نساء النقب في سوق العمل: عقبات وآفاق

نساء النقب في سوق العمل: عقبات وآفاق

لا تفارق الأعباء اليومية وضغوطات الحياة العائلة العربية في النقب، بفعل الفقر المدقع والأزمات الخانقة والتضييقات المتلاحقة.

وتعيش العائلة العربية تحت تهديد هدم المنازل، والضائقة السكنية والملاحقة السياسة، كما تبرز البطالة بين النساء كسبب أساسي في الواقع الحياتي الصعب ومواجهة التحديات.

لا مكان للنساء!

ويُستدل من المعطيات والإحصائيات في العام الماضي 2017 أن 70% من أطفال النقب فقراء.

وتسجل البطالة نسبًا عالية في النقب وفق الإحصائيات الإسرائيلية، وبحسب الدائرة المركزية للإحصاء للعام 2017 فإن نسبة البطالة وسط النساء في النقب تنذر بواقع خطير تؤثر على مستقبل العائلة العربية وتطورها.

وأشارت المعطيات إلى أن نسبة العاملين من الرجال في النقب 60% في حين بلغت النسبة في المجتمع العربي 76%، وفي المقابل فإن نسبة النساء العربيات العاملات من القرى المعترف بها 22% فقط وبين النساء العربيات في البلاد 32% فقط. وفي حين لا تقوم السلطات الإسرائيلية بإجراء إحصاء في القرى مسلوبة الاعتراف، التي يعتقد أن نسبة البطالة فيها أعلى، فقد تبين من دراسة أجراها مركز "سدرة" بالنقب في العام 2015 أن نسبة النساء العاملات في القرى مسلوبة الاعتراف وقرى المجلسين الإقليمين القيصوم وأبو بسمة تقارب 5% فقط!

فرص عمل محدودة

وقالت الناشطة النسوية والاجتماعية، حنان الصانع، لـ"عرب 48" إن "نسبة البطالة بين النساء في القرى مسلوبة الاعتراف بالنقب، وفق إحصاء أجرته 'جمعية سدرة' النسائية في العام 2015 بلغت 95%".

حنان الصانع

وعزت هذه النسبة الصادمة إلى عوامل وأسباب، وقالت إن "هناك العديد من العوامل التي أوصلتنا إلى هذا الواقع السيء للنساء، أولها عملية التمدين والتغيير السريع الذي شهده المجتمع وأثر على تركيبته وتطوره، حيث يعرف المجتمع العربي البدوي ما قبل النكبة بالدور الفاعل للنساء العاملات بأدوار كبيرة في التوفير والتدبير، والمساحة الكبيرة للعمل في مهن منها الزراعة ورعاية المواشي وتوفير الغذاء وحتى التجارة، وبالطبع المهام المنزلية والبدوية التقليدية وغيرها".

وأضافت الصانع أن "فرص العمل المتاحة للنساء محدودة جدا، بسبب المكان الجغرافي للنقب وبعده عن وسط البلاد والإهمال الحكومي وسياسة التهميش ونقص البرامج، إضافة إلى الحواجز الاجتماعية التي تحد من فرص عمل النساء أيضا".

وعن التطور الطبيعي لحيز العمل النسائي، أوضحت أنه "هناك العديد من الشروط الاجتماعية لعمل النساء، منها أن يكون مكان عمل النساء داخل المجتمع وقريبا من المنزل، وهنا لا توفر السلطات هذا الحل للنساء، ولكن صعود نسبة النساء البدويات في الحيز الأكاديمي، بالإضافة إلى عمل مؤسسات العمل المدني خلال التسعينيات ومطلع العام 2000 قد ساعد كثيرا في دفع النساء بقوة إلى سوق العمل، وهو مساهمة في عملية تراكمية للتغيير وبناء المجتمع".

وختمت الصانع بالقول إنه "نعلم جيدا القيمة المضافة للمرأة العاملة والمتعلمة في بناء وتربية الأسرة، ونفخر برؤية تغيير حقيقي في النظرة الاجتماعية للمرأة العاملة حيث تبدلت من الخجل بعمل المرأة في مرحلة معينة إلى الفخر بها وإنجازاتها الأكاديمية وعملها من الزوج والعائلة والمجتمع. وأعتقد أن التغيير مستمر وفي متناول اليد، لأن النساء مستمرات في الإنجاز والمبادرة".

 معركة بقاء

وعن تحليل فرص العمل والوضع القانوني لعمل النساء العربيات في النقب، قالت الحقوقية إنصاف أبو شارب، لـ"عرب 48" إنه "لا أعتقد أن هناك نقلة نوعية في عمل النساء، وبالرغم من كل المساهمات والاندماج في الأكاديمية والدورات التشغيلية إلا أن نسب البطالة ما زالت كما هي منذ سنوات، نسب مخيفة مترسخة في النقب لنساء لا تعمل ولا تحظى بالفرصة لتطوير أنفسها، وإذا استطاعت الخروج للعمل فقد تعمل في ما نسميه بسوق العبيد وهو الأعمال الصعبة، من الزراعة والتنظيف وأعمال دور المسنين والأعمال الشاقة. وهنا أحمل السلطات التي يبدو أنها تعنى بالوضع الدوني للنساء المسؤولية التامة لأنها تحاول تطوير قدرات النساء ولا تشغيلهن".

