البلدات الاستيطانية تخنق البلدات العربية في المثلث

البلدات الاستيطانية تخنق البلدات العربية في المثلث
بناء آلاف الوحدات السكنية في "حريش" (عرب 48)

تزحف البلدات الاستيطانية في منطقة المثلث والتي أقيمت على أراضي العرب بعد أن صادرتها السلطات الإسرائيلية، بينما تُحرم البلدات العربية من التوسع على الرغم من الزيادة الطبيعية للسكان.

وتسبب سلب الأرض بأزمة سكن شديدة، إلى جانب عمليات هدم المنازل بحجة البناء دون ترخيص، وأوامر هدم تهدد العديد من البيوت العربية.

محاصرة البلدات العربية

على بعد كيلو مترات معدودة من المنطقة الشمالية لمدينة قلنسوة أقيمت بلدة استيطانية تسمى "كفار يونا"، وتحدها بلدتان استيطانيتان أخريان "تنوفوت" و"يانوف" من جهة الغرب، فيما أقيمت "شاعار أفراييم" في الجهة الشرقية، وفي الجهة الجنوبية يحد قلنسوة شارع "عابر إسرائيل" وخط الغاز وخطوط مياه "مكوروت".

بلغت مساحة قلنسوة قبل النكبة 28 ألف دونم، غير أنها غالبيتها صودر بفعل المخططات الإسرائيلية التي منعت توسع المدينة. أما اليوم، فيبلغ مسطح مدينة قلنسوة 8.400 دونم يشمل الأراضي الصناعية والزراعية ومناطق السكن، ويبلغ مجمل الأراضي التي بنيت عليها المباني السكنية 3.600 دونم.

وفي الوقت التي تعاني منه قلنسوة من أزمة سكن، تواصل البلدات الاستيطانية بالتوسع على حساب البلدات العربية، ففي "كفار يونا" على سبيل المثال، والتي تقع شمال قلنسوة، يتم توسيعها في الفترة الأخيرة بثلاثة آلاف وحدة سكنية جديدة.

وكان مسطح مدينة الطيرة 18 ألف دونم قبل العام 1949، صادرت السلطات الإسرائيلية منها نحو 14 ألف دونم ليتبقى حتى يومنا هذا نحو 3.500 دونم تشمل ما اقتطع منها لشارع 6 وسكة الحديد وخط الغاز.

ولا يقف الأمر عند عدم توسيع مسطحات البلدات في المثلث وحصارها من الجهات الأربع، فأوامر الهدم الفوري تهدد مئات المنازل في المنطقة، عدا المنازل التي هدمت سابقا بذريعة البناء غير المرخص.

وتعاني بلدات قلنسوة والطيبة والطيرة وجلجولية ومنطقة وادي عارة من أزمة سكنية خانقة بسبب مصادرة أراضيها وعدم توسعها والحد من التوسع الديمغرافي لسكانها.

ولعل أحد أهم أسباب انخفاض نسبة الولادة بين المواطنين العرب، الحصار الديمغرافي والتضييق في المسكن التي فرضته السلطات الإسرائيلية المتعاقبة.

وقال رئيس اللجنة الشعبية للدفاع عن الأرض والمسكن في وادي عارة، أحمد ملحم، لـ"عرب 48" إن "ما يقارب 120 ألف شاب عربي بحاجة إلى قسائم أرض لبناء مساكن وضمان مستقبل آمن".

مخططات تهويد

لم تخفِ وزارة الإسكان الإسرائيلية في العام 1991 حين إطلاقها مشروع النجوم السبع، أهدافها من المشروع الذي سيطوّق البلدات العربية على طول الخط الأخضر ببلدات استيطانية جديدة، فأحد الأهداف محاصرة البلدات العربية وتشكيل توازن ديمغرافي بين السكان العرب واليهود، وزيادة نسبة التركيز اليهودي في المنطقة، بمعنى آخر تنفيذ مخطط التهويد على حساب العرب.

عمليا لم تتعدَ حتى الآن نسبة اليهود، نسبة العرب في منطقة المثلث، لكن على أرض الواقع فقد بلغت مساحة البلدات الاستيطانية التي أقيمت على الأراضي العربية المصادرة مساحة البلدات العربية.

