د. حلبي: هذه مصادر أصوات الموحّدة.. وهنا تتقاطع مع اليمين

د. حلبي: هذه مصادر أصوات الموحّدة.. وهنا تتقاطع مع اليمين
عباس خلال الانتخابات السابقة (أ ف ب)

د. يعقوب حلبي:

  • الإسلامية الجنوبية تعتمد على ثلاثة مصادر، هي: قاعدة الحركتين ومناهضو هيمنة الجبهة
  • دمج العرب في الاقتصاد وزجّ المرأة العربية في سوق العمل بات مصلحة إسرائيلية
  • هناك توافق مع اليمين على الدولة الواحدة رغم اختلاف المنطلقات والتطبيقات

في مقال نشرته "يديعوت أحرونوت"، مؤخرًا، كتب المحاضر في العلوم السياسية، د. يعقوب حلبي، أنّ تجربة الماضي القريب في الشرق الأوسط، تشير إلى أنّه حيثما أجريت انتخابات حرّة ومعقولة جرفت الحركات الإسلامية قسمًا كبيرًا من أصوات الناخبين.

هكذا حصل في الجزائر عام 1992، وفي تونس ومصر عام 2013، وفي تركيا في عهد رجب طيب إردوغان، وفي دول إسلامية غير عربية أخرى مثل باكستان، حيث يرى الناخبون في تصويتهم لحزب إسلامي واجبًا أخلاقيًا. الفرق الوحيد في الحالة الإسرائيلية، حسب رأيه، هو أنّ التصويت لحركة إسلامية لا يعتبر احتجاجًا ضد نظام فاسد قائم، مثل نظام حسني مبارك في مصر، بل هو تصويت لأجل التواصل مع هكذا نظام.

المقال، الذي يعارض استطلاعات الرأي التي تنبئ بعدم تجاوز الحركة الإسلامية لنسبة الحسم، لا يرى أيَّ سبب للتفكير أن لا يحدث هنا سيناريو مشابه، وهو يرى أنه على الرغم من أن المسلمين في البلاد يمرّون بعملية تمدّن طويلة الأجل في ظل السلطات الإسرائيلية، ومن تجذّر هذه العملية في الوعي الشخصي وفي السلوك اليومي، وما أدّت إليه من مستوى حياة مرتفع نسبيًا لا يتناسب مع نمط حياة ديني – زاهد. وعلى الرغم من عملية التمدن تلك، إلّا أنّ المسلمين في إسرائيل، كما يقول، لم يتحوّلوا إلى علمانيين.

حول الاستدلال بتجارب التيار الإسلامي في المحيط العربي والشرق أوسطي والخاص والعام في تجربة الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني، واحتمالات نجاحها أو سقوط جناحها الجنوبي في الانتخابات، أجرينا هذا الحوار مع د. يعقوب حلبي، المحاضر في العلوم السياسية بجامعة حيفا.

د. يعقوب حلبي
د. يعقوب حلبي

عرب 48: أنت تقول حيث جرت انتخابات حرة في الشرق الأوسط فازت الحركات الإسلامية، ولكنها فرضية عامة، ربّما تكون صحيحة إلا أنّها تغفل الخصوصية الفلسطينية والواقع المركب الذي يعيشه العرب في إسرائيل وكون الحركة الإسلامية قد انشقت إلى حركتين حول موضوع الكنيست بالذات؟

حلبي: إذا أخذنا كل التجارب الانتخابية التي جرت في العقود الأخيرة، في دول المنطقة وحتى في السلطة الفلسطينية، نجد أنّ الحركة الإسلامية فازت بها بشكل جارف.

عرب 48: ما السبب برأيك؟

حلبي: ربّما لا يعجبنا تحليل المستشرقين الذين يدّعون أنّ العقلية الإسلامية أو التفكير الإسلامي ما زال متسلّطا على العقل العربي، فنحاول تهذيب ذلك وصياغته بلغتنا الخاصة، بأن مجتمعاتنا محافظة وأنها بين الخيار العلماني وبين الخيار الإسلامي تختار الثاني، لأنها تعتقد بغالبيتها أنه تشكيل مجتمع إسلامي محافظ، وهذا الشيء ربّما مطابق للمعايير الاجتماعية الدينية الخاصة بنا، خاصة وأنّ هناك من يغذّي ذلك بالترويج أنّ العلمانية هي نوع من الكفر.

