د. النصاصرة: إسرائيل تواصل مخططات الاقتلاع التي بدأتها عام 48

د. النصاصرة: إسرائيل تواصل مخططات الاقتلاع التي بدأتها عام 48

في خطوة رمزية عميقة الدلالة عقدت في المدرسة الأميرية ( مدرسة أبناء الشيوخ) في بئر السبع التي تحولت اليوم إلى "متنزه كراسو للعلوم"، ندوة تحت عنوان "بدو النقب: مئة عام من السياسة والنضال" شارك فيها ثلة من الباحثين والأكاديميين من أبناء النقب أساسا، وناقشت كتاب د. منصور النصاصرة الذي صدر عن جامعة كولومبيا تحت نفس العنوان.

المنظمون أرادوا وصل الماضي بالحاضر عبر المكان والإنسان، لاستعراض صفحات من تاريخ النقب امتدت منذ أعاد العثمانيون بناء مدينة بئر السبع عام 1900 م كمدينة عصرية ومركز إداري لجنوب فلسطين، وشكلت تلك المدرسة أحد معالمها البارزة، مرورا بتهجير المدينة واقتلاع أهلها الأصليين وتدمير البنية الثقافية والسياسية والاقتصادية النقباوية ووصولا إلى "مخطط برافر" الاقتلاعي الذي يسعى إلى استكمال مشروع الاستيلاء على أرض النقب.

بعد 70 عاما على النكبة، يستعيد النقب نخبه الثقافية والسياسية ويكتب حاضره وتاريخه بأقلام أبنائه العائدين إلى "هامش" المدينة التي كانت يوما مدينتهم، ليجدوا بنايات المدرسة والجامع والسرايا وغالبية معالم المدينة القديمة لم يتغير بها شيء، كما يقول منصور النصاصرة، سوى أنها غيرت استعمالاتها، فالجامع تحول إلى متحف، ومدرسة أبناء الشيوخ التي كانت تضم مدرسة بنات أيضا، صارت "متنزها للعلوم"، وما بقي من بيوت فلسطينية سكنها المهاجرون اليهود الذين حلوا محل السكان الأصليين الذين تشردوا بين الأردن وأراضي 67 وشمال سيناء.

"اسمي د. منصور النصاصرة، محاضر في جامعة اكستر البريطانية، قسم العلوم السياسية، جئت لأتحدث إليكم بصفتي ممثلا لمنتدى التعايش في النقب، وبالنيابة عن مجتمعي، والسكان الأصليين من البدو في النقب في جنوب إسرائيل"، هكذا عرف نفسه خلال إلقاء كلمته أمام مؤتمر الشعوب الأصلانية الذي انعقد قبل سنوات في الأمم المتحدة، وواصل قائلا: "أريد لفت انتباه المجتمع الدولي إلى الجهود الحثيثة التي تبذلها حكومة إسرائيل لاقتلاع البدو من السكان الأصليين من أراضي الآباء والأجداد في جنوب إسرائيل، وخصوصا خطة برافر–عميدرور، التي صودق عليها مؤخرا من قبل الحكومة، وسيتم بموجبها اقتلاع 30000 من المواطنين البدو من قراهم في النقب، في القسم الجنوبي لإسرائيل".

اليوم، وهو يعمل محاضرا في قسم العلاقات الدولية في جامعة بئر السبع، ما زال يرى بنفسه سفيرا لأهله ومجتمعه في إيصال كلمتهم والدفاع عن حقوقهم بالعيش على أرضهم. وفي هذا السياق، هو لا يكتب تاريخا يكتبه أي أكاديمي في أحسن جامعات العالم بل هو يروي قصة مجتمع ومعاناة تداخل بها الجزء بالكل وتواصل الماضي بالحاضر. إنها قصة كفاح جزء عزيز من الشعب الفلسطيني، أبناء النقب الصامد الذين ما زالوا يصارعون للبقاء على أرضهم.

عرب 48 التقى د. منصور النصاصرة، وحاوره حول الماضي والحاضر في قصة النقب التي نقلها إلى المحافل الدولية والأكاديمية، حيث حدثنا بداية عن فكرة البحث الذي بدأ كرسالة دكتوراة في جامعة اكستر البريطانية ثم تبلور ككتاب صدر باللغة الإنجليزية عن جامعة كولومبيا، في الولايات المتحدة، وهي صرح علمي هام في المجال الأكاديمي كان إدوارد سعيد أحد أعلامها البارزين.

ويشير إلى أن الدراسة عالجت قضية عرب النقب في سياق التعامل مع قضايا الأقليات القومية والشعوب الأصلانية من منظور القانون الدولي، وعلاقة القوة بين الدولة والأقليات وعلاقة الدولة الحديثة مع العشائر البدوية في الشرق الأوسط، وأنها اعتمدت على مصادر أرشيفية هامة تضمنت وثائق سرية في أرشيفات بريطانيا ويوميات حكام إنجليز، بينهم اللورد أكسفورد حاكم بئر السبع، وأوراق الحرب العالمية الأولى وما حدث في جنوب فلسطين، إضافة إلى كتابات رحالة إنجليز وصلوا إلى فلسطين، ويوميات عارف العارف الذي شغل منصب قائم مقام بئر السبع، هذا إضافة إلى الاعتماد على الرواية الشفوية من خلال شهادات جمعت من النقب، ومن مخيمات اللاجئين في الأردن، كذلك جرت مقابلة حكام عسكريين إسرائيليين وبعض البرلمانيين العرب.

