حوار مع جبرائيل شفاكة | متروبولين تل أبيب ومحو "الخط الأخضر" وإنعاش الاستيطان

حوار مع جبرائيل شفاكة | متروبولين تل أبيب ومحو "الخط الأخضر" وإنعاش الاستيطان
توسع حريش على جانبي "الخط الأخضر" (أرشيف عرب 48)

من المفارقات الغريبة، أنه مع بدء المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية في تسعينيات القرن الماضي، كان يُفترض أن تقود إلى استقلال فلسطيني وانفصال عن إسرائيل، وأن تتغير النظرة الواضحة إلى "الخط الأخضر" باعتباره الخط الفاصل (الحدودي) بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية الواقعة تحت الاحتلال منذ 1967، لتصبح هذه النظرة أكثر ضبابية ويبدأ الإسرائيليون بتسمية "الخط الأخضر" (الخط الفاصل) بـ"خط التماس" (الخط الواصل)، الذي بدلا من أن يفصل بين إسرائيل والضفة الغربية بات يربط بينهما.

تغيير التسمية أولا ثم بناء الجدار، خلقا ظاهرة جغرافية أمنية مهيمنة، إذ بات الحديث يجري عن حيز جغرافي يوجد لدى المؤسسة الإسرائيلية مصلحة في تشويشه، فإذا كانت تسمية "الخط الأخضر" تعني خط حدود ذات صلاحية، فإن تسمية "خط التماس" تهدف إلى تبديده تمهيدًا لمحوه بشكل غير مباشر من الأجندة السياسية.

وإمعانا في هذه السياسة، جرى بناء مجموعة من المستوطنات بجوار وعلى جانبي مسار "الخط الأخضر"، حيث بنيت من الجهة الشرقية داخل الضفة الغربية، مستوطنات "ألفيه منشيه"، و"أورنيت"، و"شعاري تكفا"، و"بيت آرييه" وغيرها، فيما بنيت من الجهة الغربية ما تعرف بـ"مستوطنات النجوم"، التي بدأت بمخطط النجوم السبع وازدادت لاحقا إلى تسع، والتي بادر إليها أريئيل شارون، وهي "إلعاد"، و"بات جيفر"، و"تسور يغئال"، و"لبيد"، و"متان"، و"تسورن"، و"شوهام"، و"حريش" و"كتسير".

بالإضافة إلى هذه المخططات الاستيطانية، جرى شق شبكة شوارع واسعة تربط مستوطنات الضفة ومستوطنات الداخل، بعضها تشق وتلتف وتقطع مناطق مكتظة بالسكان الفلسطينيين، وهي شوارع من دون مخارج أو شوارع تصل إلى "معابر حدودية"، لأن "الخط الأخضر" صار بمثابة حدود من طرف واحد، فهو يفصل الفلسطينيين عن إسرائيل، لكنه لا يفصل إسرائيل عن الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، حيث يستوطن وراء الجدار مئات آلاف الإسرائيليين.

(Gettyimages)

"الاستيطان على امتداد الخط الأخضر"، هو عنوان كتاب صدر مؤخرا عن جامعة كامبريدج للمخطط الحضري والباحث والمحاضر في جامعة شيفيلد البريطانية ابن قرية الجش الجليلية، د. جبرائيل شفاكة، الذي أجرينا معه هذا الحوار:

"عرب 48": أنت تدرس الهندسة المعمارية، وقد جاء بحثك الذي صدر مؤخرا في كتاب باللغة الإنجليزية في سياق محاولتك لفحص أشكال التخطيط السكنية الاستيطانية، وتأثيرها على أنماط البناء الاستيطاني الصهيوني في كل مرحلة وأخرى.

