70 عاما على النكبة: انفجار الغضب 1929 (10)

70 عاما على النكبة: انفجار الغضب 1929 (10)
من الأرشيف

ثورة البراق - قصص حقيقية عن ما حصل فيها

توالت قرارات بريطانيا ووعودها من أجل اليهود عَلى حساب الشعب الفلسطيني، ففي عام ١٩١٧ أرسل آرثر جيمس بلفور رسالتة الشهيرة بـ"وعد بلفور" إلى اللورد دي روتشلد، يشير فيها إلى أن حكومة بريطانيا تؤيد إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

وعام ١٩٢٢ أصدر ونستون تشرتشل وزير المستعمرات البريطاني "الكتاب الأبيض"، والذي يؤكد فيه على إقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين، ولكن ليس على كامل ترابها، ولن يكون على حساب الوجود العربي فيها، وأن الوطن القومي لليهود حسب وعد بلفور لا يعني دولة. كما وأكد الكتاب الأبيض على ضرورة زيادة هجرة اليهود إلى بلادنا، بشرط أن لا تؤثر سلبا على اقتصاد الدولة، وغير ذلك من البنود "الثعلبية" المراوغة، كما هو أسلوب بريطانيا دائما. رفض العرب الكتاب الأبيض رفضا شديدا، كما رفضوا قبله الوعد المشؤوم، "وعد بلفور".

ثم جاء صك الانتداب في نفس السنة، حيث نجحت بريطانيا في إقراره في عصبة الامم، ونفذ في فلسطين في العام التالي أي ١٩٢٣، وبواسطة هذا الصك تحول المشروع الصهيوني إلى مشروع دولي، حيث تبنته عصبة الأمم، ونص هذا الصك على تكليف بريطانيا، الدولة المنتدبة، بتنفيذ وعد بلفور، ومنح الوكالة الصهيونية حق التعاون الاقتصادي مع حكومة الانتداب، والسماح لها باستثمار مرافق البلاد الطبيعية بـ"العدل والإنصاف" (وَيَا له من إنصاف!)، وتعهد الحكومة المنتدبة بتسهيل هجرة اليهود، على أن لا تلحق الأذى بحقوق سكان البلاد! (وكيف يكون هذا؟)، ومنح الجنسية الفلسطينية للمهاجرين اليهود، أما التشريع والإدارة والخارجية والقوات المسلحة فهي من شان الحكومة الانتدابية.

في عام ١٩٢٥، جاء بلفور إلى القدس للاحتفال بإقامة الجامعة العبرية فيها، مما أدى إلى مظاهرات عربية احتجاجية وصدامات مع قوات الاحتلال البريطاني.

التنفيذ على أرض الواقع

خلال الفترة الممتدة منذ بداية الاحتلال البريطاني لفلسطين، وحتى عام ١٩٢٩، قدم إلى البلاد أكثر من مائة ألف يهودي، ملكتهم الحكومة البريطانية أكثر من ثمانين ألف دونم من الأراضي الأميرية، وأعطت الشركات الصهيونية خاصة شركة البوتاس وشركة الكهرباء ما يعادل خمسة وتسعين ألف دونم، وخولت شركة صهيونية بتجفيف أراضي سهول الحولة ما يجعلها تسيطر على ثلث الأراضي الخصبة في فلسطين، واحتكر الصهاينة النشاط الصناعي والتجاري، وحصلوا على معونات حكومية ضخمة.

في المقابل، حلت المصائب بالمجتمع الفلاحي الفلسطيني إذ كان عام الجراد في ١٩٢٧، وكان للجراد تأثير كبير على شُح المحاصيل الزراعية. ثم جاء الزلزال الكبير، في نفس السنة، والذي أودى بحياة أكثر من ٥٠٠ فلسطيني، وأكثر من ألف جريح، وكان لهذا الزلزال تأثيرا شديدا على أوضاع الناس الاقتصادية والمعيشية.

