الحكم العسكري و"صندوق الصمت"*

الحكم العسكري و"صندوق الصمت"*
توضيحية (أ ف ب)

لاحقا للنكبة، وضع من تبقى من الفلسطينيين في الأراضي التي احتلها القوات الصهيونية تحت حكم عسكري استمر حتى نهاية عام 1966. وكان ذلك بقرار من مجلس الدولة المؤقت، أثناء حرب 1948، وتحديدا في 19 أيار 1948. ووفق هذا القرار فإن حالة الحرب في الدولة تلزم إعلان حالة طوارئ، الأمر الذي يلزم فرضها في مناطق معينة بحسب توصيات القائد العام للجيش وبموافقة وزير الأمن. واعتمدت الصلاحية الدستورية للحكم العسكري، من بين ما اعتمدت، على أنظمة الدفاع الانتدابية لزمن الطوارئ (1945) التي تبناها مجلس الدولة المؤقت.

على الرغم من أهمية هذه الفترة وتأثيرها على جميع مجالات حياة الفلسطينيين، ممن تبقو في وطنهم، إلا أن الأبحاث التي تناولتها كانت محدودة، وخاصة الدراسات التي التفتت إلى الناس وتجاربهم، وغاب بشكل خاص واقع المدن، كما غاب واقع الحياة اليومية لسكانها الفلسطينيين.

أحاول في هذه المقالة القصيرة، تناول إحدى هذه الجوانب المغيّبة، متوقفة عند ما غاب من شهادات شفوية لمدنيين من حيفا، جمعت كجزء من مشروع بحثي (أطروحة الدكتوراه) حول هذه الحقبة من تاريخ الفلسطينيين في الداخل. وأدعي أن واقع الحكم العسكري الصعب في المدن، وعدم جمع شهادات شفوية عن هذه الفترة يساهم في تغييب جزء من تاريخ الفلسطينيين ويبيّن، من بين ما يبيّن، أن شعور التعقب والسيطرة كما شعور الخوف ما زال هاجسا يصمم ذاكرة الفلسطينيين كما يصمم علاقتهم مع الدولة.

حدث خلال النكبة أن أفرغت المدن بشكل شبه الكامل من سكانها الأصليين. وشملت أنظمة الحكم العسكري مدينة اللد والرملة ويافا ووضعت تحت الحكم العسكري بشكل رسمي، كما شملت منطقة الحكم العسكري في الشمال مدينة عكا، لتخضع كل المدن الفلسطينية التي كانت من المفروض أن تكون في حدود الدولة العربية تحت الحكم العسكري الإسرائيلي.

وضع من تبقى في هذه المدن في غيتو - جمع من تبقى في يافا في حي العجمي، ومن تبقى في حيفا جمع في حي وادي النسناس، وجمع أهل اللد في حي الكنيسة، ومن تبقى في الرملة تم إجباره على الانتقال إلى حي الغيتو.

وعلى الرغم من عدم ورود ذكر حيفا في المناطق المحددة في قرار الحكم العسكري. وعلى الرغم من إعلان المؤسسات الوطنية العليا بتاريخ 05/05/1948 عن انتهاء 'الحكم العسكري' الذي أعلن على البلد مباشرة بعد احتلالها، وعن نقل الصلاحيات المدنية لـ 'لجنة الوضع'، وإبقاء المسؤولية على الجانب الأمني لقوى 'الهاجاناه'، تطابقت السياسات تجاه الفلسطينيين في حيفا مع تلك التي انتهجت تجاه الفلسطينيين الذي وقعوا تحت الحكم العسكري الرسمي في يافا واللد والرملة.

لم تكتف السلطات بقطع التواصل بين حيفا وفضائها العربي، بل عملت أيضا على قطع تواصلها عن القرى المحيطة بها. ففي الأسبوع الأول لاحقا لاحتلال حيفا، تم منع 3200 فلسطيني ممن تبقوا في حيفا من السكن إلا في منطقتين فقط؛ منطقة وادي النسناس وحي وادي الصليب.

ومن أجل تطبيق وضمان المراقبة والتعقب، أعلنت السلطات عن فتح مكتبين 'للمعلومات والإرشاد' للعرب المتبقين في البلد؛ الأول في شارع العراق 130 في بيت محمد عبد الحفيظ، والثاني في شارع ألينبي 35 في بيت المطران. على الرغم من التسمية المدنية للمكاتب، كانت مهمتهما الأساسية إصدار تصاريح للخروج من حدود المنطقة التي سمح للعرب السكن فيها.

