بير هداج... التهجير القادم في النقب

بير هداج... التهجير القادم في النقب

تواصل ما يسمى بـ"سلطة تطوير وتوطين البدو" في النقب، جنوبي البلاد، ممارساتها الاستفزازية وسياستها بالتضييق على المواطنين العرب في المنطقة، حيث قامت عناصر من وحدة "يوآف" والشرطة الإسرائيلية، مؤخرا، بإلصاق عشرات أوامر الهدم على منازل مأهولة في قرية بير هداج المعترف بها.

هجمة لقبول الصفقات!

وبلغ عدد المنازل المهددة بالهدم في بير هداج 40 من أصل 70 منزلا طالبت النيابة الإسرائيلية بهدمها، وحسب شهادات الأهالي فإن التهديد هو للمئات من أهالي بير هداج وحتى من لم يصله أمر هدم بعد.

وتبدو الهجمة على قرية بير هداج الزراعية محاولة لفرض أمر واقع على الأهالي، لإجبارهم على قبول صفقات على أرضهم بشروط "سلطة تطوير وتوطين البدو" وفرض طابع البلدات العربية على بير هداج وسلبها الطابع الزراعي. وأصدرت المحكمة الإسرائيلية أمر إخلاء وتهجير لأربعين منزلا في بير هداج، ويدير أهلها معركة قضائية ضد "سلطة تطوير وتوطين البدو" في هذه الأيام.

بير هداج (أرشيف "عرب 48")

اعتراف منقوص

وتقع قرية بير هداج إلى جانب قرية عبدة خارج منطقة السياج التاريخية في النقب غرب شارع 40 بالقرب من "كيبوتس رفيفيم" وهو التجمع السكاني الوحيد القريب الذي يتلقى منه أهالي بير هداج الخدمات.

وقرر سكان القرية خلال تسعينيات القرن الماضي، الذين كانوا يسكنون في منطقة المصانع الكيماوية بجانب وادي النعم "رمات حوفاف" وفي داخل حيز قرية وادي النعم مسلوبة الاعتراف، العودة إلى مكان القرية، وذلك قرب أماكن سكناهم التاريخية. ويقطن في بير هداج، اليوم، أكثر من 6 آلاف مواطن عربي.

وتلقت القرية المهددة بالتهجير بشكل مستمر، اعترافا منقوصا كان نتيجة النضال السياسي والاحتجاج المتواصل من قبل أهالي البلدة. وقررت الحكومة الإسرائيلية في العام 1999، الاعتراف بهم، وتقع القرية اليوم ضمن نفوذ المجلس الإقليمي واحة الصحراء. ويعود اسم القرية إلى بئر ماء في المكان التاريخي.

تحقيق العودة

وتعتبر عودة أهالي قرية بير هداج إلى أرضهم الأصلية درسا في الصمود، والقصة الأكثر قربا لتحقيق عودة جزء من الشعب الفلسطيني إلى قريته الأصلية، فقد تم تهجير أهالي بير هداج من بلدتهم التاريخية للمرة الأولى في العام 1949 على أيدي العصابات الصهيونية، ولم ينتظر أهالي بير هداج كثيرا حيث قرروا العودة إلى أرضهم في العام 1950، وواجه الجيش الإسرائيلي عودة الأهالي إلى أرضهم بالتنكيل وتحميلهم في شاحنات وإعادتهم إلى داخل منطقة السياج، لكنهم لم يخضعوا لإرادة الجيش وعادوا مرة أخرى إلى أرضهم الأصلية في العام 1954.

واستمر مسلسل التهجير والعودة لغاية العام 1994، قدم أهالي بير هداج، خلالها، نموذجا فريدا مارسوا فيه حق العودة بكل عزيمة وإصرار، وانتزعوا الاعتراف بهم، بعدما قاموا في العام 1994 بالعودة للمرة الأخيرة إلى أرضهم، بعدما هُجروا منها إبان النكبة، وجرى تجميعهم في منطقة وادي النعم، التي حولتها إسرائيل مكبا للنفايات الكيماوية.

خدمات وبنى تحتية

وفي بير هداج مدرستان ابتدائيتان، ومدرسة ثانوية واحدة، و4 روضات أطفال، وعيادة طبية، وعيادة لرعاية الأم والطفل تقدم خدمات الصحة للسكان.

