سويطات: الخطة 922 قايضت الميزانيات بالبناء المكثف على الأراضي الخاصة

سويطات: الخطة 922 قايضت الميزانيات بالبناء المكثف على الأراضي الخاصة
عروة سويطات

* قانون "كيمنتس" يقلص دور المحاكم ويزيد الغرامات ويوسع دائرة الهدم

* الدولة تحاول حل أزمة السكن من خلال البناء متعدد الطوابق على الأراضي الخاصة

* مدينة طنطور وتركيز سكان القرى غير المعترف بها حلقات في المخطط الشامل


دخلت إلى حيّز التنفيذ، مؤخرًا، أنظمة قانون "كيمنتس" سيّئ الذكر، الذي يهدف إلى تسهيل هدم البيوت العربية من خلال تقليص دور المحاكم، واتّخاذ إجراءات إدارية ضد "المخالفين" ورفع سقف الغرامات، بحيث تصل في حالات معينة إلى 300 ألف شيكل.

ويهدّد القانون، الذي صادقت عليه الكنيست في أيار/مايو الماضي 50 ألف بيت عربي، تدّعي السلطات الإسرائيليّة أنها بنيت بدون ترخيص، في ظل سياسة الخنق التي تمارسها دوائر التخطيط ورفض توسيع مسطحات البناء في القرى والمدن العربية.

حول هذا الموضوع، وقضايا الأرض والتخطيط والبناء التي تواجه المجتمع الفلسطيني في الداخل، كان هذا الحوار مع مخطط المدن، عروة سويطات.

عرب 48: ماذا يعني بدء العمل بقانون "كيمنتس" وما هي تداعيات ذلك على ما يسمى بالبناء غير المرخص في المجتمع العربي وعلى قضايا التخطيط والبناء في قرانا ومدننا؟

سويطات: قانون "كيمنتس" هو العصا إن صّح التعبير، ولكي نرى الصورة بكاملها يجب النظر إلى الجزرة، أيضًا، وهي الخطة 922 أو ما تسمى بالخطة الحكومية، أو خطة العشرة مليارات، من ناحية يقلص "كيمنتس" المسار القانوني في قضايا هدم البيوت ويسرع إجراءات الهدم ويزيد من الغرامات والعقوبات على السكان العرب، ولكن، من ناحية أخرى، هناك تحوّل شهدته السنوات الأخيرة في سياسة التخطيط الإسرائيلية تجاه الحيز الفلسطيني في الداخل وتجاه البلدات العربية.

وإذا كانت السياسة المتّبعة في السابق هي سياسة التجاهل الكامل وحصار البلدات داخل الخط الأزرق، الذي يحدد مسطح البناء المسموح به وعدم ترخيص البيوت الواقعة خارجه، فإنّ التحول في السنوات الأخيرة يكمن في الاعتراف بوجود أزمة سكن في البلدات العربية، بمعنى الإقرار لأول مرة بوجود مشكلة، ومن ثم الانتقال إلى إعادة تعريف المشكلة بشكل يسمح للدولة بالتدخل بشكل مؤثر وفعلي على نمط وأسلوب السكن وطريقة الحياة في البلدات العربية.

وبهذا المفهوم، فإنّ مخطط 922 يعتبر تحولا تاريخيا تجاه الأرض والسكن في البلدات العربية، فبعد التجاهل المستمر والإهمال والمصادرة، فإن السياسة الإسرائيلية، اليوم باتت تتمثل بالاعتراف بالمشكلة وإعادة تعريفها من خلال التدخل في طريقة السكن وأسلوب الحياة في هذه البلدات.

عرب 48: وكيف تترجم تلك السياسة في الواقع العملي؟

سويطات: في عام 2015، شكّلت الحكومة الإسرائيلية لجنة الـ120 يومًا، من طاقم حكومي انتدب لبناء خطة لمواجهة أزمة السكن في ما سمّته "بلدات الأقليات"، المقصود بها البلدات العربية، وبعد 120 يوما خرج هذا الطاقم، الذي تشكل من الوزارات الحكومية المختلفة، بتوصيات نتجت عنها خطة 922.

تقرير طاقم الـ120 يومًا أوصى بشكل واضح بتجنيد السكان بالكامل، خاصّة القيادات المحلية ورؤساء السلطات المحلية، كما جاء، لقيادة عمليات تغيير في طريقة التفكير المتعلقة بالبناء المكثف ( متعدد الطوابق) على الأراضي الخاصة، إن كان ذلك بالملكيّة أو بالإيجار بشكل فوري.