ورغم كل هذا، اتسمت الفترة الواقعة في العشرينيات من القرن الماضي بالهدوء النسبي، بما يخص التحرك الوطني الفلسطيني، حيث أن الفلسطينيين كانوا قد وصلوا إلى نتيجة أن ما فعلوه حتى الآن لمقاومة مشروع بريطانيا في تسليم البلاد لليهود، كانتفاضة القدس عام ١٩٢٠ وانتفاضة يافا ١٩٢١، ومظاهرات ١٩٢٥، لم يجد نفعا، ولَم يؤثر في موقف اإامبراطورية الكبيرة، بل زادها شراسة وإصرارا على إيقاع الظلم والغبن بالعرب.

هذا الهدوء جعل الصهاينة يعتقدون أن العرب قد استسلموا لأنهم ضعفاء بلا حول ولا قوة، ولذلك عليهم أن ينتهزوا هذه الفرصة من أجل البدء في تغيير المسلمات، والسيطرة على أهم معلم ديني إسلامي في فلسطين، بل ومن أهم الأماكن المقدسة لدى المسلمين على المستوى العالمي، ألا وهو المسجد الأقصى، والذي قرر اليهود أن يضعوه في خططهم الاستعمارية، وبذلك يحققوا نصرا دينيا هاما، يؤدي إلى جذب أعداد أكبر من يهود العالم، ويسرع في إقامة دولتهم المزعومة.

النشوة الصهيونية والرد العربي عليها

في الرابع عشر من شهر آب/ أغسطس ١٩٢٩، وفِي ذكرى خراب الهيكل، نظم اليهود مظاهرة ضخمة في تل أبيب تدعو إلى الذهاب إلى حائط "المبكى" كما يسميه اليهود (حائط البراق)، ونادوا بهتافات تسب العرب (الچوييم) المتخلفين الذين يسيطرون على الحائط. في اليوم الذي يليه انتقلت المظاهرة إلى القدس، وجابت شوارعها وانتهت عند حائط البراق، وهناك رفع اليهود العلم الصهيوني، وأنشدوا "هتكڤا" (نشيد الأمل الصهيوني بالوطن الموعود)، وشتموا الإسلام والمسلمين، ودعوا إلى تحدي العرب، مطالبين بـ"حائط المبكى" وهدم الأقصى وبناء الهيكل، وهم يشعرون بالقوة والعزم بسبب سياسة بريطانيا الداعمة لهم، والمعادية للعرب، وبسبب الهدوء الذي انتاب أهل البلاد الأصليين طوال سنين، بدون صراعات كبيرة أو ثورات على الوضع الجديد الذي تنتجه بريطانيا.

في يوم الجمعة السادس عشر من آب/ أغسطس، والذي صادف عيد المولد النبوي، كان الرد العربي إذ انطلق المسلمون بعد صلاة الجمعة بمظاهرة جبارة، شارك فيها أهالي القدس وأهل القرى الذين توافدوا إلى المسجد الأقصى. انطلق الآلاف نحو حائط البراق، وهناك حطموا ما أحضره اليهود من منضدة لرجال الدين، وأحرقوا أوراقا وضعها اليهود في ثقوب الحائط، وانتهت هذه المظاهرة بسلام دون حدوث أي صدامات أو مشاكل تذكر.

في اليوم التالي تصادم شباب عرب مع شباب صهاينة، مما أدى إلى مصرع يهودي وجرح أكثر من عشرة أشخاص من الطرفين، مما أدى إلى زيادة التوتر، خاصة أن الشرطة اعتقلت الكثير من العرب، والقليل من اليهود.

