مقابلة | بروفيسور حسنين: محاربة العنف تبدأ بالبيت ومن الأهل

مقابلة | بروفيسور حسنين: محاربة العنف تبدأ بالبيت ومن الأهل
بروفيسور سهيل حسنين

في ظل استفحال العنف والجريمة وآخرها قتل الشاب فهد القصاصي (29 عاما) من مدينة رهط، أكد المختص في علم الجريمة والعدالة الجنائية، بروفيسور سهيل حسنين، أننا "في فترة تتميز بفقدان القيم وليست أزمة القيم. والفرق بين الأمرين شاسع، فأزمة القيم تعني أن الإنسان أمام خيارين وقد يختار الإمكانية المنطقية والإيجابية. أما فقدان القيم فتعني أنه لمجرد سبب بسيط وسخيف يفقد الإنسان إنسانيته، ويُصبح مجرد آلة تضبطها الغرائز الجياشة".

وقال بروفيسور حسنين، ابن قرية عبلين الجليلية، لـ"عرب 48" إنه "نستطيع الجزم بشأن هذه الظاهرة المتفاقمة فهي عامة ومنتشرة في مجتمعات أخرى، وحتى في المجتمعات الأكثر تقدما في العالم".

وأكد أن "العنف والجريمة ظاهرة موجودة في كل مكان، لأن مجرد وجود مجتمعات متفاوتة الظروف والفرص يخلق نوعا من التعامل مع القضايا بطرق غير شرعية. وبطبيعة الحال هذا الأمر لا يعني القول إن هذه الأمور طبيعية".

"عرب 48": السؤال حول الفترة العصيبة التي نمر بها في هذه الأيام والتي تمثلت بجرائم قتل فظيعة متكررة، هل هذا الأمر طبيعيا في المجتمعات الأخرى؟

حسنين: يقف الإنسان العادي أمام هذه الحالات والمواقف التي تحدث في بلداتنا، ويتساءل مستغربا ماذا يحدث ولماذا؟ ومن المسؤول؟ حالات من العنف والجرائم تحدث بوتيرة واسعة ومتنوعة من ناحية المناطق والأنواع والفاعلين والضحايا. وهذا الأمر هو الذي يحيرنا جميعا. كل فرد يمكن أن يكون مجرما أو يمكن أن يكون ضحية. التصور المحدد الذي كوناه حول من هو المجرم ومن هي الضحية يختفي ليحل محله أن جميع الإمكانيات ممكنة. في لحظة واحدة يصبح الإنسان العادي عنيفا وشريرا ومجرما أو يصبح ضحية من دون أي سبب جوهري يُذكر. بالتالي، من المهم المعرفة أن ما نشهده من جرائم وعنف في مجتمعنا هي أحداث فظيعة لا يتقبلها أي إنسان عاقل ومنطقي، ونستطيع الجزم بشأن السؤال هل الظاهرة المتفاقمة هي عامة ومنتشرة في مجتمعات أخرى؟ بأنه حتى في المجتمعات الأكثر تقدما هي موجودة وبوتيرة متفاقمة. قد يبدو للإنسان أن الجريمة والعنف مرتبطة فقط بالمجتمعات المحافظة أو الفقيرة والمحدودة، ولكن هذا الأمر غير صحيح، فالعنف والجريمة أزمة موجودة في كل مكان لأن مجرد وجود مجتمعات متفاوتة الظروف والفرص يخلق نوعا من التعامل مع القضايا بطرق غير شرعية. وبطبيعة الحال هذا الأمر لا يعني القول إن هذه الأمور طبيعية ويخلقها المجتمع.

"عرب 48": من هو المسؤول، وهل هي قضية قيم اجتماعية تحطمت أم غياب الرادع؟

حسنين: يميل المجتمع عادة للثبات والمحافظة على عاداته وتقاليده بعيدا عن الانحراف، أي أن للتقاليد والعادات والأخلاق دور هام جدا في المحافظة على التوازن داخل هذا المجتمع أو ذاك. من الضرورة المعرفة أن سلوك الإنسان نابع من العلاقة بين الأهداف والأساليب، أي أنه لكل إنسان أهداف منطقية وشرعية أو أهداف غير منطقية من ناحية أولى، وأساليب شرعية أو أساليب غير شرعية من ناحية أخرى. نأخذ مثالا أن الهدف هو ضمان الفوز بالرئاسة في الانتخابات وهذا هدف شرعي، وفي حالة عدم أو استحالة واستطاعة الإنسان الحصول على هذا الهدف فهو يلجأ لأسلوب غير شرعي. عادة لجوء الفرد لسلوك شرعي أو غير شرعي مرتبطة بما يسمى في علم النفس الاجتماعي بالفاعلية الذاتية، أي هل تتوفر علاقة بين ثمن التصرف وبين مردوده. في الحالة التي فيها يقتنع الإنسان أنه يستطيع الحصول على هدفه بأسلوب غير مقبول أخلاقيا وفي نفس الوقت يعرف أن الضرر الذي سيلحقه يكون معدوما، حينها نعرف أن الجريمة والعنف أو أي شكل من الانحراف يصبح مقبولا حتى في الأروقة "المحترمة" في المجتمع. كثير من علماء علم الجريمة ربطوا بين الأهداف والأساليب كعوامل مؤدية لانتشار الانحراف والجريمة وتحدثوا عنها كمرض اجتماعي، أي أنه يتفشى وينتشر بشكل لا نتوقعه من ناحية الفظاعة والشراسة.

