التسرب من التعليم في النقب: حضور الأسباب وغياب الحلول

التسرب من التعليم في النقب: حضور الأسباب وغياب الحلول
(توضيحية)

تمثل ظاهرة التسرّب من التعليم الأساسي تحديًا كبيرًا للمجتمع العربي في النقب، اليوم، وتعيق تقدمه. وعلى الرغم من الارتفاع المستمر في نسب الجامعيين خلال السنوات الماضية، إلا أن شرائح واسعة في المجتمع الشاب لا تزال تعاني من هذه الظاهرة.

ويستدل من معطيات مركز الأبحاث في الكنيست، أن نسبة التّسرب من التعليم بين العرب في النقب هي الأعلى في البلاد، إذ وصلت إلى 24% في العام 2016 فيما بلغت نسبة التسرب في جهاز التعليم العربي إجمالا 10%، وفي جهاز التعليم اليهودي 5% فقط.  

وبلغت نسبة تحصيل شهادات الثانوية العامة "البجروت" لمجموع السكان في البلاد 62% وفي التعليم العربي 48%. وجاءت نسبة التحصيل في التعليم العربي في النقب في المكان الأخير وهي 31% فقط.

وفي هذا السياق، حاور موقع "عرب 48"، بروفيسور إسماعيل أبو سعد، من سكان قرية اللقية، وهو محاضر وباحث في جامعة بئر السبع في مجال التربية.

بروفيسور إسماعيل أبو سعد

أنهى أبو سعد دراسة لقب الدكتوراه في جامعة "مينسوتا" الأميركية في العام 1989 في مجال التربية بعد عمله مديرًا لمدارس مختلفة في المراحل الابتدائية، الإعدادية والثانوية.

ويعتبر أبو سعد خبيرًا في جهاز التربية والتعليم في البلاد، وأصدر العديد من المقالات الأكاديمية وكتاب عن التعليم في المجتمع العربي في البلاد.   

"عرب 48": كيف ترى وضع التعليم العربي في النقب، اليوم؟

أبو سعد: خلال 30 عامًا من بروز ملامح جهاز التربية والتعليم في النقب ومراقبة عمله، ما زال الوضع صعبًا. نسب التسرب في جهاز التربية والتعليم العربي في الجنوب هي الأعلى في البلاد، والتحصيل العلمي العام منخفض جدًا مقارنة ببقية المناطق. إحدى الإنجازات التي تُحسب هي انخفاض نسبة التسرب من التعليم في المجموعات العمرية في العام 1990 من 70%، إلى 35% في العام 2015 ويعد الإحصاء الأخير الذي تطرق إلى عدد المتسربين قياسًا على المجموعة العمرية كاملة وليس على عدد الخريجين.

تغيير كمّي

ويرى أبو سعد أن التغيير الحاصل لغاية اليوم هو "تغيير كمّي بسيط، قد يكون بالإمكان بسبب التطور الطبيعي للمجتمعات والمبادرات المختلفة المساهِمة في المسيرة التعليمية في النقب، ولكن حسب التقييم العام لدور جهاز التربية والتعليم في النقب، قياسًا على نتائج امتحان فحص مؤشرات النجاعة والنمو المدرسي 'ميتساف' ونتائج امتحانات 'البجروت' التي تتكرر ذاتها منذ العام 2003 وحتى اليوم، بالإضافة لسوء الإعداد للطلاب المتوجهين للجامعات والنقص الحاد في عدد خريجي المواضيع العلمية، نجزم بفشل جهاز التربية والتعليم فشلًا ذريعًا في النقب".  

"علموا أولادكم الحُلم لا الحفظ"

وتساءل أبو سعد: "لماذا في النقب يفشل الطلاب أو يتسربون من المدارس بهذه النسب؟ أربطُ هذه النتائج بالعديد من العوامل، ليس منها الخلل في الطلاب، ولكن تظهر كلها الخلل في جهاز التعليم. لا يصل الطالب إلى مرحلة الحلم وتحديد الأهداف والتصور الذاتي، تمر السنوات التعليمية على الطالب من مرحلة رياض الأطفال والبساتين حتى إنهاء المرحلة الثانوية دون أن يقتنع الطالب بقدرته على الإنجاز ودون أن يتلقى التحفيز اللازم. وتلعب البيئة غير المتعلمة دورًا في تكوين هذه الحالة، ويبقى العبء المركزي على المعلمين والطواقم التدريسية غير المهيأة ومنقوصة التدريب الصحيح".