ولم يمض شهران حتى تم تضييق الحيز العربي أكثر وأكثر، ففي تاريخ 1.7.1948 أصدرت الهاجاناه أمرا بتركيز جميع العرب المتبقين في حيفا في 'غيتو' حي وادي النسناس. لم يشمل هذا الأمر الغرباء من غير العرب، وهذا ما زاد من غضب واعتراض السكان الأصليين. ومع هذا وعلى الرغم من اعتراض الفلسطينيين واللجنة العربية المؤقتة، وعلى الرغم من أن الحي ما زال يعاني من غياب المياه والكهرباء حتى ذلك اليوم، تم تنفيذ القرار في مدة تقل عن أسبوع. وفي تشرين الثاني 1948 تم إصدار أمر إضافي في تركيز من تبقى خارج وادي النسناس لنقلهم إلى الغيتو.

يرشدنا أرشيف المستعمر وصحفه إلى واقع الحياة المعاش في حيفا لاحقا لاحتلالها. ففي حين تهدف المستندات الأرشيفية الصهيونية إلى أرشفة نصر المستعمر، بإمكانها، في ذات الوقت، أن تكشف لنا واقع حياة الأصلاني اليومية. تلك التفاصيل التي اختارت الذاكرة الفلسطيني محوها، كما سأتطرق لاحقا.

فعلى سبيل المثال، عن الحواجز في محيط الغيتو في حيفا يمكن أن نستدّل من تقارير عن مدينة حيفا في تلك الفترة، أرشفت تحت اسم وثائق وحدة 'شاي-عرب' في أرشيف الهاجاناه، وهي وحدة الاستخبارات في الهاجاناة المختصة بالعرب. فمثلا يشمل ملف هذه الوحدة في الأرشيف تقارير حول الحواجز بين الغيتو العربي وبين الأحياء اليهودية، وطريقة عمل الوحدة التي تعمل في تنظيم الحواجز.

كما يمكننا أن نستدل عن ضبط حركة وتنقل السكان الأصليين في حيفا، وعدد الطلبات التي قدمت لـ'مكتب الاتصال' من أجل الخروج من الغيتو، عن ذلك الشخص 'اليهودي الذي وظيفته الوحيدة هي أن يوصي هل يتم إصدار بطاقة عبور أو/وبطاقة نقل ممتلكات للعرب'، من خلال تقارير 'مكتب الإرشاد'.

وعن سبل مقاومة العزل من خلال 'التسلل' و'تهريب' الخضار من القرى إلى حيفا يمكن أن نستدل من أحد تقارير عمل 'مكتب الاتصال' من بداية شهر أيلول 1948 'هناك تنقل حر من قبل القرويين إلى عسفيا والدالية، الدروز يشترون الخضار من القرويين (قرية إجزم) ويبيعونها في حيفا، بعد إصدار تصاريح رسمية. علينا تقليص استصدار هذه التصاريح الا لبعض الأشخاص (الموالين لنا)'.

وبالتالي بالقدر التي تكشف لنا هذه التقارير تقنيات التعقب والسيطرة وسبل محاولات هندسة السكان الأصليين لطوائف وفئات، وهندسة علاقة السكان الأصليين مع المؤسسة المستعمرة من خلال تسهيل الحياة اليومية للفلسطيني 'الجيد والموالي' مقابل تضييق حيّز الفلسطيني 'غير الموالي'. بنفس القدر، يمكن من خلالها، أيضا تعقّب واقع الحياة اليومية، في تلك الفترة.

تشكّل صحف المستعمر مصدرا إضافيا لفهم واقع الفلسطينيين في تلك الفترة، فعلى الرغم من أهداف التقارير الصحفية الصهيونية، والتي تكتب بشكل عام لتجميل صورة النظام الجديد المتشكل، إلا أن مراجعتها بصورة نقدية، تعطينا وصفا ما حول واقع الفلسطينيين في حيفا في تلك الفترة.

فعلي سبيل المثال في تقرير في صحيفة 'دفار' من أيار ١٩٤٨ وصف الصحفي زيارته إلى حيفا ومن ضمنها الحواجز والتصاريح فكتب 'ها هو حاجز الحكم العسكري العبري، من خلاله يمر العرب. كلهم يحملون في أيديهم شهادة عبور مستصدرة من الهاجاناة، مكتوبة بالعربي والعبري. تفصّل الاسم ومكان الإقامة والمنطقة التي يسمح لحاملها التحرك والتنقل بها. في هامشها مكتوب هل يسمح لحاملها أن ينقل معه أمتعة'.

