احتواء وإقصاء...

احتواء وإقصاء...

رامي منصور

"إن إسرائيل تحاول إقصاء المواطنين العرب"... و"إن هدفنا هو الاندماج في المجتمع الإسرائيلي وتحصيل حقوقنا التي هي ليست منة من أحد".

جملتان تكمل إحداهما الأخرى. إسرائيل تريد إقصاء العرب ولكنهم يريدون الاندماج بها. ظاهريا يبدو هذا التسلسل المنطقي معقولا، لكنه في الحقيقة ينطوي على إساءة في الفهم وعطب في المنطق، كون ثنائية الاحتواء – الإقصاء ليست على هذه الدرجة من البساطة أو التضاد التكاملي، وسنبيّن أنّ ما يظهر على أنه إقصاء هو أصلا ليس كذلك، بل هو احتواء، وما يبدو على أنه احتواء هو أصلا ليس كذلك.

انقسمت العديد من المشاريع النقدية في الغرب حول هذه الثنائية. إذ اعتبرت الأولى التي تميل إلى فكرة الاحتواء، أن الحضارة الغربية الحديثة، وتحديدا في القرن العشرين، مبنية على فكرة الاحتواء، بحيث أن عمادها هو عقلانية العلوم الطبيعية التي تسعى إلى برهان حقيقة واحدة ومؤكدة، ورفض وجود أكثر من حقيقة، وفي الوقت نفسه احتواء أي صوت يتمرد على هذه العقلانية التي وصفت بالأداتية، أي أنها ليست عقلانية قيمية وإنما عقلانية تقنية هدفها تطابق الأدوات مع الأهداف، ولذلك فهي تستوعب كل عثرة في طريقها نحو تحقيق هذا التطابق، فإذا كانت الفلسفة أو الدين مثلا عائقا أمام تشكل هذه العقلانية المفترضة، فلا يكون التعامل معها من خلال الإقصاء والإلغاء وإنما بالاحتواء والتطويع.

وفكرة العقلانية الاحتوائية هنا لا تتوقف عند حدود العلوم الطبيعية، بل تجذرت في السياسة الغربية والعلوم الاجتماعية والإنسانية وفي الثقافة، حتى صارت المعيار لكل شيء. في الثقافة، مثلا، فإن كل محاولة لتأسيس ثقافة أصيلة ومستقلة عن تلك البيضاء المتعالية و"المعقلنة" يتم فعل الاحتواء فورا. مثال على ذلك الثقافة الموسيقية السوداء في الولايات المتحدة، مثل "الراب" التي ظهرت كبديل وتمرد على الثقافة الأميركية البيضاء المهيمنة وضد المؤسسة الرسمية، لكن الأخيرة سرعان ما احتوتها وحولتها إلى فن وثقافة شرعية، ونزعت منها أي بذور لفعل تمردي على المؤسسة أو الثقافة المهيمنة. أي أن احتواءها وشرعنتها هدف إلى قمعها جوهريا.

وهذا الاحتواء هو الذي ساهم بشكل كبير في ظهور أنظمة فاشية ونازية في قلب الحضارة الغربية في أوروبا بنظر مفكرين ماركسيين نقديين، لأن الثقافة الغربية وعقلانيتها الأداتية أفرغت الثقافة والحياة عموما من أي إمكانية للتمرد أو النقد، وحولت الإنسان فيها إلى إنسان ذي بعد واحد، أي أنها قمعت أي إمكانية لظهور عقلانية وعقلانية مضادة تنتج عقلانية متوازنة غير أداتية، وتصبح فيها العقلانية ليس تطابق الأدوات مع الغايات، بل تطابق الأهداف والأدوات مع القيم، وتبدأ بسؤال ما الغاية وما مدى أخلاقيتها.