انفجار الغضب

بعد المظاهرتين بأسبوع واحد، انفجر الغضب العربي انفجارا كبيرا، ردا على اعتداءات اليهود الواضحة، وغضبا على أفعال بريطانيا التي تحمي ظهورهم، فكانت أحداث دامية في كل المدن الفلسطينية خاصة في القدس والخليل وصفد وحيفا ويافا، سقط إثرها ١١٦ شهيدا عربيا، وقتل ما يزيد عن ١٣٣ يهوديا، والمئات من الجرحى من الطرفين، واستمرت الصدامات بين العرب واليهود من جهة وبين العرب والبوليس البريطاني من جهة اخرى، لأكثر من أسبوعين، اتخذت فيها بريطانيا جانب المؤيد لليهود بشكل علني، وهذا ما أعلنه المندوب السامي ج. ر. تشانسلور، في بيانه الصادر في الأول من أيلول، عندما جاء من المملكة المتحدة إلى فلسطين، قائلا في بيانه: "وقد راعني ما علمته من الأعمال الفظيعة التي اقترفتها جماعات من الأشرار، سفاكي الدماء، عديمي الرحمة، وأعمال القتل الوحشية التي ارتكبت في أفراد من الشعب اليهودي". وجاء في البيان أيضا: "إن هذه الجرائم أنزلت على فاعليها لعنات جميع الشعوب المتمدنة في أنحاء العالم قاطبة"، مشيرا إلى العرب.

وانطلقت الصحافة الصهيونية والصحافة الموالية لسلطة الانتداب، والصحف البريطانية في مقالات ضد ما أسموه "وحشية" العرب، وتدعو هذه المقالات إلى التعجيل بإقامة الوطن القومي لليهود، وتنشر الأكاذيب حول تمثيل العرب بالجثث، ما فندته لجان رسمية صحية عربية وحكومية، حيث أثبتت بشكل قاطع عدم صحة هذه الادعاءات.

أسوِق إليكم هنا، قصص ما حدث في المدن الكبرى خاصة، وبعض القصص عن شهامات قام بها العرب بحق أعدائهم في أحلك ساعات الغضب الجماهيري، معبرين بذلك عن نبل الشعب العربي، وعدالة قضيته.

قصة أحداث القدس

ازداد التوتر في القدس، حيث كثرت الشائعات عن نية اليهود مهاجمة حائط البراق، والسيطرة عليه، لذلك جاء المصلون إلى صلاة الجمعة في ٢٣ آب / أغسطس، حاملين العصي والهراوات لدفع أي اعتداء على حائط البراق، بل على المصلين.

عندما دخل الحاج أمين الحسيني إلى المسجد، أحاط به المصلون، وطالبوه بالدفاع عن حائط البراق. وجاء الى المكان قائد شرطة القدس، هاريننتون، ونائب الحاكم، روحي بك عبد الهادي، وطلبوا من الشيخ حسن أبو سعود إمام المسجد الأقصى أن يهدئ الجمهور، فأبى طلبهما، وصار يخطب في الناس، ولكن المصلين صاروا يصيحون "الجهاد، الجهاد من أجل الأقصى"، فنزل عن المنبر وصعد يعقوب الجيلاني مكانه، وصار يشرح ما فعله اليهود، وما يريدون فعله مما أثار حماسة في الناس.

ما حدث بعد الصلاة هو أن المصلين خرجوا في مظاهرة جبارة، فيها أكثر من عشرة آلاف، وعند وصولهم إلى بوابة نابلس، وجدوا حشدا كبيرا من الصهاينة كان في انتظار المسلمين عند خروجهم من الصلاة، فقام أحد اليهود بإلقاء قنبلة بين المتظاهرين العرب، فكانت الشرارة الأولى التي تسببت في صدام وقع بين الطرفين، فتدخلت شرطة بريطانيا وأطلقت النيران على المتظاهرين العرب، ومن ثم حلقت الطائرات واشتركت المدرعات في قمع العرب، فكان على العرب أن يواجهوا عدوين في آن، فقسم كبير منهم يواجه أسلحة بريطانيا، والقسم الاخر يدافع عن نفسه أمام هجمات اليهود في الأحياء المختلفة، وذلك بالسلاح الناري، بينما العرب مسلحون بعصيهم فقط.