وعن صعوبة الحصول على تصريح، ومشقة المعاملة الفظة في مكاتب 'الإرشاد' كتبت صحيفة 'عل همشمار' أن 'الحصول على تصريح ليس بالأمر السهل، وأحيانا يتطلب الانتظار طويلا والمعاملة مع العرب في المكاتب غير محترمة. بعضهم يتعامل بشكل جيد، ولكن البعض الآخر يعبّر عن مشاعره السلبية تجاههم (الفلسطينيين). وحتى في حالة التفتيش عن أسلحة، لا تقوم الجهات في مجهود لمنع الضرر للممتلكات، هذا بالإضافة إلى عمليات السرقة في المناطق العربية'.

 تشكّل هذه المعلومات نافذة لفهم حياة الفلسطينيين اليومية في حيفا، لاحقا لاحتلالها، وتكمن أهميتها بشكل كبير في ظل غياب هذه التفاصيل من شهادات أهل حيفا. فلم 'يتذكر' أي ممن قابلتهم طابور التصاريح والحواجز خارج حدود الغيتو، ولم يذكر كيف حصل على عمل في الكيبوتس، ومن توسط له في الحصول على هذا العمل. وبيوت من سكنوا حين أجبروا على السكن في الغيتو؟ وأي ذاكرة حملت تلك البيوت؟

 أخذ الفلسطينيون الكثير من الوقت كي يفتحوا صندوق هزيمة النكبة، وعلى الرغم من كونها ذاكرة مؤلمة جدا كان للباحثات والباحثين والناشطين/ات الفلسطينيين والعرب دور كبير في فتح هذه الصندوق من خلال إجراء مقابلات مع ناجين وناجيات من النكبة، ودونت أحداث النكبة بعيون من عاشها في الدراسات والأبحاث وفي الفضاء الإلكتروني.

مع هذا غياب مثل هذه الدراسات وغياب تأريخ شفوي لتجارب من بقي في بلده لاحقا للاحتلال، أبقت تجارب الفلسطينيين خلال فترة الحكم العسكري خارج تاريخ الشعب الفلسطيني، خبأها أهلها في 'صندوق صمت'، لم يجرؤ على مشاركتها.

تحولت الهزيمة والذل الجماعي (النكبة) إلى هزيمة وذل فردي (حكم عسكري)، طوته ذاكرة الفلسطينيين، وخاصة أهل المدن، وأخفته في صندوق صمت لم يشاركوا به حتى أقرب الناس. لم تكن الذاكرة هي التي خانت الفلسطينيين، بل هي التجربة الصعبة التي طوت تلك الصفحة من الذاكرة.

صندوق الصمت جاء ليحمي أهل المدينة من شبح ذكريات تلك الفترة. من ذكريات ذل الحصول على إذن للخروج من حدود الغيتو لزيارة طبيب أو طلب عمل. وربما ذكريات 'أن تكون عربيا جيدا' لتحصل على تصريح لتعمل في ورشة أو كراج. وأن تضطر أن 'تثبت الولاء' لتصل إلى الناصرة أو يافا.

وربما أصعب ما يمكن على سكان المدن الأصليين تذكره، هو البيوت التي أجبروا على السكن فيها في الغيتو. ففي حالة مدينة حيفا، جمعت الناس في حي وادي النسناس (ولاحقا في شارع عباس). حيان عربيان سكنه عرب قبل تهجيرهم. مما يعني أن سكان مدينة حيفا أجبروا، دون إمكانية للرفض، على السكن في بيوت جيران أو زملاء أو معارف كانوا قد تركوا البلد خوفا من الحرب.

بُعد الفترة الزمنية للأحداث لم يمنع الفلسطينيين من المشاركة في تجربة أحداث النكبة رغم صعوبتها. وربما غياب ذاكرة الحكم العسكري تحديدا، يشير إلى أن شعور الخوف، لدى السكان الأصليين ما زال مستمرا، وأن التعقب والسيطرة ما زالت هاجسا يصمم ذاكرة الفلسطينيين كما يصمم علاقتهم مع تاريخهم، ويرسم إلى يومنا هذا علاقتهم مع النظام الاستيطاني الاستعماري. وربما يخاف الأصلانيون، أيضا، من أن يخدشوا الخطاب الوطني الشعبي السائد ذلك الذي يمجّد البطولة والمقاومة، على حساب مقاومتهم اليومية وتحايلهم على الحياة والحياء من أجل البقاء.


* 'صندوق الصمت': مصطلح مستوحى من رواية 'أولاد الغيتو- اسمي آدم' للكاتب اللبناني إلياس خوري

** همت زعبي: ناشطة وباحثة فلسطينية. طالبة دكتوراة في العلوم الاجتماعية في جامعة بئر السبع في النقب.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018