شفاكة: في الحقيقة أردت فحص أمرين؛ الأول هو الحل الاقتصادي الذي تتحدث عنه إسرائيل اليوم، وهو نسق عالمي موجود في كل مكان، وقد لحظنا بوادره حتى في السلطة الفلسطينية ممثلا بسياسة رئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض والثلة المرافقة له؛ والأمر الثاني وهو الأكثر قربا لموضوع اختصاصي كمهندس معماري، هو فحص تبدل التخطيطات والأنماط السكنية في إسرائيل على امتداد المراحل المختلفة، بغض النظر عن المسألة الإسرائيلية – الفلسطينية.

أردت الإجابة عن سؤال، لماذا يأتون في كل مرحلة بشيء جديد، "الكيبوتس" و"الموشاف"، مرورا بـ"بلدات التطوير" ووصولا إلى "البلدات الجماهيرية" و"الضواحي"، وحتى الأبراج الاستثمارية الشاهقة، وتأثير ذلك على أشكال البيوت وهندستها المعمارية.

بدأت أنظر إلى تل ابيب ومنطقة "غوش دان" وحيفا والقدس، ثم تركزت في شارع 6 ("عابر إسرائيل")، وهو أول أوتوستراد في إسرائيل، وقد بني من قبل شركة استثمارية وليس من قبل الدولة، وهو يمثل نقطة تقاطع بين الدولة وبين الشركات الاقتصادية الخاصة.

في الأربعينيات والخمسينيات، الدولة هي التي بنت وأقامت المشاريع، أو الهستدروت، مثل "الكيبوتسات" و"الموشافيم" و"مدن التطوير"، حيث ساد في إسرائيل اقتصاد شبه اشتراكي (اشتراكي لأناس معينين)، لكن في السبعينيات بدأت تتحول إلى نمط معين من رأسمالية أميركية، ولم يعد ينفع أن تبني الدولة "كيبوتس" أو "موشاف" آخر، ولذلك كان هناك حاجة لاختراع نمط جديد.

وعلى هذا النحو جاء بناء "البلدات الجماهيرية" في السبعينيات، وهو نمط سكني لا يعتمد على الزراعة، بل يذهب سكانها إلى العمل خارج البلدات. ثم لاحقا حصل بناء ما يسمى "الضواحي" في الثمانينيات والتسعينيات. وإذا ما نظرنا إلى الخط الأخضر، سنجد مستوطنات مثل "كوخاف يائير" من جهته الغربية و"أورنيت" و"ألفيه منشيه" من جهته الشرقية داخل الضفة الغربية، وهي مستوطنات لا يسكنها مستوطنون تقليديون من أنماط المتدينين القوميين المتزمتين، بل أناس يصوتون لحزب العمل وأحزاب الوسط.

"كوخاف يائير" بدأت كمستوطنة لليكود، ثم جاء لاحقًا إيهود باراك وغيره من ضباط الجيش والصناعات الجوية والعسكرية واستقروا فيها، ولكن في التسعينيات عندما بدء ببناء الضواحي المتمثلة بنجوم شارون، وهي استنساخ لـ"كوخاف يائير"، دخل المقاولون على الخط ولم نعد نتحدث عن عائلات من فئة معينة أو من قطاعات معينة مثلما كان في السبعينيات، وأصبح التخطيط يخدم مسألة ربح المقاولين.

د. جبرائيل شفاكة

"عرب 48": في هذه المرحلة دخلت الخصخصة أو حدث الاندماج بين الاقتصاد والاستيطان أو الأيديولوجيا والربح، فوظفت الأيديولوجيا في خدمة الربح والربح في خدمة الأيديولوجيا؟

شفاكة: هذا صحيح، لكن لا يوجد في إسرائيل خصخصة مجردة، ولنسأل أنفسنا لماذا لا يسكن في "كوخاف يائير" أي عربي؟ ففي "الكيبوتس" و"الموشاف" هناك لجنة قبول تقرر من يسكن ومن لا يسكن، وفي التسعينيات اتبعوا طريقة الجمعيات والمقاولين.

في التسعينيات ومطلع الألفية الحالية نرى تعاظم الخصخصة وانتقال الحديث من المقاولين إلى المستثمرين، ونرى أن ذلك يبدل كل شيء من ناحية التخطيط والهندسة المعمارية، وأفضل مثال هي مستوطنة "حريش" في وادي عارة.