أزمة الأرض والمسكن

وقال رئيس اللجنة الشعبية للدفاع عن الأرض والمسكن في وادي عارة، أحمد ملحم، إن "البلدة الاستيطانية ‘حريش’ بنيت بالقرب من منطق وادي عارة كي تشكل توازنا ديمغرافيا. كانت في البداية مخصصة لليهود الحريديين، لكننا استطعنا بعد اعتراضات أن نحولها إلى مدينة عامة، وهذا التحول زاد سعر الشقة بعشرة أضعاف".

وأضاف أنه "من خلال مخطط النجوم السبعة أرادوا تقليل ما وصفوه بالخطر، وهو السيطرة الديمغرافية للسكان العرب في هذه المنطقة. استطعنا بالاعتراضات أن نقلل من مساحة البلدة الاستيطانية، إذ كان المقترح الأول أن تبلغ مساحتها 28 ألف دونم لتلتهم كافة الأراضي في منطقة المثلث الشمالي، لكنهم تراجعوا إلى المساحة التي طرحوها في البداية وهي 4.300 دونم. كنا على علم أن حدودها لن تقف هنا وخلال عامين توسعت إلى 7 آلاف دونم وحتى الآن يطالبون إضافة آلاف الدونمات لها، وسوف تبلغ مساحتها 28 ألف دونم في المستقبل".

وأكد ملحم: "حريش ليست بحاجة إلى هذا العدد من الدونمات، إنما الفكرة هي السيطرة على أكثر مساحة ممكنة من البلدات العربية، خوفا من أن يتوسع العرب عليها. المخطط يهدف إلى وضع اليد على الأراضي المفتوحة لمنع توسع البلدات العربية. نتحدث عن توطين 250 ألف مستوطن في حريش، وستكون رابع أكبر بلدة في إسرائيل، وعندما تكون بلدة بهذا الحجم في منطقة وادي عارة فإنها ستضرب الاقتصاد في المجتمع العربي وستمنع التوسع وتخلق جوا غريبا عن هذه المنطقة التي تتسم بفضفاضيه ومناخ فلاحي".

أحمد ملحم

وعن دور السلطات المحلية العربية، قال ملحم، إن "ردة فعل السطات المحلية تجاه هذه المخططات ضعيفة، لأنها تنبع عن ردة فعل وليس خلق الفعل، وهذا يضعّف من الاعتراضات ولا يشكل رادعا عند السلطات من الاستيلاء على الأراضي. كل مشروع الأراضي والتنظيم وهدم البيوت هو للسلطات المحلية فقط، وهي تعاني من ذات الأمر لأن المواطن ينتظر الخدمة منها وهي تكون عاجزة عن تقديمها. لذلك عليها أن تعي المسؤولية التي تقع عليها، وعليها أن تعمل المستحيل وأن ترسل رسالة صارمة إلى المؤسسات الحكومية بأن المواطن العربي يستحق ما يستحقه المواطن في نتانيا وحريش وتل أبيب. ولا يمكن أن تقاس الأمور بمقياسين هما البناء عند اليهود والهدم عند العرب. ويجب أن تكون حملة للسلطات المحلية العربية عنوانها إما تسليم المفاتيح أو احتجاجات يومية متواصلة قد تصل إلى إغلاق المكاتب الحكومية. الوضع يؤشر إلى الخطر وهو يحتاج حالة من العصيان المدني"

وختم ملحم بالقول، إن "جميع التنظيمات في الداخل هي تنظيمات مترهلة أضف إليها اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية، وللأسف لديها رؤية للمدى القريب فقط وهي مستعدة فقط عند ردة الفعل حتى نصحو على حالة أخرى".

نكبة مستمرة

وقال عضو الحراك الشبابي الوطني في قلنسوة، عبد الرحيم عودة، لـ"عرب 48" إن "النكبة لا زالت مستمرة باستمرار المشروع الصهيوني وهو سلب الأراضي من العرب الفلسطينيين".