"عرب 48": هل ما يحصل في فترة الانتخابات في مجتمعنا، وما يلاحقها من عنف وفساد، هي أمور تحصل في كل مكان؟

حسنين: نعم، ما نلاحظه أن الأصوات أصبحت تُشترى وتُباع بالأموال. المجتمعات أصبحت مستندة على "قيم" تستبيح أرواح الأفراد مقابل حفنة من الأموال والمصالح. العنف والفساد والتحايل والنصب متواجدة في وسط الفئات "الحاكمة" والتي تفكر أنها تستطيع التصرف كيفما تشاء، وهي فوق القانون وفوق أي أنظمة قد تكون رادعة. بالتالي، فالأرواح تُستباح كما تُشترى وتُباع الأفراد. من هنا تستباح أرواح الفتيات والنساء لمجرد أنهن الفئات الضعيفة في المجتمع. بطبيعتنا نحن المجتمع نقوم بتجريم الضحية، بمجرد القول إنها هي السبب في الفعل الإجرامي.

"عرب 48": هل نحن في فترة فقدان القيم والمبادئ؟

حسنين: نحن في فترة تتميز بفقدان القيم وليست أزمة القيم. والفرق بين الأمرين شاسع، فأزمة القيم تعني أن الإنسان أمام خيارين وقد يختار الإمكانية المنطقية والإيجابية. أما فقدان القيم فتعني أنه لمجرد سبب بسيط وسخيف يفقد الإنسان إنسانيته، ويُصبح مجرد آلة تضبطها الغرائز الجياشة، السلبية والكراهية. في هذه الحالات والمواقف يُصبح "خط العنفوان" مرتفعا و"خط التسامح" منخفضا، ولأتفه الأسباب والظروف يتحول الإنسان إلى عنيف وثم يصبح مجرما، أي أن العيب هو بداخلنا. لمجرد إعطاء ملاحظة لشاب يقف بسيارته وسط الشارع، تكون النتيجة فظيعة وكارثية. والسؤال هو لماذا يحصل هذا الوضع؟ أقول إن الأهل وفقط الأهل هم السبب، فخط التسامح يتم بناؤه وكيفية التعامل مع أوضاع عنيفة يتم اكتسابها في الأسرة أولا.  فهل يسأل الأب عن ابنه أو ابنته في حالة غيابه/ غيابها وتأخره/ تأخرها عن البيت ليلا؟ ومن الإجابة على هذا التساؤل، يبدأ الحل. الوازع في داخلنا والردع هو خاص وليس فقط عام. بالتالي فالمسؤولية الأساسية تقع علينا نحن الآباء والأمهات. أقول بالتأكيد إنه في غياب الردع من داخلنا لا نستطيع توفير الردع العام. وهذا يعني أن القانون وتنفيذه كـ"عامل خارجي" يصبح عنصرا غير رادع في حال غياب المانع الداخلي.

"عرب 48": على من تقع المسؤولية أيضل، وكيف يمكن إصلاح ما آلت إليه الأوضاع في مجتمعنا؟

حسنين: هناك مسؤولية تقع على مجالسنا وبلدياتنا المحلية. هل تتوفر الخدمات الاجتماعية المقدمة لفئات الأحدث والشباب. هنالك خدمات غائبة في أحياء عربية مثل خدمات لتطوير الأحداث في ضائقة. من المسؤول عن توفيرها؟ هل ندعي دائما أن السياسات العنصرية والتمييزية عامة وسياسات الشرطة هي السبب؟ أو أيضا غياب الوعي لأهمية هذه الخدمات ولماهية سلم الأفضليات في النطاق المحلي التي يضعها الرئيس و"زمرته" الضيقة، بعيدا عن احتياجات الجمهور وفئاته المختلفة.

الحلول تبدأ من عمليات تقوية الأخلاق والقيم، والتي يجب أن تحصل في النطاق الأكثر أهمية وهو الأسرة، ثم المدرسة وثم أطر الخدمات المكملة. في حالة غياب هذه العمليات، لا تتوقع من الشرطة أو المحاكم أو أي جهاز خارجي توفير الردع الخاص والعام.

معطيات مقلقة

وفي هذا السياق، يستدل من المعطيات والإحصائيات المتوفرة أن عدد ضحايا الجريمة من أبناء المجتمع العربي، منذ العام 2000 ولغاية اليوم، بلغ 1302، وتفاقمت الجريمة أكثر فأكثر منذ العام 2014، والذي شهد 61 جريمة قتل، وفي العام 2015 وصل عدد جرائم القتل إلى 58 جريمة، وارتفع عدد جرائم القتل في العام 2016 إلى 64 جريمة قتل بينها 10 نساء، واستمرت وتيرة ارتفاع الجريمة عام 2017 إلى أن بلغت 72 جريمة قتل من بينها 10 نساء، كما قتل 50 عربيا بينهم 11 امرأة منذ مطلع 2018 ولغاية اليوم.

وعلى الرغم من ذلك، قررت الحكومة الإسرائيلية في الآونة الأخيرة، تقليص مبلغ 400 مليون شيكل من ميزانية خطة محاربة الجريمة في المجتمع العربي للعام 2018، وسط تأكيد القيادات العربية أن الشرطة تتحمل الجزء الأكبر من انتشار الجريمة بسبب تقاعسها عن أداء دورها في اجتثاث العنف والجريمة.