حريش ابتدأت في الثمانينيات كـ"كيبوتس" سكنه بضع عشرات فقط، ثم قرروا تحويلها إلى "ضواحي" وبدأوا بإنشاء عمارات سكنية، إلا أن خشيتهم كانت من أن "يحتلها" العرب ولذلك توقفوا عن البناء. وفي الأعوام 2006-2010 بدأوا يتحدثون عن مدينة حريدية، وفي "نوف هجليل (نتسيرت عيليت سابقا)" اليوم يجلبون "الحريديين" أيضًا للجم تكاثر العرب هناك. الحريديون يستطيعون خلق سوق مغلقة. واليوم "حريش" هي شيء غريب عجيب يصعب تعريفه، لا تعرف إذا كانت بلدة كبيرة أو مدينة أو ضاحية.

"عرب 48": نلاحظ أنهم صاروا يستغلون الحريديين الذين يعانون من ضائقة سكنية كمادة بشرية للاستيطان في الجليل والمثلث والضفة والنقب؟

شفاكة: الحريديون مجتمع فقير، ويريدون السكن في أي مكان، وهم مستعدون للانتقال إلى طبرية وإلى عراد وإلى كل مكان فيه فراغ، ولكن عودة إلى "الخط الأخضر"، فإن مسألة القرب من وسط البلاد، سفر ربع ساعة من كفار سابا ونصف ساعة من تل أبيب، التقت مع الهدف السياسي في تبديد "الخط الأخضر".

بشأن "كوخاف يائير"، سبق أن أجريت مقابلة مع عضو الكنيست السابق، ميخائيل إيتان (الليكود)، حول الموضوع وقال "لقد ذهبت إلى شارون وشرحت له الفكرة، فأجاب أنه لا تتوفر لديه الأراضي شرق ’الخط الأخضر’، ولكن داخل ’الخط الأخضر’ أيضا هناك تجمع بلدات الطيبة والطيرة وقلنسوة (المثلث الجنوبي) وتوجد حاجة لوقف زحفه".

المثير أن الحديث يدور عن أناس قريبين من مركز صناع القرار، بنوا لأنفسهم بيوتا فخمة بأسعار رخيصة، أناس من الأحزاب، الجيش، الهستدروت، ضباط جيش على غرار إيهود باراك، الذي لم يكن ضابطا كبيرا بعد عندما بنى بيته الفخم في "كوخاف يائير".

أما "ألفيه منشيه" الواقعة شرق الخط الأخضر، فبدأت كمشروع للضباط الذين تتراوح أعمارهم ما بين 30- 35 سنة، في حين أن مستوطنة "أورنيت" أقامها مقاولون اشتروا الأرض وباشروا بالبناء وبالبيع. أحدهم كان في الصناعات الجوية فجند زملاء له، ولاحقا على غرار "صديق يجلب صديق"، مثل أطباء من "تل هشومير" وغيرهم.

هذه الموجة التي كانت في الثمانينيات والتسعينيات هي التي أنعشت الاستيطان، بل أنعشت كل شيء في منطقة الخط الأخضر بعد أن كانت متروكة، حيث صارت المستوطنات على امتداد الخط الأخضر وعلى جانبيه هي ضواحي تل أبيب، والسؤال هو كيف استطاعوا أن يأخذوا متروبولين تل أبيب ومدوه شرقا نحو الخط الأخضر أي باتجاه الضفة الغربية.

"عرب 48": هل ساعد إقامة الجدار في خلق هذا الواقع؟

شفاكة: هذا الواقع سابق على الجدار، لكن الجدار ساهم في تعزيزه، الجدار ليس ممتدا على "الخط الأخضر"، بل أن تلك المستوطنات التي أقيمت شرقي الجدار في داخل الضفة الغربية هي التي حددت مكان الجدار ومساره، وجاء الجدار ليرسم حدودا عملية ويضم هذه المناطق إلى إسرائيل، حيث أصبحت اليوم هذه المستوطنات تقع غربي الجدار.

