا مهنية واجتماعية واقتصادية وثقافية، لكنها غير مسيّسة وطنيا وغير مهتمة بالشأن العام وبالقضية السياسية الوطنية.

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص