مآلات أكتوبر: سد الفجوات وقمع الطموحات

مآلات أكتوبر: سد الفجوات وقمع الطموحات
مواجهات أكتوبر (يارون كامينسكي)

في تشخيصها لما أسمته بإشكالية وضع "الأقلية العربية في إسرائيل"، حددت لجنة "أور" التي تشكلت بعد أحداث هبة القدس والأقصى (أكتوبر 2000)، مجموعة عوامل تتفرع عن كون العرب يشكلون أقلية كبيرة تختلف عن مجموعة الأكثرية من النواحي القومية والدينية واللغوية والثقافية.

وأشارت إلى التعقيد الذي تشهده عادة علاقات الأقلية بالأغلبية، أولا في دولة تعرف نفسها وفق "قومية" الأغلبية (اليهودية)؛ وثانيا، لأن "الأقلية العربية في إسرائيل" هم سكان أصليون يرون أنهم يقعون تحت حكم سكان مهاجرين، وهم بعكس الكثير من الأقليات في المنطقة ممن يتمتعون بهذه الوضعية منذ مئات السنين، استمرار لأغلبية سكانية كان عددها حتى خلال توسع الاستيطان العبري في عهد الانتداب البريطاني ضعف عدد السكان اليهود، ولم يستوعبوا "الانقلاب" الذي حولهم فجأة إلى أقل من 20% من سكان الدولة، وما زالوا والحال كذلك يرفضون تعريف "أبناء الأقليات" الذي ألصقته بهم مؤسسات الدولة.

العامل الثالث الذي أشارت إليه اللجنة، هو أن هذا "الانقلاب" كان نتيجة هزيمة صعبة مني بها العرب أمام "المشروع الاستيطاني اليهودي"، بمعنى أن الدولة التي وجد فيها العرب أنفسهم أقلية في دولة قامت على أنقاض شعبهم، وترتبط إقامتها في ذاكرتهم التاريخية بالنكبة التي تعتبر المأساة الجماعية الأصعب في مسيرتهم.

والدة الشهيد رامي غرة في قرية جت، صباح اليوم (عرب 48)

العامل الرابع، أن انتصار الحركة الصهيونية بما تحمله من أبعاد في مجال الهجرة اليهودية والاستيطان في الصراع على إقامة الدولة، يعني في التطبيق العملي لهذه السياسة الاستيلاء على غالبية أراضي الدولة لإسكانها بالمهاجرين الجدد.

لذلك، فإن مخططات "تهويد الجليل" التي ترى فيها الأغلبية اليهودية أهدافا شرعية لدولة إسرائيل، تأتي على حساب مصادرة أراضي العرب، وتحول بعضهم إلى "حاضرين غائبين"، كما تقول اللجنة التي تضيف، أن العرب استصعبوا تقبل ترجمة كون إسرائيل "دولة الشعب اليهودي" بما يعنيه ذلك من حقوق للمتجنسين والمهاجرين اليهود تفوق حقوقهم، الأمر الذي خلق لديهم الإحساس بأن الديمقراطية الإسرائيلية هي إثنوقراطية أو ديمقراطية لليهود فقط.

العامل الخامس، أن "الأقلية العربية في إسرائيل" تنتمي من ناحية قومية للشعب الفلسطيني، وبالمفهوم الأوسع للأمة العربية، في حين أن دولة إسرائيل في صراع مع كليهما، ورغم أنهم (العرب) خلال الحروب الستة التي خاضتها إسرائيل ضدهما امتنعوا عن المس بالقانون والنظام، فإن غالبتهم أيدوا الطموحات القومية التي مثلتها الأنظمة العربية، وبالرغم من أن اتفاقات السلام التي أبرمت مع دولتين عربيتين قلصت هذا التقاطب، إلا أن استمرار النزاع وأخطار الحرب القائمة منعا إلغاءه.