قصة أحداث الخليل

تجمهر أهالي الخليل مساء يوم الجمعة الموافق ٢٣ آب / أغسطس، عندما سمعوا بمظاهرة القدس، وقرروا جميعا السفر لنجدة اهل القدس، وجاءت سيارات كبيرة تنقلهم، ولكن أكثرهم لم ينجح في الوصول بسبب إغلاق السلطات للطريق، ومنع الناس من دخول المدينة.

في صباح اليوم التالي وهم يستعدون مرة أخرى للذهاب إلى القدس، في أعقا بوصول خبر إلى الخليل مفاده أن يهوديا يعمل في الشرطة، دخل إلى بيت عائلة عربية، وقتل سبعة من أفرادها، (هذا الخبر صحيح، وأثبتت التهمة على اليهودي فيما بعد، ولكنه لم يعدم)، وبينما هم في طريقهم وجدوا يهودا كثيرين ذاهبين إلى صلاة صباح السبت، فنزل بعضهم من الحافلات، وصاروا يرشقون اليهود بالحجارة.

وحسب رواية يهودي صهيوني بولندي، اسمه ي. ل. چرودزينسكي، فإن العرب أغلقوا محالهم التجارية يوم الجمعة بعد الرابعة ظهرا، وبعدها تعرض بيته إلى رشق بالحجارة، ثم أتت الشرطة لمساعدتهم، وباتوا ليلتهم متجمعين عدة عائلات معا خوفا من هجوم عربي عليهم. في صباح اليوم التالي، وفِي تمام الساعة السابعة صباحا، رأى چرودزينسكي عربا يركبون السيارات ذاهبين إلى القدس، ويحملون العصي والهراوات والسيوف والسكاكين، ولَم يذكر السلاح الناري بتاتا. ولما رأى هؤلاء اليهود الذاهبين إلى الصلاة ترجلوا من الحافلات، وهاجموهم وأمعنوا بهم ضربا، وهرب الآخرون إلى بيوت اليهود الذين صاروا يطلقون النار من شرفات المنازل، مما أدى إلى معركة حامية الوطيس، استغرقت ساعة واحدة أو أكثر قليلا، وقتل في هذه المعركة أكثر من ستين يهوديا، جلهم من الرجال الأشداء، وعدد قليل من الأطفال والنساء الذين ماتوا خنقا عند الهروب من الحجارة، أو إصابتهم الحجارة بطريق الخطأ نتيجة لتجمع عدد كبير من الناس، وهذا ما تؤكده شهادة الصهيوني البولندي الآنفة الذكر.

ما ذكر هنا لا ينفي أن بعض العرب قاموا بأخطاء في تعاملهم مع القضية وقت الغضب، والدليل على أنهم قلة أن العرب أنفسهم انقذوا حياة أكثر من ٣٥٠ شخصا يهوديا، أخفوهم في بيوتهم، ومن ثم قاموا بحراستهم من كل أذى. كما أن أحدا لم يمثل بجثة أو يعتد على شرف امرأة واحدة. وأما من أسعف الجرحى وضمد جراحهم فهما طبيبان عربيان يعملان في دائرة الصحة في الخليل.

الحاخام سلونيم من الخليل يؤكد على أن شيخا عربيا، أتى إلى بيت الحاخام الذي يأوي أربعين يهوديا، ومنع مئات العرب من اقتحام المنزل، وقال لهم إن بعض العجائز موجودات في البيت لا أكثر، فانفضوا عندها بسرعة.

بعد هذه المعركة التي أدت إلى قتل أكثر من ستين يهوديا واثني عشر عربيا، هدأت الخليل ولَم تجر بها أية اعتداءات جديدة، أو مناوشات أخرى، إلا بعض الاعتداءات التي كان يقوم بها اليهود الذين يقدمون إلى الخليل كل يوم تقريبا، وما أن يستفردوا بعربي إلا واعتدوا عليه.