عرب 48: ولكن لطالما اعتَبَرَنا الكثير من الباحثين والمحلّلين حالة استثنائية اجتماعيا وسياسيا، ليس لأننا نعيش في إسرائيل فقط، بل لدور الشيوعيين البارز منذ 70 عاما؟

حلبي: أنت تعرف أنّ هذا وضع لم ينشأ بشكل طبيعي، وأنّ مواصفات مجتمعنا تتقاطع على الغالب مع المحيط العربي والإسلامي، وأنا أراهن على ذلك عندما أقول إنّ الحركة الإسلامية لن تفشل في تجاوز نسبة الحسم كما تفيد الاستطلاعات، لأني أرى أن تفكير العربي المسلم في إسرائيل لا يختلف عن تفكير العربي المسلم في مصر أو تونس.

هذا علمًا أنّ هناك من يراهن على "الأسرلة" أو "الغربنة" وغيرها من بوابات العصرنة، التي مر بها العرب في إسرائيل بحكم واقعهم الخاص، وهذا ما ستظهره الانتخابات القريبة.

عرب 48: قد يكون ذلك صحيحا لو أنّ الموضوع اقتصر على القضية الدينية الاجتماعية، ولكن نحن أمام قضية سياسية وطنية ما زالت تسيطر على حياة وأجندة فلسطينيي الداخل ويتحدّد على أساسها الفرز السياسي، وهبوط الحركة الإسلامية الجنوبية يرتبط بسلوك قيادتها السياسي، الذي يتم تسويقه على أنّه انحراف عن الإجماع الوطني؟

حلبي: حسب رأيي، الحركة الإسلامية الجنوبية لم تخرج عن الخط الوطني، لمجرّد أنّها طرحت مسألة التعامل مع المعسكرات الإسرائيلية على قدم المساواة، في ظرف لم يعد وجود لمعسكر سلام واضح المعالم.

ثانيًا، هي تحاول محورة النقاش الانتخابي حول قضايا مدنية تخصّ علاقة المواطنين العرب بالدولة كمجتمع، وعلاقة المجتمع بأفراده، والمقصود حقوق المرأة وحقوق المثليين وغيرها من القضايا التي فيها اختلافات جذرية بين القائمتين، وتعتقد أنّ هناك تطابقًا بين مواقفها منها وبين "ثقافة المجتمع".

عرب 48: أنت تفترض أن الإسلامية الجنوبية ستحظى بالإضافة إلى أصوات جماهيرها، على أصوات جماهير الإسلامية الشمالية المحظورة، وذلك بتجاهل كامل لحالة التنافر القائمة بين الحركتين، والتي تصل أحيانا إلى حد العداء؟

حلبي: الحقيقة أنّني لم أفحص الموضوع، ولا أريد الادّعاء بأنني خبير في هذا الشأن، ولكن هناك القضايا المتطابقة بين الحركتين الإسلاميتين في القضايا الدينية الاجتماعية المدنية، خاصّة وأنّنا نعرف أنّ الانقسام وقع على قضايا سياسية - وطنية، وأساسًا حول المشاركة في انتخابات الكنيست، بما تحتمله من اعتراف أو عدم اعتراف بشرعية إسرائيل.

كما أنّ القرار بمقاطعة الانتخابات أو المشاركة فيها هو قرار فردي، وهذا يفسح المجال للكثير من الأفراد بإعادة التفكير بين خياري مقاطعة الانتخابات أو دعم حركة إسلامية تمثّلهم من ناحية اجتماعية دينية. من هنا، أنا أفترض أنّ شريحة واسعة تقع في المنطقة الرمادية ستصوت للحركة الإسلامية الجنوبية، وتمنع خسارتها في الانتخابات أمام التيار الذي يوصف بالعلماني داخل المشتركة.