العرب كـ"خطر محتمل"

أما التقاطب الأصعب، على حد تعبير التقرير، يتمثل في استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي كون علاقة العرب في إسرائيل بالفلسطينيين خارج الحدود وخارج الخط الأخضر ليست علاقة وطنية فقط بل اجتماعية وعائلية أيضا.

هذا التناقض الأساسي أثر بشكل مطلق على وضع العرب في إسرائيل، كما تقول اللجنة، ووضعهم في دائرة الرقابة بصفتهم "خطر محتمل" رقابة تمثلت حتى عام 1966 بالحكم العسكري، وتواصلت وما زالت بواسطة أجهزة الأمن المختلفة، الأمر الذي لا يتوافق مع حقوق المواطن، ويعمق الشعور بالاغتراب لدى السكان العرب.

وأشارت اللجنة إلى افتقار الأقلية العربية بشكل فعلي إلى الحقوق الجماعية، إذ أن إسرائيل أقرت لهم حقوق مواطنة كاملة كأفراد فقط، بعكس الدول التي تقر أنظمتها الدستورية حقوقا جماعية للأقليات التي تعيش فيها، وذلك على الرغم من اعترافها بلغتهم وتشغيل برامج تعليم خاصة بهم وبعض الحقوق المرتبطة بالأديان والأحوال الشخصية، وهي حقوق لم تثبت دستوريا، وتبتغي الدولة منها الحؤول دون اندماجهم بين جمهور الأغلبية، ما يعني أن الدولة رأت بهم مجموعة ديمغرافية وليست أقلية قومية، كما يقول التقرير.

ولدى تحليلها لأسباب احتدام إشكالية وضعية "العرب في إسرائيل" في الوقت الراهن ( عشية أكتوبر 2000) والتي ساهمت في تغذية الغليان السياسي الذي قاد إلى أحداث هبة القدس والأقصى، رغم أن هذه الحالة البنيوية موجودة منذ 50 عاما، أشارت اللجنة إلى تأثير التحولات الكمية والنوعية التي طرأت على المجتمع العربي، بينها تطور العمل السياسي والمدني، ونشوء حركات وأحزاب جديدة، واندثار القوائم العربية التابعة للأحزاب الصهيونية ونشوء طبقة ناشطين سياسيين راديكاليين، تحدت سياسة السلطة تجاه المجتمع العربي وقوضت المبادئ التي تعرف وضعيته، وحظيت تلك الطبقة بتشجيع من أوساط مثقفين وسياسيين من المجتمع اليهودي، ممن اعتمدوا توجهات فكرية لبرالية وبوست صهيونية، بالتواصل مع تيارات فكرية عالمية اعتمدت توجهات ما بعد الكولونيالية.

عزمي بشارة

على هذه الأرضية انطلقت، كما تقول اللجنة، في التسعينيات الدعوة لإصلاح وضعية الأقلية العربية من خلال تغيير تعريف الدولة وتحويلها إلى "دولة لكل مواطنيها". وأعطى هذا التيار الذي قاده التجمع الوطني الديمقراطي أولوية لإعادة تعريف الدولة من جديد، على المطالب التقليدية التي كانت تتمثل بالمساواة في تخصيص الموارد وعلاقات التعايش المشترك بين المجتمعين.

توصيات لجنة أور طبقت وتطبق بحذافيرها، إعادة العرب عقدين إلى الوراء، إلى العهد الذي كانوا يقدمون فيه تنازلات سياسية مقابل فتات الميزانيات في القضايا المدنية والاجتماعية

بموازاة صعود هذا التيار العلماني، برز تيار إسلامي صاحب قدرة على التجنيد الشعبي الواسع تمثل بالحركة الإسلامية، واستأنف هو أيضا على وضعية "العرب في إسرائيل"، ورغم أن قادته صرحوا أنهم يعترفون بدولة إسرائيل، ويعملون في إطارها ويلتزمون بقوانينها، ففي مستوى الوعي كان من الصعب التفريق بين منظومة إيمانهم وبين حركات الإسلام الراديكالي المنتشرة اليوم في الدول الإسلامية، كما يقول التقرير (التي ترفض رفضا قاطعا شرعية دولة إسرائيل وواقع وجود أقلية مسلمة في دولة يهودية).

