حوار مع مدير "الحق" | لماذا يستهدف الاحتلال المؤسسات الأهلية الفلسطينية؟

حوار مع مدير "الحق" | لماذا يستهدف الاحتلال المؤسسات الأهلية الفلسطينية؟
ناشطون متضامنون مع المؤسسات الأهلية الفلسطينية (Gettyimages)

اقتحام الاحتلال الإسرائيلي لسبع مؤسسات فلسطينية (الحق، الضمير، اتحاد لجان المرأة، اتحاد لجان العمل الزراعي، اتحاد لجان العمل الصحي، الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال، ومركز بيسان للبحوث والإنماء) الواقعة في قلب مدينة رام الله، وتدمير ومصادرة محتويات مكاتبها وتشميع أبوابها ومنعها من ممارسة عملها، تنفيذا للقرار الذي سبق أن أصدره وزير الأمن الإسرائيلي بيني غانتس العام الماضي، باعتبارها "منظمات إرهابية"، هو استمرار للسياسات الإسرائيلية في استهداف المنظمات الأهلية الفلسطينية، وقمع دورها الوطني والدولي.

وكما جاء في ورقة تقدير موقف سبق أن أصدرها مركز "مسارات" بهذا الخصوص، فإنه رغم التحول الذي أحدثته عملية أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية عام 1994 في أجندة غالبية المنظمات الأهلية الفلسطينية ومحاولة إخضاعها لسياسات الجهات الدولية المانحة ومواءمتها مع إطار عملية أوسلو نحو تبني أجندة اجتماعية بقي قطاع هام من المنظمات الأهلية يواصل عمله من منطلق أجندة وطنية واضحة.

وتلعب المؤسسات السبع التي تتهم بالانتماء "للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" دورا حيويا في مجالات عملها بالمستويين الوطني والدولي وهي تتمسك بأجندة تعزيز صمود الشعب الفلسطيني، وكشف جرائم الاحتلال الإسرائيلي وعزله دوليا وملاحقته في المحاكم الدولية.

من العبث بممتلكات واحدة من المؤسسات الحقوقية الفلسطينية (Gettyimages)

وهو ما يبدو سببا رئيسيا لملاحقتها من قبل الاحتلال، حيث تشير ورقة "مسارات" إلى ان الحملة الإسرائيلية ضد المنظمات الأهلية الفلسطينية بلغت ذروتها في العام 2009، مع سيطرة اليمين الإسرائيلي المتطرف بزعامة بنيامين نتنياهو، على مقاليد الحكم، حيث شرعوا في سن قوانين تهدف إلى التضييق على المنظمات الأهلية الفلسطينية، وتجفيف مصادر تمويلها. فصادق الكنيست الإسرائيلي، في العام 2016، على "قانون مكافحة الإرهاب"، الذي يمنح وزير الأمن صلاحية الإعلان عن المؤسسات والأفراد كمنظمات "إرهابية"، ويسمح له بتقييد حساباتها البنكية.

وهو القانون الذي تم بموجبه الإعلان عن الصندوق القومي الفلسطيني "منظمة إرهابية"، في العام 2017، كما تبعته أربع منظمات أهلية فلسطينية في العام 2020، وصولا إلى المنظمات الست التي شملها قرار غانتس الذي كان قد أعلن عنه عام 2021.

ومع تصاعد الحملة الفلسطينية الدولية في عزل دولة الاحتلال في المحافل الدولية والعمل على تجريمها أمام المحاكم الجنائية، أقامت حكومة إسرائيل في العام 2006، وزارة بأكملها تحت مسمى وزارة الشؤون الإستراتيجية والدعاية، تقرر في العام 2015 توسيع أهدافها واعتبارها مسؤولة عن تنسيق أعمال كل الوزارات الحكومية لمحاربة محاولات سلب الشرعية عن الاحتلال، حيث تعمل في مجال التنسيق والدعم، وتمكين ما تسميه "الشبكة المساندة لإسرائيل". كما أطلقت إستراتيجية قضائية تعتمد الملاحقة في المحاكم كسلاح لترهيب الجمعيات التي تؤيد حقوق الفلسطينيين أو التخلص منها، حتى لو كانت جمعيات أميركية.