قصة أحداث صفد

تسربت أخبار أحداث القدس في ٢٣ آب / أغسطس إلى صفد، في مساء نفس اليوم، مما أدى إلى اضطراب في المدينة، والدعوة إلى اجراء صلاة الغائب على أرواح الشهداء، وهذا ما تم فعلا إذ أقيمت الصلاة في يوم السبت في التاسعة صباحا.

وما أن عرفت الشرطة بالأمر، أرسلت قائدها إلى الناس، فجلس معهم ودعاهم إلى الهدوء، فكان له ذلك، بعد القيام بمظاهرة سلمية جابت الشوارع إلى دار الحكومة لتقديم الاحتجاج على اعتداء اليهود على المقدسات الإسلامية. وخلال المظاهرة حدثت بعض المناوشات بسبب حجر رمى به يهودي أحد المتظاهرين، فحصلت جلبة جعلت بعض الصبيان يرشقون بيوت اليهود بالحجارة، ولكن العقلاء أوقفوا هذا، وذهب الجميع إلى بيوتهم بدون أحداث تذكر.

أضربت المدينة بعدها لمدة ثلاثة أيّام، ثم عادت الحركة التجارية إلى العمل يومي الأربعاء والخميس، مع الاهتمام بعدم اختلاط العرب باليهود.

في الساعة السادسة من يوم الخميس، كان ولدان من العرب يلعبان في مخزن تابع لعائلة عربية قرب حي اليهود. خرج أحد اليهود إلى شرفة منزله، وصاح بالأولاد وشتمهم وطالبهم بالابتعاد من المكان، ولما شتماه أطلق النار في الهواء فذعرا وفرا هاربين. ولكن إطلاق الرصاص من هذا المكان القريب من الحي العربي جعل اليهود يظنون ان العرب يطلقون النار عليهم، وحضروا أسلحتهم النارية، ولما جاء العرب إلى المكان لمعرفة سبب إطلاق النار، خاف اليهود وصاروا يطلقون النار بكثافة من نوافذهم وسطوح منازلهم، فرد العرب برشق الحجارة الكثيف. ويقال إن الرصاص اليهودي أصاب مخزنا للغاز، مما أدى إلى حريق كبير أودى ببعض الدور والحوانيت التجارية لليهود والعرب على حد سواء.

خلال ساعة أو أكثر، استطاع العرب أن يردوا جماهيرهم إلى بيوتهم، ولَم يبق عربي واحد في الأحياء اليهودية. بيان الحكومة الرسمي الصادر بعد الأحداث يؤكد أن الاضطرابات ابتدأت في الساعة السادسة والربع مساء، وانتهت الساعة الثامنة والنصف وخمس دقائق، ما يؤكد الرواية أعلاه.

بعد هذه الأحداث التي قتل فيها ١٤ يهوديا وبعض العرب، صارت الشرطة تلقي القبض على العرب فقط، ويقال إن أوامر الاعتقال كانت تصدر من جماعات اليهود التي تجتمع في بنك "أنجلو فلسطين"، مع مفتش شرطة يهودي لترتيب الدعاوى ضد العرب.

قصص عن شهامة العرب في الأحداث

القصة الأولى: يقال إنه أثناء الثورة، قام عربي من بيت لحم، بإيواء ثلاثة وعشرين يهوديا في بيته، وأنقذهم من الموت ولَم يسلمهم قط، وبعد انتهاء الثورة وعندما أصبحوا أمناء على أرواحهم، أعادهم الرجل إلى أماكنهم الأصلية، فقام أحدهم بالتعلق بالعربي، وتقبيله قائلا: أنت كنت سبب خلاصنا، وأنا لن أنسى لك هذا الجميل إلى الأبد. ما يجدر ذكره هنا، أن العربي أطعمهم وأسقاهم طوال هذه المدة على حسابه الخاص.