وعلى الرغم من أن السلطات الإسرائيلية اعترفت ببير هداج منذ العام 1999، إلا أنها لم تربط منازل القرية بشبكة الكهرباء القطرية، ويضطر سكانها لاستخدام ألواح الطاقات الشمسية. كما تفتقر القرية لشبكة مياه، ويقوم السكان بمد الأنابيب حتى بيوتهم من نقطة تزويد رئيسية. ولا توجد كذلك شبكة تصريف صحي، وباستثناء شارع واحد معبد يصل حتى المدارس فإنه لا توجد في القرية أي طرق معبدة، إضافة إلى انعدام خدمة جمع النفايات من المنازل، وجمعها فقط من المدارس.

شبح الهدم يتهدد 80 ألف منزل في البلدات العربية

وقال النائب عن التجمع الوطني الديمقراطي في القائمة المشتركة، جمعة الزبارقة، لـ"عرب 48" إن "سياسة هدم البيوت ليست أسلوبا مستحدثا كما يعلم الجميع، وهنالك أكثر من 80 ألف منزل في الداخل الفلسطيني أصدرت السلطات بحقها أوامر هدم، ويبدو أن لغة الحوار الوحيدة التي تتقنها السلطات هي هدم البيوت، وماكنة الهدم تستمر مرحليا في البحث عن أهداف جديدة لاستخدام آلياتها وصرف ميزانياتها".

جمعة الزبارقة

وأضاف أن "التصدي لهذه السياسة وهذه الجريمة بحق العرب في النقب والداخل وفي كل مكان تهدم بيوتهم، على مدار السنوات كان مرتبطا بالنضال الجماهيري، وهو الأسلوب الوحيد الذي أثبت نجاعته في ردع ماكنة الهدم وتثبيتنا في أرضنا. نحن نعوّل على صمود أهلنا الذين أثبتوا تاريخيا تمسكهم في أرضهم".

وتطرق الزبارقة إلى قضية بير هداج بالقول إنه "سوف نقوم بالتواصل مع كل الجهات المسؤولة من لجنة التوجيه العليا لعرب النقب ومجلس واحة الصحراء الإقليمي، والهدف هو ضم كل بيت وخيمة وحظيرة إلى الخارطة الهيكلية لقرية بير هداج. أهلنا في بير هداج هم مدرسة في الصمود ويعلموننا بشكل مستمر دروسا بالنضال".

وعن دور القضاء الإسرائيلي، قال الزبارقة إنه "من الضروري استنفاد الإجراءات القانونية مع معرفتنا المسبقة بالهامش الضيق المسموح به في المحاكم الإسرائيلية، وعدم التعويل عليها ومعرفتنا أن هذه في النهاية وفي الحقيقة قرارات سياسية بحتة".

محاولة فرض أمر واقع

حايا نوح

وقالت الناشطة السياسية المناهضة للصهيونية والكاتبة المتخصصة في الجغرافيا السياسية، حايا نوح، لـ"عرب 48" إن "السلطات تحاول فرض أمر واقع على أهالي بير هداج وتعتبر بير هداج تحديا لها، وكان واضحا منذ بدايات محاولات الدولة لتسويق القسائم في بير هداج عدم التزام الدولة بالاتفاقيات والاعتراف ومحاولتهم لإنقاص حصة المواطن العربي من أرضه، ففي السابق التزمت الدولة لأهل بير هداج أصحاب الأرض بإعطائهم الطابع الزراعي الذي يطالبون به، ولكن مع كل تصريح حكومي وتعامل مع اللجنة المحلية تتقلص الحصة من الأرض الزراعية التي تقترحها الدولة رغم ملكية أهل بير هداج لها".

وأضافت أن "الدولة تقوم بالضغط بالقوة، وأوامر الهدم وهدم البيوت هي محاولة للتخويف ودفع أهل بير هداج على التراجع والتوقيع والخنوع لشروط الدولة".

وختمت نوح بالقول إن "المجتمع العربي في النقب قد وصل إلى حالة من اليأس، وبالرغم من أن أهالي بير هداج يقومون بالتظاهر بشكل شبه يومي إلا أن عبء هدم 40 بيتا بحاجة إلى هبة شعبية من قيادات المجتمع العربي في النقب والمؤسسات المدنية ومؤسسات حقوق الإنسان، ويجب عدم ترك الناس لوحدهم في هذه القضية".