إنصاف أبو شارب

وأكدت أن "النضال النسائي الاقتصادي هو معركة بقاء. تعي النساء في النقب جيدا أن مخصصات ضمان الدخل لا تكفي لتمكنها من العيش الكريم، لذا تبحث النساء عن الفرص بشكل مستمر وبكل ثمن للتطوير والإنتاج وزيادة الدخل، في مقابل سهولة الوقوع في فخي الأعمال الصعبة والمتعاقدين المؤذيين، وعدم الإلمام بقانون العمل وحقوق العمال، أو عدم القدرة على المطالبة بها، وأنا بإمكاني المشاركة بقصة لامرأة اضطرت للعمل بشكل يومي في مصنع للمواد الكيماوية، وفي بيئة آذتها جسديا ونفسيا بشكل مستمر لأنها المعيل الوحيد لأبنائها، ومثلها الكثير من النساء ليست في مكان تستطيع المطالبة بتحسين ظروف العمل لأنها بحاجة للعمل بكل ثمن وقد تخسره".

وختمت أبو شارب بالقول إن "التمييز في الأجور والتقصير في حقوق العمل يظهران بوضوح أيضا، لأنه لا رقابة جدية لوزارة العمل، ولا موظفين يجبرون المتعاقدين وأصحاب العمل للمنح الحقوق، وحتى شركات التأمين قد تجبر النساء على العمل في أي عمل غير مناسب، وهنا الفجوات كبيرة ومؤذية للنساء. أعتقد أن المفتاح الوحيد للتغيير هو المبادرة النسائية والمشاركة الاقتصادية المنتجة والفعالة".

الخطر الأكبر

وقال الناشط الميداني وخريج موضوع علم الاجتماع، إسلام الصانع، يعمل مديرا لـ"مركز ريان للتشغيل" في قرية اللقية عن التطور في المسارات المهنية للنساء في السنوات الأخيرة إن "هناك حالة في النقب، اليوم، تفيد بتوجه المزيد من النساء والفتيات إلى الحياة الأكاديمية بشكل مستمر وهو شيء جيد، ولكن يجب أن يرتبط بالتفكير المستقبلي لما بعد الأكاديميا، مثلًا الطلب الاجتماعي الضخم على مهنة التدريس للنساء والذي يصطدم بنقص فرص العمل وعدم ملاءمتها بشكل دائم لقدرات وآفاق النساء".

إسلام الصانع

وأوضح الصانع في حديثه لـ"عرب 48" أن "الخطر الأكبر على النساء العاملات حسب اعتقادي هو الارتباط بالمقاولين غير الملتزمين بقانون العمل بسبب الحاجة، وقد تكون النساء عرضة للعمل في أعمال شاقة دون تحصيل حقوقهن الكاملة، والتي في الكثير من الحالات لا تعلمها النساء ولا تقوم بالمطالبة بها ".

وختم الصانع بالقول إن "هناك حاجة لبناء الخطط للتشغيل والتطوير والانخراط الأكاديمي في المواضيع العلمية والبحثية التي توصل للعمل المؤسساتي والمتنوع، الذي يسمح بالتطور الذاتي والإنتاج، بالإضافة إلى التوعية بحقوق العمال للنساء العاملات والعبء هنا على السلطات المحلية ومراكز التشغيل".

الدافع للخروج والعمل

وفي السياق، شاركت العاملة والطالبة في موضوع "إدارة الخدمات الصحية"، تهاني الطوري، تجربتها لـ"عرب 48"، وقالت إن "دراستي اللقب الأول في إدارة الخدمات الصحية في كلية 'رمات غان' وسط البلاد تكلفني مبلغا كبيرا من المال، اضطرني هذا إلى البحث عن عمل يلائم ساعات دراستي وبالفعل وجدت عملا في مدينة بئر السبع ومنذ ذاك الحين استطعت توفير قسطي التعليمي".

وأضافت أنه "وجدت الكثير من الدعم من بيئتي المحيطة بي ومجتمعي الذي يعرفني، وبالرغم من وجود بعض المواقف المؤذية أحيانا، وسماح البعض لأنفسهم بالتدخل واجتياز الحيز الشخصي للفتاة العاملة، إلا أن حجم الدعم أكبر بكثير ويعطي العديد من الفتيات الدافع للخروج والعمل إذا لم تجد الفرص في البلدات. وبالإضافة للدعم الاجتماعي والبيئة المحبة تمنحنا الفرصة كنساء وشابات أن نتغلب على المعيقات في سبيل التقدم والتميز علميا وعمليا".