القصة الثانية: جمعت امرأة في الخليل واحدا وعشرين يهوديا في بيتها، ووضعتهم تحت حمايتها، وحتى تشعرهم بالأمان والطمأنينة وضعت ابنتها عندهم، وقالت لهم: "اخنقوا ابنتي إذا حل بكم مني شر". قالت هذا وأغلقت الباب وجلست في ساحة بيتها، فلم يمض إلا قليل من الوقت إلا وحضر عدد من العرب، وصاروا يصيحون: نريد اليهود، نريد اليهود. وقفت المرأة أمامهم وقالت: اذهبوا للبحث عن اليهود في أحيائهم، هنا لن تجدوا أحدا منهم، وآنا سآتي معكم لأمزقهم بأسناني، فانفض الشباب بعد سماعهم هذا، وبقي اليهود عندها حتى نهاية الأحداث.

القصة الثالثة: وحصلت أيضا في الخليل، إذ قام يهودي بالذهاب إلى رجل مسلم يعرفه، واستأمنه على ثلاثة آلاف جنيه، يخبئها عنده حتى نهاية الثورة. وفِي خضم الأحداث، وعندما قامت الشرطة بجمع اليهود في مكان واحد، ذهب الخليلي إلى اليهودي، حاملا المبلغ معه لإعادته اليه، إلا أن اليهودي طلب منه أن يبقي المبلغ معه حتى نهاية الأحداث، وهذا ما حصل فعلا، رغم انتقال اليهودي إلى القدس.

ما بعد أحداث ثورة البراق

هدأت الأحوال تماما بعد منتصف شهر أيلول/سبتمبر، وترك اليهود بعدها الخليل نهائيا، وقل عددهم في صفد من تسعة آلاف إلى ألفين فقط، وتدمرت عدة مستعمرات صهيونية، ولكن ذلك كان خطوة إلى الوراء من أجل التقدم مجددا نحو مشروعهم الاستعماري، حيث استطاعت الحركة الصهيونية وبريطانيا توظيف ما حصل في صالح بني صهيون، فصارت بريطانيا تغض النظر عن تسلح اليهود المتسارع، وصفقات الأسلحة القادمة من وراء البحار، وعن العصابات الصهيونية المدربة التي أصبحت تقوى شيئا فشيئا بدعوى الدفاع عن نفسها، أي عن اليهود الصهاينة.

وزادت بريطانيا من دعمها المادي للصهاينة وشركاتهم الاقتصادية، وكثرت هجرة اليهود إلى البلاد، إذ أعلن حاييم وايزمان في خطاب له في لندن، عن ضرورة إرسال ألف يهودي إلى فلسطين، مقابل كل يهودي سقط مقتولا في الأحداث، ولكن فعليا كانت الأرقام أعلى من هذا بكثير.

وقامت بريطانيا والصهيونية بتشويه صورة العرب، وإظهارهم كأنهم سفاكو دماء، متعطشون للقتل والبطش باليهود "الوديعين المسالمين". وهكذا عملت الماكنة الدعائية الغربية ضد العرب، مما قوى ودعم الحركة الصهيونية ومشروعها الاستعماري في أرض فلسطين.

أما العرب فواجهوا الأحكام العرفية، وحديد ونار بريطانيا العظمى، التي فرضت الغرامات الباهظة، وهدمت البيوت، واعتقلت أكثر من ألف فلسطيني، وحكم على الكثير منهم بالسجن فترات مختلفة، وعلى أكثر من عشرين شخصا بالإعدام، ثم ألغت حكم الإعدام إلا على ثلاثة وهم: محمد جمجوم وعطا الزير وفؤاد حجازي، والذين نفذ بهم حكم الإعدام، إرضاء لليهود، في السابع عشر من حزيران/ يونيو عام ١٩٣٠، وسأأتي على ذكرهم في حلقة قادمة بالتفصيل، لأنهم يستحقون ذلك، حيث كانوا أول من حصل على شرف الشهادة على مشنقة بريطانيا في فلسطين، عليهم وعلى شهداء هبة البراق الرحمة والسكينة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018