ويشير هذا الأمر إلى أنّ التحول في الخطاب السياسي والتخطيطي الذي يعرف أزمة السكن في البلدات العربية، يتمحور في تعريف المشكلة كمشكلة أرض خاصة، بمعنى وجود الكثير من الأراضي الخاصة أو أن غالبية الأرض الموجودة هي أراضٍ خاصة، وذلك عوضا عن تعريفها (كما هي فعلا) بأنها مشكلة نقص في الأراضي العامة، وقيام الدولة، بالتالي، بسدّ هذا النقص من خلال تخصيص أراض عامة لحاجات السكن والمرافق العمومية في البلدات العربية.

كذلك عرّفوا المشكلة على أنّها بناء غير قانوني، بدلًا من غياب مخططات وعدم اعتراف امتد على مدار العقود الماضية، وعرفوّا المشكلة، أيضًا، على أنّها مشكلة تمسك محافظ بالأرض، بدلا من تعريفها كرباط أصلاني مع الوطن.

عرب 48: في المحصلة، فإنّ واقع التجاهل وعدم الاعتراف بالمشكلة، هو أفضل من هكذا اعتراف يريد أن يسلبنا ما تبقى لنا من احتياطي أراضي، وتضرب أواصر العلاقة التي تربطنا بالأرض كوطن وتقلب رأسا على عقب نمط حياتنا الاجتماعية، ولا نريد القول إنّ العصا أفضل من هكذا جزرة أيضًا؟

سويطات: هو خطاب يعرّف أزمة السكن في البلدات العربية كمشكلة تتعلق بثقافة السكان التي تعارض البناء متعدد الطوابق، مشكلة ثقافة عربية محافظة، وغير قادرة على استيعاب التطور الحاصل في أنماط السكن والتأقلم مع السكن في طوابق، بدلا من تعريفها بحيّز جرى إهماله وتجاهله من قبل الدولة على مدى سنوات طويلة، وتطور من دون سياسات تطوير أو تخطيط.

عمليًا، هذا الخطاب الذي يتركز في ثقافة الناس ويلقي التهمة عليها ليبرئ الدولة من الإهمال والتجاهل والتقصير والمسؤولية عن البناء غير المرخص، هو الدافع وراء التغييير الإستراتيجيّ الذي تمثل في مخطط 922، الذي يسعى إلى تكريس البناء المكثف ومتعدد الطوابق على الأراضي الخاصة في مسارات ومساقات تخطيط سريعة ومركزة بأيدي الدولة.

وعوضًا عن أن تقوم الدولة بتصحيح الغبن التاريخي وتخصيص أراض للبناء في البلدات العربية، التي تعاني أزمة سكنية خانقة بسبب النقص في الأراضي وسياسة الحصار والتطويق التي مورست على مدى عقود، فإنها تسعى إلى حشر المزيد من الشقق السكنية على مساحات قليلة، هي ما تبقى من احتياطي أراض خاصة لدى هذه البلدات.

عرب 48: السلطات تستخدم قضية الثقافة لدفعنا إلى البناء المكثف أو متعدد الطوابق، وإلا أصبحنا متخلفين ولا نجاري العصر؟

سويطات: من الواضح أن الخطاب المذكور هو خطاب استشراقي استعلائي، لأن الأبحاث التي تحدثت عن العلاقات الاجتماعية في المدن في كل العالم، أظهرت أنّ السكن بكثافة واكتظاظ يولد احتكاكا بين أناس غرباء، وهو احتكاك يرى فيه هؤلاء ثمنا يدفعونه مقابل الربح المتمثل بفرص العمل والترفيه والثقافة والتربية والتعليم ورفاهية الحياة، التي توفرها لهم المدينة.

وعندما لا يكون هنالك مثل تلك العوائد، فإنّ الحديث يصبح عن حيّز فقر، أو"غيتو" متجانس بدون أي بنى مدينية تحتية لائقة وبدون فرص عمل، وهي وصفة أكيدة لخلق هذا الحيّز المشوه الذي لا هو قرية ولا هو مدينة، حيّز مستضعف بدون أي قدرات ولا موارد، يدفع فيه المواطن العربي ثمن الاكتظاظ دون الحصول على أي مقابل.

هدم منزل كامل في اللد بحجّة البناء غير المرخص الشهر الماضي (عرب 48)
هدم منزل كامل في اللد بحجّة البناء غير المرخص الشهر الماضي (عرب 48)

وفي النهاية، فإنّ التكثيف الذي تقوم به الدولة بدون مرافق اقتصادية واجتماعية وثقافية لائقة سيؤدي إلى انفجار اقتصادي -اجتماعي.

عمليًا، تريد الدولة أن تحوّل علاقتنا مع الأرض من علاقة وطن، أسوة بعلاقة الشعوب الأصلانية معها، إلى عقار يباع ويشترى، وهي تتجاهل كون الفلسطينيين يتعاملون مع الأرض كمركب أساسي من هويتهم وكيفية تعريف أنفسهم وكمكوّن أساسي من طموحهم السياسي ومصيرهم السياسي.