عرب 48: أشرت إلى بئر السبع كمدينة عصرية شكلت مركزا اقتصاديا وثقافيا وسياسيا لمحيطها، ما هو هذا المحيط؟ وما هي الديمغرافيا الذي شكلته وشكلت المدينة؟

نصاصرة: جرت إعادة بناء مدينة بئر السبع كمدينة حديثة مطلع القرن التاسع عشر، حيث جرى تخطيطها من قبل مخططين ألمان وفلسطينيين، وهي تشبه في طرازها العديد من المدن العثمانية والتركية، وشكلت مركزا إداريا لجنوب فلسطين فيها بناية السرايا مركز الحكم العثماني ومحطة القطار الذي يربط بئر السبع بسيناء جنوبا وبيافا وحيفا شمالا، كذلك شكلت مركزا اقتصاديا ومدينيا لمحيطها الذي تشكل من عشرات القرى الثابتة، إضافة إلى العشائر التي سكنت المضارب والخيام، ناهيك عن وقوعها على الخط التجاري غزة الخليل القدس.

عرب 48: ماهي طبيعة سكان المدينة؟ وهل كانت قرى مبنية من بيوت حجرية تحيط بالمدينة؟

نصاصرة: يمكن القول إن بئر السبع كانت مدينة بدوية فلسطينية تشكلت بغالبية سكانها من العشائر، إضافة إلى تجار من غزة وعمال إدارة يتبعون الجهاز الإداري للدولة العثمانية، إلا أن الوثائق التاريخية تشير إلى وجود رؤساء بلديات من العشائر، ففي عام 1913 على سبيل المثال، جرى انتخاب حماد باشا الصوفي وهو من العشائر رئيسا للبلدية، ثم إن ملكية أراضي المدينة كانت تتبع للعشائر حيث اشترى الأتراك أراضي المدينة من عشيرة العزازمة.

كما أن المدينة كانت متطورة، فإلى جانب سكة القطار والمدرسة كانت دار سينما وجريدة ومطبعة تطبع فيها الجريدة، وكلها مظاهر تدل على درجة من التطور والرقي، بمعنى أن النقب لم يكن مجموعات من البدو الرحل كما تريد إسرائيل القول.

عرب 48: المدينة هجرت عن بكرة أبيها عام 48، وكذلك القرى الثابتة المحيطة، بمعنى أن إسرائيل وكما أعادتنا، في الشمال، إلى مجموعات فلاحين بعد القضاء على المدينة، أعادت الجنوب إلى مجموعات من البدو الرحل؟

نصاصرة: أستطيع القول إن القيادة الثقافية والسياسية والاقتصادية الفلسطينية ضربت في عموم فلسطين وهجرت منها، وهذا كان له أبلغ الأثر على البقية الباقية، ناهيك عن أن إسرائيل أحكمت قبضتها على من تبقى بواسطة الحكم العسكري الذي ثبتت من خلاله السيطرة على الأرض وفرض التهجير كأمر واقع، وفي الجنوب هجرت غالبية العشائر التي سكنت بئر السبع إلى غزة والضفة والأردن وسيناء، وجرى تركيز من تبقى في منطقة السياج الواقعة في شمال شرق بئر السبع، حيث بقي 13 ألف إنسان فقط من مجموع 95 ألف إنسان.

عرب 48: أعتقد أن النكبة قطعت أهل النقب عن امتدادهم البدوي في شمال سيناء وشرق الأردن، وقطعت أوصال العشائر، مثلما قطعت هذا المجتمع عن محيطه الفلسطيني في الشمال بسبب التقسيمات التي فرضها الحكم العسكري؟

نصاصرة: هذا صحيح، ولكن المنظومة العشائرية بقيت فاعلة رغم قبضة الحكم العسكري القوية، ورغم السياج، وخاصة المتعلقة بالقضاء العشائري، وذلك من خلال التحدي اليومي للواقع، كما أن المطالبات باسترجاع الأرض لم تتوقف، وهناك آلاف الرسائل والشكاوى التي كان يبعثها السكان لقيادة الحكم العسكري تثبت ذلك، ويشير إلى ذلك كتاب "الهدنة الدامية" لهدسون.

وقد أقيمت أول لجنة لمعالجة هذا الموضوع عام 1951، وهي لجنة فايس كما عقد أول مؤتمر عشائري لهذا الغرض عام 1958.

عرب48: تحدثت عما أسميته قيام إسرائيل بهندسة ديمغرافية لتثبيت سيطرتها على الأرض في النقب، وهو صراع ما زال مفتوحا؟

نصاصرة: إسرائيل ركزت السكان في منطقة السياج التي شكلت 10% من أراضي النقب للسيطرة على غالبية أراضي النقب، وبذلك خلقت واقعا جرى فيه نقل غالبية العشائر من موطنها الأصلي، بمعنى أن غالبية سكان النقب هم مهجرون داخل وطنهم، تحولت أراضيهم وأملاكهم إلى أملاك غائبين، ولم تعترف إسرائيل بملكية عرب النقب للأرض ولا بصكوك الملكية العثمانية والبريطانية، وتواصلت بعد عام 48 وحتى اليوم مخططات تجميع السكان بهدف السيطرة على أراضيهم، كان آخرها مخطط برافر سيئ الصيت، والذي يسعى إلى السيطرة على ما يقارب مليون دونم، والذي ألغي مؤخرا نتيجة الضغط الشعبي، فيما تتواصل محاولات إيجاد آليات اخرى لتنفيذ المصادرة، بينما يصارع أهلنا في القرى مسلوبة الاعتراف على البقاء في قراهم وفوق أرضهم، ورفض مخططات التجميع والترحيل، حيث يواجهون في أكثر من موقع آليات الهدم المعززة بقوات الشرطة، كما في أم الحيران والعراقيب، وغيرها من القرى.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018