في المقابل، جرى طرح الإقصاء كمكون مركزي للحضارة الغربية على نقيض من مركزية فكرة الاحتواء. وكان ميشيل فوكو قد خصص سنوات عمره في بناء مشروع فلسفي يؤكد مركزية فكرة الإقصاء والنبذ في العصر الغربي الحديث من خلال مؤلفاته عن الجنون وولادة الإكلينيكة وغيرها. لكن طالبه جاك دريدا كاد أن يصيب مشروع أستاذه فوكو بمقلته، بعدما استحضر فوكو برهان ديكارت لوجود "الأنا"، ليثبت أن الفكر الغربي الحديث الذي تعود جذوره إلى ديكارت مبني على فكرة الإقصاء، لأن ديكارت أساسا في عملية برهانه للأنا تجاهل الأنا المجنون، وأقصاه من منهج برهانه. لكن دريدا، وبجرأة كبيرة ونقد لئيم إن جاز التعبير، يوضح لأستاذه بأنه فهم البرهان الديكارتي بشكل معكوس، وأن ديكارت أخذ بالحسبان إمكانية الجنون والحلم بل احتواها في برهانه من خلال الملاك الشرير - المضلل. لذا بحسب دريدا فإن الاحتواء هو الأساس وليس الإقصاء كما ادعى فوكو. وهذا النقد كان له وقع كبير أدى لقطيعة سنوات بين الإثنين.

وهذا على ما يبدو السبب بأن وقف مفكرو ألمانيا النقديون من هوركهايمر حتى ماركوزه عاجزين عن تصور حلول للخروج من هيمنة الاحتواء على الثقافة الأوروبية المعاصرة، بعدما قدموا تحليلا عميقا للواقع الغربي في القرون الأخيرة منذ التنوير، وتساءلوا لماذا لم يحقق الوعي الطبقي المتوقع منه بمرحلة الحربين العالميتين. وإذا كانت هذه الثقافة تحتوي وتبتلع كل نقيض لها، فأي قوى مضادة بمقدورها تحديها وإيقافها. لم يقدم أحد منهم إجابة واضحة لأن قوى المعارضة كلها جرت السيطرة عليها وتطويعها، وبنهاية المطاف عوّل ماركوزه على انتصار التكنولوجيا وقدرة جماعات المنبوذين على تشكيل قوة معارضة للنظام القائم.

منطقيا وعمليا تبدو فكرة مركزية الاحتواء أكثر إقناعا من فكرة مركزية الإقصاء، لأن الاحتواء لا يعني الاستيعاب الإيجابي، بل الاستيعاب من أجل التذويب والتطويع والإخضاع غير العنيف؛ والإقصاء لا يعني بالضرورة القتل أو الإبعاد، بل النفي بمعنى نزع أي شرعية عن المنفي أو لفظه لسببين، إما لعدم القدرة على إخضاعه بقوة أو لعدم أهليته للإخضاع لأنه ليس نداً أو لا يستحق حتى هذا الإخضاع. وقد حاول مفكرون كبار مثل حنا أرندت وفوكو (يبدو أنه مال لاحقاً لفكرة الاحتواء بعد أن أرخ لعملية الإقصاء) وجورجيو أغامبين تحليل فكرة الاحتواء والإخضاع من خلال مصطلحين هما الشمولية والبيوسياسة، رغم أن الاحتواء والإخضاع ليست محصورة في أنظمة شمولية. فالأنظمة الرأسمالية الديمقراطية قائمة أيضا على فكرة الاحتواء من خلال تقعير المواطنين فيها وإلغاء التمايز بين الأفكار وفي الثقافة.

التمايز

والاحتواء يتحول إلى الإقصاء بعدما يتبيّن أن المقصي غير قابل للتمايز من خلال الاحتواء، لأن كافة المجالات في المجتمعات الغربية مبينة على تمايز بحسب د. عزمي بشارة في مؤلفه "الدين والعلمانية في سياق تاريخي"، إذ يخلص إلى أن "التمايز في مجالات الحياة الاجتماعية والفكرية هو القاعدة في المجتمع الحديث، وكل تمايز في عناصر ظاهرة كانت تشكل وحدة واحدة يعود وينتج وحدة جديدة أكثر تركيبا في هذه الدنيا".

وبالإمكان تفحص فكرة التمايز وثنائية الاحتواء والإقصاء من خلال ثنائية الدين والعلمانية. إذ كتب بشارة أنه "في حالة الفصل بين الدين وبقية المجالات، ترافق عملية الفصل هذه حين تمس الممارسة الإنسانية توترات وتوق إلى الوحدة من جديد، لأن تجربة المقدس جزء لا يتجزأ من هذه الممارسة. التمايز هنا تنافر، ثم جذب بين ما تنافر، لأن عنصر المقدس يبقى قائما في الدين وما انفصل عنه، لأنه يبقى قائما في الإنسان".

والتمايز هنا لا يعني إلغاء أو إقصاء العلمانية للدين في المجتمعات الحديثة مثلا، بل يعني احتواءه من خلال إعادة تعريف دوره في المجتمع والسياسة. فتراجع الدين في السياسة الحديثة لا يعني إقصاء الدين والمتدنيين، بل إعادة تعريف وظيفة الدين والمؤسسات الدينية.

إذن، يمكن الاستنتاج أن مركزية فكرة الاحتواء هي أعمق وأعقد من مجرد الحديث عن منظومات ضبط وسيطرة أو هيمنة. إنها أكثر جوهرية ورسوخا وأقل حضورا، لأن منظومة الهيمنة قد تأخذ شكل قوانين أو قوة عسكرية أو حكم شمولي فظ أو قوانين اقتصادية. لكن الاحتواء أكثر عمقا ويأخذ أشكالا غير مرئية تتغلغل في الفكر والأكاديميا والثقافة والصناعة والعلوم.

عجز مفهومي

وعودة على بدء، إلى حالة الفلسطينيين في إسرائيل وتكرار استخدام مصطلحات مثل اندماج/ احتواء أو إقصاء. وفي هذا المضمار، في أرشيف موقع "عرب ٤٨" مقالة لنبيل الصالح منذ سنوات عديدة عن موضوع الإقصاء التي تجوز تسميتها "في مديح فضائل الإقصاء"، التي يتناول فيها مفهوم الإقصاء والاندماج، ليؤكد على إيجابية الإقصاء والإقصاء الذاتي في سياق نضال المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.

وفكرة المقالة لا تزال صالحة حتى يومنا من الناحية السياسية، خصوصاً في ما يتعلق بـ"العجز المفهومي" بإطلاق واستخدام المصطلحات السياسية سواءً من قبل السياسيين أو النشطاء أو الصحافيين، تماما مثل الاستخدام المبتذل لمصطلحات مثل الحرية والعدالة والمساواة، إذ أن العجز المفهومي في هذه الحالة يقود حتما إلى عجز في الممارسة والتطبيق، والعجز في الممارسة هو في الواقع ليس إلا سياسة عاجزة، لذلك تبدو السياسة بلا فوارق جوهرية بين أطرافها ولا يحصل التمايز.

وسيكون من المجدي تتبع تجربة التجمع الوطني الديمقراطي مثلا لما لديه من "فضائل الإقصاء" التي يوردها الصالح، إذ أنه على الرغم من خطابه الإقصائي غير الاندماجي في السياسة والمجتمع الإسرائيليين، إلا أنه لم يتم إقصاؤه كلية وإنما تجري محاولات احتوائه وإخضاعه لآلية التمايز، ويبدو أنه بسبب عجزه المفهومي الراهن صار أقرب إلى الاحتواء ولكن دون قبول تام (وتجربة تقديم قانون مشروع دولة كل مواطنيها مؤخراً مؤشر لافت إلى العجز المفهومي الذي حوّل فكرة دولة المواطنين من تحد جوهري للاحتواء ومشروع تمايز إلى حملة علاقات عامة أداتية ويمكن احتواؤها) ، تماما كما سبقه إلى ماكينة الاحتواء مشاريع سياسية ليس آخرها الحزب الشيوعي والجبهة.

على أية حال، العجز المفهومي في سياستنا وثقافتنا هو المشكلة، واستسهال استخدام مصطلحات من اندماج وإقصاء من جهة، وكولونيالية وإحلالية من جهة ثانية، واستعمار داخلي واستعمار خارجي، من جهة ثالثة، لا يدل على ارتقاء في مستوى الفكر السياسي أو راديكالية في الموقف من إسرائيل، بل ربما هو رقص وفق الإيقاع الإسرائيلي حتى لو بدا وكأنه رقص متحد ورافض.

ولا أنسب من هذه الكلمات للختام: قصب هياكلنا وعروشنا قصب...

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018