وتشكلت إلى جانب الوزارة أجساما تخدم أهدافها، منها "مرصد المنظمات غير الحكومية" الذي يراقب كل ما يصدر عن المنظمات الفلسطينية غير الحكومية، وتصريحات المسؤولين والعاملين فيها، ومصادر تمويلها، ويعمل على إطلاق حملات للقضاء على تمويل هذه المنظمات، كما استحدثت الوزارة منظومة أطلقت عليها "كيلَع شلومو" (مقلاع سليمان)، والمعروفة، أيضًا، باسم "مشروع كونتسيرت"، وقد أقرتها الحكومة العام 2017، وخصصت لها ميزانية تصل إلى أكثر من ربع مليار شيقل.

ورغم أن غانتس قد ادعى في إعلانه أنه استند إلى معلومات استخبارية، فيبدو أنه اعتمد، على تقارير مرصد المنظمات غير الحكومية و"كيلع شلومو"، وهي في جوهرها تقارير قائمة على مفهوم الملاحقة السياسية وتخدم الهدف الإستراتيجي لوزارة الشؤون الإستراتيجية المتمثل بوصم المؤسسات الفلسطينية بأنها "إرهابية"، وسبق أن تناولت المنظمات الست بالاسم والعاملين فيها في تقاريرها على أنهم "إرهابيون ببدلات أنيقة"، كما تورد ورقة "مسارات".

لكن غانتس ومؤسسة الاحتلال لم يتوقعوا، كما يبدو، ردة الفعل الفلسطينية والدولية على هذا القرار التعسفي، حيث جاء تشكيك وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي آي إيه) بصدقية المعلومات التي تربط هذه المنظمات بالإرهاب، كما يزعمون، داعما للموقف الأوروبي والأممي والفلسطيني، الذي استدعاه وعززه صمود المؤسسات والعاملين فيها والواقفين على رأسها وتحديهم لقرار الاحتلال بفتح مكاتبها بعد ساعات من إغلاقها والإعلان عن عدم اعترافهم بقرار الاحتلال ومواصلة عملهم مهما كلف الثمن.

شعوان جبارين

لإلقاء المزيد من الضوء حول هذه القضية التي ما زالت تشغل وتشعل غضب الشارع الفلسطيني، كان هذا الحوار مع مدير عام مؤسسة "الحق"، شعوان جبارين.

"عرب 48": من المستغرب أن الحديث يدور عن مؤسسات فلسطينية عريقة، يبلغ عمر غالبيتها وبضمنها مؤسسة الحق التي ترأسها والناشطة منذ عام 1979، بمعنى أنها "نجت" خلال فترة الحكم العسكري المباشر والانتفاضة الأولى والثانية، فلماذا اليوم؟

جبارين: من الجدير التذكير أن هذه المؤسسات كانت دائما هدفا لحملة التحريض والملاحقة الإسرائيلية التي ارتفعت وتيرتها في الـ15 سنة الأخيرة، حيث وضعوا نشاطنا وكوادرنا تحت مجهر الرصد الذي يحمل مسميات مختلفة مثل "إن. جي. أو مونيتور" و"رجفيم" وغيرها من المنظمات التي تعمل في خدمة اليمين الإسرائيلي.

لقد كانوا يأخذون أسماء الممولين التي تحتوي عليها تقاريرنا المالية المنشورة على مواقعنا، ويتصلون بهم لتحريضهم علينا واتهامنا تارة بالإرهاب وطورا بمعاداة السلطة الفلسطينية، حتى أنهم كانوا يرسلون رسائل مزورة باسم سلطة النقد الفلسطينية تحتوي تحريضا على هذه المؤسسات.

كانوا يغرقون بريد الخارجيات والبرلمان الأوروبي برسائل التحريض ضمن حملة تشهير مبرمجة تستهدف الأشخاص والمؤسسات، كالادعاء، مثلا، بأن مدير تلك المؤسسة "إرهابي" ولا يتمتع بمصداقية مهنية وتمت إدانته من قبل محكمة إسرائيلية بالانتماء لفصيل مصنف إسرائيليا وأوروبيا كتنظيم "إرهابي"، وغيرها من أساليب التحريض الرخيصة وكل ذلك بهدف تأليب الممولين علينا وتجفيف منابع التمويل، كما يسمونها.