من التصويت في الانتخابات السابقة (أ ف ب)
من التصويت في الانتخابات السابقة (أ ف ب)

عرب 48: تحدثت عن تيّار آخر ستحظى الإسلامية بدعمه هو "التيار الرافض لهيمنة الجبهة"؟

حلبي: نعم، هناك قطاع واسع ممّن لا يريدون أن يكونوا جزءًا من الإسلامية الجنوبية لأنهم علمانيون، ولكن لهم حسابات مع الجبهة. أبرز هؤلاء رئيس بلدية الناصرة، علي سلام، وجماعته والذين تغازلوا مع الليكود أيضا، وهناك قطاعات من رؤساء مجالس إضافة إلى خائبي الأمل من أداء المشتركة.

عرب 48: إذا سلّمنا بتحليلاتك، فمن المفروض أن تحصل الموحدة على أصوات أكثر من المشتركة، علمًا أنّ الواقع يفيد بأنّها لن تتجاوز نسبة الحسم؟

حلبي: الاستطلاعات التي تفيد وليس الواقع. وأنا لا أعتمد عليها، أنا أعتمد على تجارب من المحيط العربي والإسلامي وأفترض أنّنا نتعامل مع نفس الخامة عندنا، ولذلك أستبعد أن تسقط حركة إسلامية في محيط اكتسحت هذه الحركات في جميع دوله التي جرت فيها انتخابات ديمقراطية.

حدوث ذلك سيعني أن تغييرًا طرأ على هذه الخامة بتأثير "الأسرلة" و"الغربنة" أو غيرها من بوابات "العصرنة"، بما يعني حدوث نوع من الانفصال أو التفاوت بيننا وبين المحيط العربي والإسلامي الذي نعيش فيه.

وعلى فكرة، الأسرلة لا تعني الاعتراف بدولة إسرائيل والتماثل معها سياسيا، بل أن تعيش مثل سائر الإسرائيليين في مجتمع علماني فردوي برجوازي، وتنسجم مع قيمه ومسلكياته.

عرب 48: على الرغم من أنّني لا أرى سقوط الإسلامية الجنوبية، إذا ما وقع، دليلًا على الأسرلة، لأن هناك تيارًا إسلاميًا واسعًا يقع خارج الكنيست ويدعو للمقاطعة، فإنّك تصف وضعًا صعبًا بالنسبة لنا في الحالتين، بمعنى أنّك تخيّرنا بين "الأسرلة" وبين "التخلّف"؟

حلبي: أعتقد أنّ مجتمعنا منقسم بين الجيل الجديد الذي سيصوّت للحركات والأحزاب العلمانية وبين الجيل القديم المتمسك بالقيم المحافظة وسيصوت للإسلاميين، هذا ناهيك عن وجود الكثير ممّن يدعون إلى الاندماج في الدولة ويسعون لأن يكونوا جزءًا من متّخذي القرار وهم فئة رابعة ممكن أن تجذب أصوات للموحدة.

عرب 48: في الحقيقة أنّ القائمتين، المشتركة والموحدة، تسعيان للانماج والتأثير، ولكن هل تعتقد أنّ نتنياهو من الممكن أن يعتمد على الموحدة أو أن تقوم الموحدة بدعمه؟

حلبي: هذا يعتمد على عدد الأصوات التي سيحصل عليها، فإذا حصل على 61 مقعدًا لن يكون بحاجة إلى مثل هذا الدعم أصلا، ولكن ممكن أن يأخذ في الحسبان أن هناك حركة على استعداد لأن تتعامل معه وأن يحاول تعزيزها عن طريق الاستجابة لمطالبها بمحاربة العنف وتحقيق بعض المطالب للمجتمع العربي، وهذا أمر يخدم مصلحته على المدى البعيد.

عرب 48: أنت ترى أنّ هناك تحوّلا في موقف الليكود تجاه العرب؟

حلبي: أكيد، نتنياهو معني بهذا الانقسام بين العرب، لأن ذلك يخدم مصلحته، وهو لا يدفع هنا أي ثمن سياسي باهظ، لأن دمج العرب في سوق العمل ومحاربة العنف والجريمة من خلال زيادة محطّات الشرطة وتغلغلها هو في مصلحة إسرائيل.