وأضاف أن "أساليب التدريس النظرية التي يتلقاها المعلمون من الجامعات والكليات المختلفة هي غير ملائمة للمشاكل الميدانية التي يعاني منها الطلاب، معظمها تعتمد الحفظ والنسخ القديم، وهذه ليست آليات مفيدة لتكوين شخصية الطالب الباحث القابل للتعامل مع الحياة الجامعية".

الشبان يتسربون في الثانويات والفتيات قبل ذلك بكثير

 وأكد أبو سعد أنه "مقابل نسب التسرب الكبيرة للذكور في الثانوية، يتم إيقاف أعداد كبيرة من الإناث عن التعليم في مراحل تسبق ذلك، أي في المرحلة الابتدائية والإعدادية. للأسف، ليس هنالك إحصاء لنسبة المتسرّبين من المجموعات العمرية المختلفة. آخر إحصاء كان في العام 2015، وتبين أن نسبة التسرب من التعليم في تلك السنة هي 35%".

وتابع أن "ظاهرة التسرّب في المراحل التعليمية المدرسيّة لا تتوقّف. يتسرب الطلاب من عرب النقب، من التعليم الجامعي أيضًا. تنهي معظم الفتيات تعليمهن، لكون التعليم الجامعي هو صمام أمان للفتيات العربيات في النقب وتذكرة نحو تقرير مصيرهن، وليس التسرب من الجامعات خيارًا لهن. وعلى صعيد الذكور يصل القليل من شباب النقب إلى الجامعات، ويتسرب الكثير منهم إلى خارجها، بسبب الحاجة للعمل ودعم العائلة والخوف من الفشل".  

سياسة التجهيل

وعن التخطيط المرحلي والتنفيذ المنقوص، قال أبو سعد إنه "لا يبني جهاز التربية والتعليم خططا شاملة، ويعمل حسب خطط مرحلية دون مسح احتياجات المنطقة، ولا يُعنى بالتغيير الجذري للوضع القائم، وبقيت الطرق التعليمية على حالها منذ عشرات السنين. منذ أكثر من 30 عامًا تستخدم حجة الانتقال من البادية إلى المدينة التي أكل عليها الدهر وشرب، وحجة الحاجز النفسي الإجابة الأسهل عند إعلان نسب امتحانات البجروت، وعليه يبدو أن الجو العام يعني ببقائنا عالقين في المرحلة الانتقالية بين البادية والمدينة".  

بلا هوية وانتماء، وانعدام الحالة الثقافية

وفي أبحاثه الأكاديمية، تطرّق أبو سعد للسياسة التعليمية التي تتبعها السلطات الإسرائيلية في المدارس العربيّة، والتي تهدف إلى طمس الوعي لدى الطالب العربي وتجاهل مسائل أساسية معقدة منها تحديد الهوية والقومية.

وتحدث أبو سعد عن سياسة التجهيل: "عند القياس على التجارب العالمية، يعطي التاريخ القومي والثقافي للمجموعات الأصلانية محفزًا للإبداع، أما هنا يشعر الطالب وهو في مدرسته وقريته بأنه في مكان آخر، يعج بـ'التناقض والانفصام'. وتسيطر أزمة الهوية على الطالب العربي، فقد يصل للمرحلة الجامعية دون معرفة بتاريخه العريق وامتداده العربي".

وأوضح أن "المدارس تستخف بدورها في صناعة شخصية الطالب وثقافته ويختفي تدريجيا نموذج الطالب المثقف القارئ، حتى يصل الطالب للمرحلة الأكاديمية مصحوبًا بالضعف المُلفت في القدرة على التعبير اللغوي، ولا يعني جهاز التربية بهذه الصناعة من الأساس والدليل على ذلك انعدام المكتبات من قرانا".

وختم أبو سعد بالقول لـ"عرب 48" إن "البناء الصحيح للخطط الشاملة بشراكة متخصصي التربية من النقب، والتأهيل الصحيح في الطواقم التدريسية والتدريب المناسب للمعلمين، بالإضافة إلى التوظيف الصحيح للسلطات المحلية التي يقع على عاتقها البدء بالمسح والتحديد لأعداد الطلاب في الداخل والخارج وأصحاب الكفاءات، لمساعدتهم وتسخير قدراتهم من أجل تحسين الواقع وتطوير العمل البحثي والميداني".