كما أنهم لم يتورعوا في تجنيد كامل طاقاتهم وتجنيد أصدقائهم في البرلمان الأوروبي وخارجه لتوجيه أسئلة للخارجيات وتحريضها وحثها على التوقف عن دعم مؤسساتنا، ولم يدخروا، كما قلت، أي من الأساليب ابتداء من الكذب والتضليل والتزوير وحتى الملاحقة والتهديد كما فعلوا بزميلتنا التي كانت تعمل مع محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، حيث وضعوا ورود القبور أمام بيتها، كما قاموا بتوزيع آلاف النسخ من المنشورات التي تحمل "لوغو" الحق، توحي بأنها تعمل مع المجتمع الإسلامي في لاهاي ومع اللاجئين وذلك لتحريض اليمينيين المتطرفين ضدنا، كما نشروا عنوان بيت زميلتنا "خدمة" لمن يريد تقديم مساعدات للاجئين.

استعملوا كل الطرق وفشلوا حتى أن الجهات الممولة باتت لا تسألنا عن أكاذيبهم بل صارت تجيبهم وتدحض اداعاءاتهم وافتراءاتهم دون الرجوع إلينا.

"عرب 48": ما الذي يغيظهم أساسا في نشاطكم؟

جبارين: هناك ثلاثة أمور أساسية، واحدة منها هو اعتبارهم بأننا تجاوزنا الخط الأحمر في مسألة ملاحقة مجرمي الحرب، حيث حاولنا استخدام الولاية القضائية العالمية وكلنا يذكر أمر الاعتقال الذي أصدره قاضي بريطاني ضد تسيبي ليفني في لندن واضطرارها للمغادرة خوفا من تنفيذ الاعتقال، إضافة إلى ملاحقة إيهود براك في بريطانيا أيضا وكذلك قائد سلاح الجو الإسرائيلي السابق، ألموغ، الذي لم يتمكن من النزول من الطائرة في مطار لندن.

الأمر الثاني هو ملاحقة موضوع الشركات التي تعمل في المستوطنات، حيث حققنا مع شركائنا الفلسطينيين والدوليين نجاحات في دفع شركة "أورانج" للاتصالات إلى وقف نشاطها في إسرائيل، وفي دفع الشركة الفرنسية إلى الانسحاب من المناقصة لبناء القطار الخفيف في القدس وغيرها من القضايا.

أما الأمر الثالث فهو يتعلق بالرواية، أن تقول إن طبيعة هذه الدولة هي منظومة أبارتهايد تستند إلى استعمار استيطاني، حيث كنا السباقين في استخدام هذه التعبيرات وهذه اللغة في البحث الهام الذي أصدرناه عام 2008، والتي أصبحت اليوم لغة دارجة على لسان منظمات حقوق الإنسان الدولية.

لقد رسخنا هذه المفاهيم من خلال عملنا مع المؤسسات الحقوقية ومع المقررين الخاصين للأمم المتحدة ومع مجلس حقوق الإنسان، حتى أن اتفاقية مناهضة كافة أشكال التمييز العنصري التي صدرت في كانون الأول/ ديسمبر 2019 قبل كورونا، اعتبرت أن إسرائيل تمارس سياسة تمييز عنصري على طرفي الخط الأخضر، وهذه المرة الأولى التي تستخدم فيها الأمم المتحدة لغة بهذا الوضوح في اتفاقية.

برأيي أن هذه الأمور أثارت حفيظتهم، وقد عبر نتنياهو عن ذلك بقوله، إن هناك خطرين أساسيين على إسرائيل، الأول هو الخطر النووي الإيراني والثاني هو محاولات المس بوجه إسرائيل وشرعية إسرائيل في العالم، من خلال الـ"بيز دي إس" والمؤسسات الأخرى وكان يقصدنا بذلك.