الجدار تحول إلى حدود أمر واقع وهو يقع داخل الإجماع الإسرائيلي، فلا أحد يعتبر "أورنيت" أو "ألفيه منشيه" مستوطنتين، كما أنك عندما تتحدث مع الناس هناك لا أحد يتحدث عن الصهيونية والأرض والأيديولوجية، بل أن همهم هو البيت الجميل والشجر الظليل. في المقابل، عندما قلت أمام أحد المستوطنين في "يتسهار" أن المنظر الطبيعي جميل هنا، أجابني باستياء واضح "نحن هنا ليس بسبب المناظر الطبيعية".

"عرب 48": لكن وبرغم الانطباع السائد فإن غالبية المستوطنين في الضفة الغربية هم من النوعية الأولى؟

شفاكة: أكبر المستوطنات في الضفة هي "بيتار عليت" و"موديعين عليت" وسكانهما من الحريديين، ومعروف أن الحريديين عند إقامة هاتين المستوطنتين وحتى قبل 20 سنة كانوا ما بين اليسار واليمين، وليس كما هم اليوم، ومع ذلك نجحوا بجلبهم إلى المستوطنات بسبب حاجتهم للسكن، ومن بين نصف مليون مستوطن في الضفة الغربية هناك ما يقارب 200 ألف من الحريديين.

"عرب 48": يجري استخدامهم اليوم في النقب حيث تخطط وزيرة الداخلية شاكيد لإقامة مدينة حريدية تدعى "كسيف" على أراضي العرب هناك؟

شفاكة: الحريديون يبقون الخيار الأخير بهذا الموضوع، ولكن غالبية مستوطني منطقة "الخط الأخضر" هم أثرياء وأشكناز. لقد نجحوا بجلب شريحة كبيرة وغير أيديولوجية ويجعلونها تقوم بفعل أيديولوجي.

لقد كان هؤلاء يعيشون في شقة مساحتها 70 متر مربع، فأصبحوا في هذه المستوطنات يعيشون في شقة أو فيلا بمساحة 200 متر مربع.

الأنماط السكنية تغيرت وفقًا لتغير الاقتصاد من شبه اشتراكي يعيش فيه الناس في شقة بمساحة 70 متر مربع، واقتصاد شبه زراعي، إلى ضواحي مدنية مع بيوت بمساحة 200 متر مربع وسوق نيوليبرالية.

"عرب 48": هذه السياسة يستخدمونها اليوم في يافا واللد وعكا؛ الشركات الاستثمارية تستولي على البيوت العربية بطرق مختلفة وتهدمها وتبني مكانها أبراجا سكنية على البحر؟

شفاكة: يتحدثون عن التطبيع، اليوم أسهل شيء أن تطبق التطبيع في الاقتصاد، لأن السوق الاقتصادية هي سوق عالمية، والعامل الاقتصادي من شأنه أن يغطي على العامل السياسي والأيديولوجي.

وهذا المشروع "الاستيطاني القومي" المتمثل بالاستيطان على امتداد "الخط الأخضر" الذي باشروا به في السبعينيات، استمر وانتعش وأنعش المشروع الاستيطاني كله، لأنهم نجحوا في تحويله إلى مشروع اقتصادي وفي تطوير أنماطه لتواكب التطور الاقتصادي.

لقد نجحوا من خلال هذا النمط الاقتصادي بإنعاش الاستيطان الذي كان في أزمة في مرحلة معينة، ومن محو "الخط الأخضر"، وصولا إلى الواقع القائم اليوم الذي يجري فيه الحديث عن الضم وتثبيت الاحتلال كأمر واقع.


جبرائيل شفاكة هو مهندس معماري ومخطط حضري، وهو باحث ومحاضر في جامعة شيفيلد في بريطانيا، وكان قد درس في جامعة تل أبيب وحصل على الدكتوراة من جامعة دلفت للتكنولوجيا في هولندا.

بودكاست عرب 48