وأضاف: "نقف أمام ‘شاعر أفراييم’ التي كانت قبل أعوام معدودة عدة بيوت، وبعد العام 2000 أصبحت تضم مئات البيوت. سمحت الدولة لهم البناء فيها منذ العام 2000 أكثر من مدينة قلنسوة ولا زالت تتطور، ولو نظرنا إلى كافة الجهات المحيطة بقلنسوة نرى أنها في حالة حصار".

عبد الرحيم عودة

وأكد عودة أن "السلطات تكيل بمكيالين، يمنحون لهم البناء والتوسع ويضيقون علينا ويهدمون منازلنا، ويسنون لنا القوانين كي لا نتطور، والهدف هو تهجيرنا من هنا، وهذا ما قالته الحركات الوطنية في السابق، الآن نحن في مرحلة انصهار، والمخطط قديم وتأثيره بطيء وهو ما يسعون إليه".

ولفت إلى أن "ما يحصل هو حرب ديمغرافية، ويجب علينا أن نعي بأنهم لا يريدون لنا أن نتكاثر ويحاولون الضغط علينا أكثر، وعدم السماح بالبناء والتضييق في المسكن من الأسباب لانخفاض الولادة، أضف إلى ذلك تأخير الزواج بسبب عدم توفر قسائم الأرض والشقق السكنية".

وختم عودة بالقول، إن "العمل الشعبي يكاد يكون منعدما، ولا يوجد له أي تأثير. في الفترة الأخيرة اللجنة الشعبية في قلنسوة غير متواجدة على سبيل المثال. البعد السياسي لم يعد يجد نفعا، ويجب تفعيل العمل الشعبي".

يوم أرض جديد

وقال عضو بلدية الطيرة وعضو اللجنة الشعبية، عبد السلام قشوع، لـ"عرب 48" إنه "على ما يبدو أننا بحاجة ليوم أرض جديد في الداخل الفلسطيني. كان مخطط إسرائيلي لمصادرة الأرض وفشل بسبب الهبة في يوم الأرض عام 1976، ونحن مقبلون على يوم أرض آخر لأن مصادرة الأرض مستمرة لغاية الآن بكل مسمياتها. كانت المخططات في السابق معلنة بشكل صريح وأن الهدف منها عقائدي وقومي بادعاء أنها ‘أرض إسرائيل’ أما اليوم فالمصادرة تتم تحت غطاء مشاريع شارع ‘عابر إسرائيل’ وسكة الحديد وخط الغاز وخط ‘مكوروت’ والتحريش، وحدث ولا حرج فكل هذا يجري على حساب المواطن العربي".

وأضاف أنه "عندما يضيقون الخناق علينا في الأرض والمسكن ويحرمون الشباب من البناء، وعندما يفقد الإنسان مسكنه سوف يضل الطريق، والكثير من الشباب أغلقت الأبواب أمامهم، ولم يُمنحوا منازل ولم يروا المستقبل الوردي في الأفق القريب، وهذا من الممكن أن يحرف مسارهم ويدفعهم إلى المهالك. لا يعقل أنه منذ العام 1993 لم توسع البلدات العربية بشكل يتلاءم مع الزيادة الطبيعية للسكان".

عبد السلام قشوع

ولفت قشوع إلى أن "خطر الهجرة يداهمنا اليوم، يجب أن نصحو لهذا الخطر، فكثير من الناس يشترون بيوتا في الخارج، ويتحدثون عن الهجرة ويقولون أنه لا عيش لهم في هذه البلاد، وهذا ما يصبو إليه المشروع الصهيوني. للأسف بعض القيادات لا ينظر لهذه القضية كمشروع قطري. لا يمكننا التوسع في مكان تتواجد فيه بلدات استيطانية وتتوسع مساحتها كل فترة. حتى أرضنا التي صادرتها الدولة تحرمنا منها وتسخرها لإقامة وتوسيع البلدات الاستيطانية".

وختم قشوع بالقول: "ليس هناك حيلة للجنة الشعبية وهي لا تملك قوة كي تؤثر على أصحاب القرار باستثناء النضال الشعبي. وللأسف الناس سئمت من التظاهرات لأنها لم تعد تجد نفعا. على الأطر السياسية والسلطات المحلية المبادرة والعمل لمعالجة هذه القضايا الحارقة".

 

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019