"عرب 48": تريد القول إنهم بعد أن فشلوا في المواجهة السياسية معكم لجأوا إلى استعمال سلطة القوة التي يتمتعون بها كقوة احتلال؟

جبارين: صحيح، لقد فشلوا في تجفيف الموارد التي كانت إستراتيجيتهم الأساسية وفشلوا في إقناع العالم ومحاصرتنا دوليا، ورأوا أننا نتوسع ونقتحم منابر مجلس حقوق الإنسان ولجان الأمم المتحدة والجمعيات الحقوقية، فثارت ثائرتهم ولم يعد يجدي نفعا الادعاء أن الدولة ليست هي من يقف وراء الموضوع ولا تحاول استخدام يدها الثقيلة.

من جهتنا كنا نعرف أنهم عندما يفشلون ستلجأ الدولة لاستخدام يدها الثقيلة، وكان إعلان المؤسسات كمنظمات إرهابية إيذانا من جهتهم بأنه فاض الكيل ولا بد من اللجوء لقوة احتلالهم، وقد أغاظهم أكثر أن العالم لم يشتري "البضاعة" التي يسوقها الأمن الإسرائيلي هذا الأمن الذي يدعي أنه يعرف دبيب النملة.

العالم حاول أن يفحص معلوماتهم فتبين أنها كاذبة وطالبهم بتزويده بمعلومات إضافية، وإذا كنت تنسق مع أميركا حول النووي الإيراني فلا يعقل أن تدعي سرية المعلومات أمامها في موضوع صغير كهذا، وعندما انكشف كذبهم ووضعت مصداقيتهم على المحك لجأوا إلى فرض سياسة الأمر الواقع، فكان الإغلاق بمثابة رسالة للاتحاد الأوروبي ورسالة للسلطة الفلسطينية ورسالة للجميع بأن "ما يقولونه هو فقط ما يجب أن يكون".

"عرب 48": ولكن فاجأهم أيضا رد الفعل الأوروبي وتقرير الـ(سي.أي. إيه) ورد فعل السلطة الفلسطينية على قرار الإغلاق أيضا؟

جبارين: في ما يتعلق بموضوع السلطة الفلسطينية، هم بنوا على مرحلة الصدام في ما بيننا وبين السلطة في موضوع نزار بنات وقضايا حقوق الإنسان، إلا أنه غاب عن ذهنهم أن اقتحامهم رام الله وإغلاق مؤسسات فلسطينية عريقة في وضح النهار لا يترك للسلطة، بما يمثله من انتهاك حتى للسيادة الوهمية لا يترك أمام السلطة أي مساحة للمناورة، سوى اتخاذ الموقف الذي اتخذته بدعمنا ومساندتنا في وجه العدوان الغاشم علينا وعلى شعبها.

أما بما يتعلق بالموقف الأوروبي وحتى الأميركي، فقد كنا قد حذرنا مسبقا من مثل هكذا خطوة في وقت كانوا يطمأنوهم بأن القرار الذي اتخذ العام الماضي هو مجرد إجراء شكلي، وقد جاء رد الفعل كما يجب من قبل السفراء والخارجيات الأوروبية والصحافة والإعلام.

كما كان لموقفنا الحازم في إعادة فتح أبواب المؤسسات واستئناف عملها الفوري وتحدينا لمحاولات الترهيب دون التحسب من العواقب، دورا مركزيا في الالتفاف الشعبي والرسمي الفلسطيني والدولي الذي حتما سيُفشل قرار الاحتلال ومخططه ضد مؤسساتنا التي وجدت لخدمة شعبنا وقضيته وستبقى تفعل ذلك مهما بلغت التحديات.

ونحن نعرف أنه بمنطق غطرسة القوة يستطيعوا أن يفعلوا أي شيء، أن يقتلوا ويعدموا، وهم ما شاء الله خبراء في هذه المسائل، كما أن القاضي الجالس خلف مقعده يستطيع أن يقرر أنك خرقت القرار العسكري ويحكم عليك بالسجن بضع سنوات، نحن نعرف هذا ولذلك نقول إن الدفاع عن شعب قضية كبيرة وقضية عدالة.

بودكاست عرب 48