الناطقون باسم الحركة الإسلامية، وخاصة الجناح الراديكالي، قالوا إنهم يقبلون دولة إسرائيل، ولكن يتصعبون قبول دولة تعرف نفسها كيهودية أو دولة ظلم، وبخلاف التيار العلماني الذي أبدى استعدادا للاندماج في الدولة على أساس مفهوم جديد للمواطنة، فإن الجناح الراديكالي في الحركة الإسلامية تميز بنزعات انفصالية واستقلال ذاتي، في حين أن المشترك بين التيارين، كما يفيد التقرير، هو أنهما في نهاية القرن أصبحا يشككان في تحسين وضع المواطنين العرب دون إحداث تغيير في الإطار السياسي القائم، وبوضعية المجتمع العربي داخله.

قمع توجهات التمرد على الواقع

هذا التحليل الذي يعتقد أنه وضع يده على العلل والأسباب والعوامل التي قادت إلى "أحداث أكتوبر 2000"، التي وصفتها اللجنة بالزلزال، لم تخرج توصياته عن الإطار العام للسياسة الإسرائيلية المحكومة بالوضعية التي رسمتها للعرب في الدولة اليهودية منذ عام 1948، والتي تقتصر على منحهم حقوقا فردية، وقمع كل التوجهات التي تحاول التمرد على هذا الواقع، والتي تطمح بحقوق جماعية للفلسطينيين في إسرائيل، والتي أشارت اللجنة إلى تعبيراتها في المرحلة التاريخية الراهنة والمتمثلة بالتجمع الوطني الديمقراطي والحركة الإسلامية الشمالية بشكل خاص.

رائد صلاح

وفي هذا السياق، وإن كانت اللجنة قد وجهت في حدود صلاحياتها إنذارات لقادة هذين التيارين، الدكتور عزمي بشارة والشيخ رائد صلاح، فإن السلطة التي كلفتها بالتحقيق في "أحدث أكتوبر" قد أخذت بتوصياتها وأكملت المهمة. واليوم ليس فقط، الأول في المنفى، والثاني في الحبس المنزلي، بل إن الحركة الإسلامية الشمالية خارج القانون، والتجمع الوطني الديمقراطي مضروب ومحاصر وملاحق، في حين أن خطة الخمسة مليارات التي أقرتها حكومة براك لسد الفجوات أصبحت عشرة مليارات في ظل حكومة نتنياهو، وهناك من يسعى لتصبح 15 مليارا، ولكنها تقتصر على سد فجوات في الحقوق الفردية، وهي تسير جنبا إلى جنب مع قمع الحقوق الجماعية المتعلقة بالأرض والهوية، وضرب ومحاصرة التيارات التي ترفعها، وسن المزيد من القوانين والتشريعات، التي تكرس يهودية الدولة وصهيونيتها وتعميق تهميشنا كمجوعة قومية في وطننا.

توصيات لجنة أور طبقت وتطبق بحذافيرها، إعادة العرب عقدين إلى الوراء، إلى العهد الذي كانوا يقدمون فيه تنازلات سياسية مقابل فتات الميزانيات في القضايا المدنية والاجتماعية، وبهذا المعنى فإن قمع هبة أكتوبر أعقبه قمع المطالب التي حملتها، والتي شخصتها لجنة التحقيق، وأتينا على ذكرها سابقا، والمتمثلة بالاعتراف بحقوقنا الجماعية وإعادة تعريف وضعيتنا في الدولة من خلال إعادة تعريف الدولة كدولة لجميع مواطنيها، ما يعني توزيع الموارد والمنافع بشكل متساو دون أي امتياز أو تفوق للعرق اليهودي، وهو الأمر الذي كرسه قانون القومية.

فصل جديد في تاريخ الجماهير العربية في الداخل../ عزمي بشارة