نتنياهو في إحدى البلدات العربية (أ ب)
نتنياهو في إحدى البلدات العربية (أ ب)

هناك توافق في المجتمع الإسرائيلي على ضرورة تطوير المجتمع العربي، لأنّ التمييز ضدّه أصبح يضرّ باقتصاد الدولة الذي يحتاج للأيدي العاملة، ولأن تحرير المرأة العربية وزجها في سوق العمل يخفّض من نسبة التكاثر الطبيعي في المجتمع العربي.

عرب 48: ولكن ما علاقة أن تكون القائمة الموحدة مفاجأة الانتخابات وبين الدولة الواحدة ثنائية القومية؟

حلبي: حسب تقديري، كمن يدرس العلوم السياسية ويتعامل مع القضية الفلسطينية، فإنه بعد المفاوضات التي جرت بين عرفات وإيهود براك في كامب ديفيد عام 2000، لم يعد هناك أمل أن تنجح مفاوضات تقوم على أساس دولتين.

وعليه، فإنّ إسرائيل تتّجه نحو تطبيق برنامج اليمين القائم على الضم وفرض الأمر الواقع على الفلسطينيين، وهو برنامج يحاكي الجهات الفلسطينية الرافضة بالأصل لمبدأ تقسيم البلاد، والتي لم تراهن منذ البداية على حل الدولتين وعلى عملية السلام.

عرب 48: ربّما تتحدث على ما كان يوصف بلسان البعض بتلاقي أقصى اليسار وأقصى اليمين، أو في هذه الحالة، أقصى اليمين وأقصى اليمين إن جاز التعبير؟ ولكن ما علاقة مناورة منصور عباس بذلك؟

حلبي: هو يعرف أنّ اليمين غير معني بحل الدولتين، وهو - أو التيار الذي ينتمي إليه - غير معني بذلك أيضًا، بمعنى أنّ هناك تطابقًا وتوافقًا على الهدف، رغم الاختلاف في المنطلقات والتطبيقات.

بمعنى أنّ الإسلامية الجنوبية، التي لم يكن يروقها حل الدولتين أصلًا، تعرف أنه لم يعد واردًا، ومن الأسهل عليها أن تسلّم بذلك، وأن تتوافق وتتطابق وجهة نظرها مع وجهة نظر اليمين بهذا الخصوص، في وقت ما زالت المشتركة متمسّكة بهذا الحل وترفض التسليم بسقوطه.

عرب 48: ولكن الادّعاء ضد الإسلامية الجنوبية بأنّها أسقطت البعد الوطني بالمجمل، واكتفت بالقضايا المدنية والمعيشية؟

حلبي: أنا لا اتفق معك. وأقول إنّ الإسلامية الجنوبية تركّز فقط على القضايا المدنية، وفي الأفق البعيد عندها، من الممكن أن تتوافق مع اليمين على دولة واحدة لشعبين.

عرب 48: تقصد أنّها تسلّم بواقع دولة الأبرتهايد الواحدة التي يفرضها اليمين؟

حلبي: صحيح أنّ هناك تعاملًا مع الأمر الواقع، ولكن في الأفق السياسي الخاص بهم توجد الدولة الواحدة.

عرب 48: ولكن المسافة بعيدة بين الدولة الواحدة، وبين الانحراف عن البرنامج الوطني؟

حلبي: أنا لا أعتقد أن الحركة الإسلامية الجنوبية تخلّت عن القضية الوطنية.


د. يعقوب حلبي: حاصل على الماجستير في الاقتصاد والعلاقات في الجامعة العبرية بالقدس، وأكمل دراسته وحصل على الدكتوراه من جامعه "دينفر" في الولايات المتحدة. ويعمل منذ عام 2000 محاضرًا في جامعة حيفا، وكذلك في جامعه كونكورديا في مدينة مونتريال في كندا. وهو مختصّ بسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص