المحامي جبارين: أبعاد "قانون القومية" على مستقبل الدولتين وإمكانيات مواجهته وتغيير الخطاب

المحامي جبارين: أبعاد "قانون القومية" على مستقبل الدولتين وإمكانيات مواجهته وتغيير الخطاب
جبارين: هذه فرصة جديدة لنا لتعريف النظام الإسرائيلي وفقاً لقوانينه وليس وفقاً لممارساته فقط

يقدم مدير مركز "عدالة"، المحامي حسن جبارين، قراءة متأنية لكنها عميقة لتشريع "قانون أساس القومية"، ما يستدعي تحولا مفهوميا في التعامل مع النظام الإسرائيلي على جانبي الخط الأخضر، لأن "قانون أساس القومية" الذي سنّه الكنيست يوم الخميس الماضي، يتيح لنا، كفلسطينيين في كل مكان، إمكانية تقييم النظام الإسرائيلي وفق قوانينه وليس وفق ممارساته فقط، ليصل إلى نتيجة مفادها بأن النظام الإسرائيلي يواجه سؤال الشرعية وفقا للقانون الدولي، بعد هذه التشريعات العنصرية.

وجبارين، ليس من هواة إطلاق التوصيفات والتحليلات السطحية أو المُتسرِّعة للنظام الإسرائيلي، لكنه يؤكد على أن هذا النظام صار يعرف نفسه بحكم تشريعاته الأخيرة على أنه نظام كولونيالي من نوع الأبرتهايد، لا سيّما وأنه يحصر الحقوق القومية والجماعية في فلسطين كلها على الشعب اليهودي. ويتجنب جبارين الخوض بتفاصيل الأبعاد السياسية لهذه التشريعات، لكنه يقدم تحليلا قانونيا من شأنه أن يحدّد وجهة الخطاب السياسي والنضالي للفلسطينيين عموما، ويطرح تساؤلات عن مستقبل حل الدولتين، والحاجة لتغيير الخطاب السياسي والقانوني.

· بدايةً، كيف ترى المصادقة على قانون القومية؟ أليس مجرد تشريع لممارسات قائمة منذ النكبة؟

جبارين: صحيح، القانون يؤكد على ممارسات قائمة منذ العام 1948، خاصة تهويد فلسطين بجميع المجالات، من الأرض والمسكن واللغة والثقافة وتسمية الأمكنة بالإضافة لمنع حق العودة وترسيخ فلسطين على أنها "أرض يهودية"، والعديد من البنود في "قانون أساس القومية" هي المبادئ ذاتها التي جاءت في وثيقة الإعلان عن تأسيس إسرائيل في أيار/ مايو 1948.

كما أكّدت المحكمة العليا الإسرائيلية في السابق هذه المبادئ، خصوصا القرارات التي تتعلق بتعريف إسرائيل "يهودية وديمقراطية". مع ذلك، قوننة هذه المبادئ قد يؤدي إلى ترسيخها أكثر فأكثر، ومنحها شرعية أقوى من أي وقت مضى، والمحاولة الدؤوبة لتطبيقها بواسطة السلطة التنفيذية والقضائية وكل ما له صلة بالبيروقراطية الإسرائيلية، التي سترى الآن بأن واجبها القانوني هو بأن تعمل على تطبيق هذه المبادئ، وكله باسم سلطة القانون.

بمعنى آخر، إذا كان التطبيق في السابق باسم الرؤية السياسية للحركة الصهيونية، الآن يجري ذلك باسم سلطة القانون، وكأنها سلطة ديمقراطية بمفهوم "سلطة الأغلبية"، أي أن القانون يحظى بأغلبية برلمانية.

لذلك، نحن نرى القانون على أنه تصعيد للممارسات ضدنا كمواطنين، وأيضا ضد أبناء شعبنا.

· ما هي العلاقة بين كوننا مواطنين في إسرائيل وباقي أبناء شعبنا بخصوص هذا القانون؟ هل توضح هذه العلاقة؟

جبارين: القانون يخص شعبنا الفلسطيني قاطبةً قبل أن يخصنا كمواطنين فلسطينيين في دولة إسرائيل، للأسباب التالية:

أولاً، هذا القانون يؤكد من جديد وفي قانون أساس، أن القدس والجولان السوري اللذين يعتبران محتلين وفق القانون الدولي، جزء لا يتجزأ من إسرائيل ويخضعها للهوية الدستورية لدولة إسرائيل كونها دولة يهودية ولليهود فقط.

ثانيًا، هذا القانون ينفي بشكل واضح ومباشر حق العودة للاجئين الفلسطينيين، لكون الدولة وفق القانون ذاته تحقق حق تقرير المصير لليهود فقط، والهجرة والمواطنة فيها تحدد وفق قانون العودة لإسرائيل.

ثالثًا وهو الأهم، أن هذا القانون أصلا ينفي مبدأ حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني في أي قطاع في فلسطين، لكونه يشدّد، من جديد، على أنّ فلسطين هي "أرض إسرائيل" وهي الوطن للشعب اليهودي، وفقط له حق تقرير المصير فيها.

· إذا، كيف يؤثر ذلك على مستقبل الدولة الفلسطينية في أراضي 1967؟

جبارين: وفقا لنفي مبدأ حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني في ما تسميه "أرض إسرائيل" حسب البند الأول لـ"قانون أساس القومية"، قد تكون هناك إمكانية لمنح حقوق معينة في الضفة الغربية المحتلة مثلا، لأبناء شعبنا هناك، لكن هذه الحقوق من الصعب أن تصل لدرجة حق تقرير المصير. بمعنى آخر، هذا القانون بمقدوره وفق تفسيرات معينة، أن يعطي حقوقا فردية للفلسطينيين في الضفة المحتلة، لكونها لا تعتبر بشكل واضح على أنها جزء من دولة إسرائيل، لكن هي تبقى بنظره جزءًا من "أرض إسرائيل"، التي ليس للشعب الفلسطيني الحق لتقرير مصيره فيها، أي بمعنى إقامة دولته فيها. هذا وفق "قانون أساس القومية".

لذا، أوسع تفسير وتحليل ليبرالي ومنفتح لهذا القانون، سوف يؤدي بأحسن الحالات إلى إعطاء حكم ذاتي (أوتونوميا) لسكان الضفة الغربية، لكن المستوطنين اليهود فقط، هم من يحققون في تواجدهم في الضفة حق تقرير المصير، والتي وفق القانون "أرض إسرائيل" كلها، أي فلسطين كلها، هي وطن لليهود.

· لكن رغم ذلك، هل سيؤثر القانون على حياتنا اليومية خلافا للسابق، أم إنه سيبقى قانونا "تصريحيا" وليس إجرائيا أو عمليا؟

جبارين: إضافة لما ذكرت سابقا بأنه يشرعن ممارسات سابقة، إلا أن القانون يحمل تجديدًا من وجهة النظر القانونية، تحديدا البند 7، الذي يقول إن على دولة إسرائيل تشجيع الاستيطان اليهودي بما يشمل العمل على ترسيخه وتطويره ودعمه.

هذا يعني أنه إذا كان هناك إنجاز قضائي أو قانوني في السابق مثل قضية عائلة قعدان، التي رفضت المحكمة العليا فيها مبدأ توسيع الاستيطان اليهودي أو تشجيعه كذريعة للإقصاء والتمييز ضد العرب، وقالت إن توزيع الأراضي والتخطيط داخل الخط الأخضر يجب أن يكون وفقا لمبدأ المساواة، رغم أن هذا التجديد في قرار العليا اعتُبر سابقة، لكنه لم يُطبَّق على أرض الواقع ولم تحترمه حكومات إسرائيل، والدليل على ذلك، هي قضية تهجير قرية أم الحيران في النقب.

مع ذلك، فإن البند 7 في "قانون أساس القومية" سيؤدي إلى تغيير الوضع القانوني وشرعنة مبدأ توزيع الأراضي والتخطيط لها، إلى ما قبل قرار المحكمة بقضية قعدان وبشكل جهري وفعلي.

من هذا المنظور، أولا، بالإمكان اليوم أن يحصل تمييز واضح بين ميزانيات السلطات المحلية العربية واليهودية، على الأقل وفق البند 7، وبادعاء أن السلطات اليهودية بطبيعة الأمور تستوعب الهجرة اليهودية، وبسبب وضعيتها وفقا لمبدأ تشجيع الاستيطان اليهودي لا تستطيع أن تكون متساوية مع السلطات المحلية العربية. هذا مثال واحد لأبعاد القانون على الصعيد الجماعي.

نتنياهو وأعضاء الكنيست من الليكود بعد التصويت على "قانون القومية"، الخميس (أ ب )

ثانيا، هذا البند سوف يؤدي إلى تمييز على الصعيد الفردي، بادعاء أنه يجوز إعطاء امتيازات اقتصادية للفرد اليهودي من أجل تشجيعه للسكن في الجليل والنقب وفقا لمبدأ الاستيطان.

وثالثا، وهو الأخطر بتقديري، أنه يستطيع منح المصداقية لمشروع قانون برافر، الذي يهدف لتهجير الفلسطينيين البدو من التجمعات السكانية غير المعترف بها في النقب، إلى بلدات عربية معترف بها. وسيكون ذلك وفق القانون شرعيا من أجل تهويد النقب وفقا للبند 7.

· إذا، هل تفكرون في تحدي القانون قضائيا، على الأقل البند 7، من خلال التوجه للمحكمة العليا؟

جبارين: نعم، لأن هذا البند تحديدا سوف يؤثر كما بيّنت، على أمور تخص حقوقنا في الأرض والمسكن والميزانيات. لا نستطيع في هذه الحالة أن نترك هذا الأمر من دون تحد قضائي، وطرق أي باب من أجل أن نقول إنه باطل وعنصري.

· لكن ألا يعتبر ذلك بمثابة تشريع آخر للقانون، لكونكم تركزون على هذا البند تحديدا وليس على القانون بكل بنوده؟

جبارين: هذا السؤال هو مربط الفرس. طرحنا في "عدالة" خلال الأسابيع الثلاثة الماضية هذه التساؤلات، وتساءلنا إذا ما توجهنا فعلا للمحكمة العليا ضد البند 7 من القانون، هل سيُفهم ذلك وكأننا نقبل باقي البنود. وفي نقاشنا الداخلي توصلنا إلى نتيجة مفادها بأن تحدي هذا البند، غير مفروغ منه، وعلينا أن نتحداه قضائيا، وأن مسألة الشرعنة سنتخطاها بسهولة للأسباب التالية:

أولا، موقف مركز "عدالة" واضح جدا منذ تأسيسه، وهو يرفض جهرا أي تعريف من قريب أو بعيد لإسرائيل كدولة يهودية، ولقد أكدنا ذلك في الوثائق أو التصورات المستقبلية؛

ثانيا، أصدرنا مؤخرا ورقة موقف واضحة جداً من "قانون أساس القومية"، وفصلنا بأنه قانون كولونيالي من نوع الأبارتهايد، خصوصا البند الذي ينص على أن حق تقرير المصير في فلسطين محصور باليهود فقط. وأكدنا على حق تقرير مصير شعبنا كمبدأ أساسي؛

ثالثا، اتفقنا على أننا سنشرح بالالتماس الذي نعتزم تقديمه، لماذا جميع بنود القانون كلها عنصرية، قبل أن نخوض بالتفصيل بعنصرية البند 7 تحديدا. سنؤكد أن جميع بنود القانون، من دون استثناء، كلها عنصرية وغير شرعية.

لذا لا توجد لدينا مخاوف من تقديم التماس ضد البند 7، وبرأينا لا يوجد في المحكمة العليا قاض أو قاضية لا يعرف موقف "عدالة" أو لجنة المتابعة العليا أو القائمة المشتركة أو لجنة الرؤساء القطرية الرافض لتعريف إسرائيل كدولة يهودية.

مع طاقم الدفاع عن المعتقلين في مظاهرة حيفا الأخيرة إسناداً لغزة، محكمة الصلح في حيفا، حزيران/ يوينو 2018

· إذا، لماذا لا تتحدون كل بنود القانون قضائيا؟

جبارين: لا نتحدى كل البنود فقط من منطلق تكتيكات قانونية، التي يعرفها كل محامي أو محامية جديين، وعليهم أخذها بعين الاعتبار. إذا قدمنا التماسا ضد كل بنود القانون، ستجد المحكمة العليا فرصة من جديد لكي تؤكد على شرعية هذا القانون بنظرها، كونها أكدت في السابق على مبدأ "يهودية الدولة". نحن لا نريد أن نعطيها هذه الفرصة.

أما بالنسبة للبند 7، سيكون من الصعب عليها أن تمنحه الشرعية أو المصداقية، خصوصا وأنه يتناقض مع قرارها بقضية قعدان وقضايا أخرى. من هذا المنطلق، الذي يجبر المحامي أو المحامية على فحص توجهه وفقا لمعيار الربح والخسارة قضائيا كمعيار مركزي لكنه ليس الوحيد أو الحصري. سنلتمس ضد البند 7 تحديدا، مع تأكيدنا في الالتماس بأننا ضد كل بنود القانون، وسنرفق للالتماس ورقة الموقف التي أصدرناها مؤخرا.

· ما توقعاتكم من المحكمة العليا؟ هل تقبل الالتماس؟

جبارين: فحصنا عدة إمكانيات، منها خسارة الملف، الفوز أو الربح، أو الإمكانية الثالثة بأن تقدم المحكمة تفسيرا للبند 7 يقول إنه لا يعطي للحكومة إمكانية تطبيقه، أي أنه تصريحي فقط وليس عمليا.

بعد موازنة كل هذه الإمكانيات، ودعنا رجاءً لا نخوض بالتفصيل أكثر لمصلحة القضية، قررنا التحضير للالتماس فعلا، والأمر الذي حسم الموقف هو أنه إذا لم نواجه القانون ببنده السابع الآن، ونقول لهيئة القضاة الموسعة في المحكمة العليا بما في ذلك لرئيسة المحكمة، إن هذا البند هو عنصري كولونيالي أبارتهايدي، فإننا سوف ندفع الثمن غاليا في قضايانا العالقة أمام المحكمة العليا، والتي تخص قضايا الأرض والتخطيط، وفي مقدمتها الالتماس ضد قانون "التسوية" في الضفة المحتلة، وتوسيع الاستيطان هناك. هذا بالإضافة إلى إمكانية عودة مخطط وقانون برافر لتهجير المواطنين الفلسطينيين في التجمعات غير المعترف بها في النقب، عدا، وهذا أمر مهم، شرعنة التمييز بين السلطات المحلية العربية واليهودية.

جبارين والمحامية سهاد بشارة من مركز "عدالة" خلال بحث الالتماس في المحكمة العليا ضد قانون التسوية، حزيران/ يونيو 2018

· أخيرا، ماذا يعكس القانون عن التحولات الحاصلة في إسرائيل دستوريا؟ هل تحوَّل إلى نظام فاشي أم أبعد من ذلك، إلى نظام كولونيالي، ومحاولة لحسم الصراع في فلسطين من خلال تشريعات عنصرية؟

جبارين، صحيح، كما ذكرت في السابق بأن القانون يؤكد ممارسات سابقة منذ 1948، لكنها الآن أصبحت مكتوبة ومخطوطة في قانون لا يُعتبر عاديا بل هو قانون أساس، الذي يحدد طبيعة النظام الدستوري لدولة إسرائيل ويعبر عن هويتها الدستورية. لذا، عمليا، هو قانون القوانين.

بناء على ذلك، برأيي هذه فرصة جديدة لنا لتعريف النظام الإسرائيلي وفقا لقوانينه وليس فقط وفقا لممارساته، سواءً في الداخل أو في الأراضي المحتلة عام 1967. وكما فصلنا في ورقة الموقف الأخيرة، فإن هذا القانون يشرح جيدا لماذا النظام الإسرائيلي هو نظام كولونيالي من نوع الأبرتهايد، الذي يتناقض مع العهد الدولي بخصوص مكافحة الأبرتهايد واعتبارها جريمة ضد الإنسانية.

لذا، بتقديرنا في "عدالة" هو أنه يجب تغيير خطابنا القانوني داخل الخط الأخضر وفي الأراضي المحتلة عام 1967. علينا جميعا تغيير الخطاب وتحليله للنظام الإسرائيلي، والقول بشكل واضح إن هذا النظام هو نظام كولونيالي من نوع الأبرتهايد وليس نظاما ديمقراطيا منقوصا أو ديمقراطية إثنية لليهود فقط، بل هو استعماري كولونيالي في كل أماكن تواجده.

للتذكير فقط، إن الخطاب الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية تبنى مقولة إن إسرائيل هي دولة ديمقراطية لكنها محتلة في المناطق التي سيطرت عليها في العام 1967. على هذا الخطاب أن يتبدل، ولدينا أكاديميون ونشطاء في الداخل لديهم قدرات مهنية عالية جدا ومنطلقات وطنية متلزمة جدا، لكنهم يستمرون بوصف النظام الإسرائيلي على أنه غير ديمقراطي أو ديمقراطي معطوب أو منقوص أو مشلول، وعليه أن يحسن نفسه وفق مبدأ المساواة بين المواطنين.

بتقديرنا اليوم في "عدالة"، أن هذا الخطاب الأكاديمي والسياسي عليه أن يتبدل، ويقول إن النظام الإسرائيلي داخل الخط الأخضر وخارجه، هو نظام كولونيالي. وبالطبع تعريف النظام بأنه كولونيالي أو ديمقراطية منقوصة له تداعيات مختلفة، وهذا ليس فرقا لغويا أو تمييزا بالتسمية، بل له أبعاد قانونية وسياسية مختلفة.

من هذا المنطلق، بمقدورنا أن نقول بصراحة في أوراقنا وتوجهاتنا للمؤسسات الدولية، إن هذا النظام يتناقض مع القانون الدولي بشكل واضح، إلى درجة أن هناك سؤالا جديا حول شرعية هذا النظام. نظام ديمقراطي منقوص هو نظام شرعي، بينما نظام كولونيالي وفقا للقانون الدولي، هو نظام يُعاني بشكل جديّ من شرعيته كنظام.