وهي تريد أن تحول الأرض إلى عقار، بمعنى خصخصة الوطن وتحويل مفهوم الأرض من وطن جماعي إلى عقار فردي، بهدف تحويل القضية من قضية سياسية جماعية إلى قضية فردانية بين الإنسان والدولة، بدل أن تكون بين المجتمع الفلسطيني وبين الدولة.

عرب 48: وماهي إسقاطات هذه السياسة وانعكاساتها على مجتمعنا؟

سويطات: تلك السياسة سيكون لها ثلاثة إسقاطات، الأول هو عدم تخصيص أراضٍ عامة وبالتالي عدم توسيع مسطحات بلداتنا ونفوذها، والثاني تكريس التوزيع غير العادل لما تبقى من أراض خاصة، والتي تقع بأيدي جزء قليل من السكان وستزيد من الاستقطاب الاجتماعي الاقتصادي، والثالث هو الهجرة إلى الأطراف والمدن الإسرائيلية، المجاورة ما سيؤدي إلى إضعاف البلدات العربية.

عرب 48: أنت تتحدث عن خطة 922 المعروفة بالخطة الحكومية أو خطة العشرة مليارات التي طبل وزمر لها الكثير من أعضاء الكنيست ورؤساء السلطات المحلية؟

سويطات: الخطة 922 هي عمليًا صفقة بين الدولة وبين السلطات المحلية العربية، قالت فيها الدولة، خذوا ميزانيات ومشاريع إسكان سريعة مقابل بناء مكثف ومتعدد الطوابق على الأرض الخاصة وعدم توسيع البلدات العربية وبناء مخططات تكرس الوضع القائم ولن تحل الأزمة.

هنا يدخل قانون "كيمنتس"، ففي لجنة الـ120 يومًا صنفوا البناء غير المرخص إلى مجموعتين، بناء غير مرخص داخل مسطح البناء يمكن شرعنته وبناء غير مرخص خارج المسطح يجب هدمه، وقالت إذا أردتم هذه المشاريع يجب أن توقعوا على خطة إستراتيجية حيث أبرمت اتفاقية مع 15 بلدة وقعت جميعها على تخويل وزارة الإسكان مسؤولية الإدارة والتخطيط والتطبيق والسيطرة على مشاريع الإسكان، والتزام السلطة المحلية بمنع البناء غير المرخص وتحمل مسؤولية المراقبة والمتابعة وحتى الهدم في بعض الحالات.

عرب 48: إذًا لا حديث عن توسيع مسطحات وخرائط هيكلية، إضافة إلى إغلاق أبواب الكثير من التجمعات السكنية الإسرائيليّة في وجه العرب.

سويطات: وفق بحث أجراه يوسف جبارين من التخنيون، هناك 940 تجمعا سكنيا لا تسمح للعرب بالسكن فيها، استنادًا إلى معايير لجان القبول، انضمت إليها مؤخرًا مدنٌ وتجمعات كبيرة مثل العفولة وكفار هفرديم، الأمر الذي يصعب من حل أزمة السكن العربية خارج البلدات، أيضًا.

خارطة توضيحيّة لمخطّط طنطور (عرب 48)
خارطة توضيحيّة لمخطّط طنطور (عرب 48)

وللأسف، فالسلطات المحلية العربية وحتى أعضاء الكنيست الذين هللوا للخطة لهم مصالحهم في تصوير إنجاز معين، في ظل أزمة الثقة المتفاقمة بين رؤساء السلطات المحلية وبين الجمهور، وللأسف، شارك الجميع بتفاوت معين بتصوير الموضوع وكأنه إنجاز.

أما الجزء المكمّل للمخطط الحكومي، فيتمثل بشقين؛ الأول، بناء مدينة طنطور على أراضي الجديدة المكر، وهي مدينة من 100 ألف إنسان بدون مرافق اقتصادية وفرص عمل حقيقية، ستتحول إلى أكبر مجمع للفقر، إضافة إلى تحقيق هدف استيعاب عرب عكا بعد إنجاز المخططات المعدة لها.

والثاني، هو المخطط الجديد في النقب الذي حل محل مخطط "برافر"، بعد أن أهمل قضية الأرض وتسويتها وركّز على ما سماه بـ"بديل الإنسان"، ويسعى إلى تركيز أهالي القرى غير المعترف بها في قرى وتجمعات التركيز. ولهذا الغرض، جرى توسيع مسطح رهط ويجري العمل على توسيع مسطح حورة وغيرها من التجمعات والهدف هو نقل 100 ألف إنسان، هم سكان القرى غير المعترف بها إلى تجمعات التركيز.


عروة سويطات: مخطط مدن، يبحث من خلال الدكتوراه في معهد العلوم التطبيقية- التخنيون، العلاقة بين الدول والأقليات في العالم في موضوع التخطيط، وخصوصا سياسات الإسكان في مدينة لندن.