طرعان: "ليكن ابني فالح البلسم الشافي لبلدنا"

طرعان: "ليكن ابني فالح البلسم الشافي لبلدنا"
ضحية جريمة القتل، فالح نادر دحلة، رفقة ابنته

في الطريق إلى بيت العزاء في قرية طرعان، مررنا بالشارع الرئيسي للقرية، والذي يُطلق عليه اسم "شارع السلام". كان الشارع الواسع لا ينبض بالحياة، على غير عادته، فالحوانيت مغلقة والأجواء مثقلة بالحزن، أما السلام وهو اسم الشارع فقد غاب منذ زمن على القرية التي شهدت مساء السبت الماضي، مقتل فالح نادر دحلة (36 عاما).

وقالت نورا دحلة، زوجة الشاب فالح، ضحية جريمة القتل، في حديث مع موقع "عرب 48": "والله لم أتوقع يوما أن يصل العنف إلى بيتي، وأن يخطف مني زوجي، ورفيق دربي، ووالد ابنتي الوحيدة. أقسم أنه مظلوم ولا علاقة له بالعنف والجريمة".

وأضافت دحلة: "بكفّي يا عرب، بكفّي قتلى والله حرام، يتّمتم هالأطفال.. حرام"، مُشيرةً إلى أنه "ليس هناك في الدنيا ما يستحق القتل وسفك الدماء (...) شبان في مقتبل العمر لا ذنب لهم يسقطون يوميا، خافوا من الله واتقوا رب العالمين، حسبي الله ونعم الوكيل".

وتساءَلت دحلة عن شكل مستقبل ابنتها التي باتت يتيمة، وقالت: "كيف ستعيش ميار بدون أب؟ كيف ستقول كلمة بابا؟ لقد حُرمت منها. أسأل الله أن اكون أنا الأب والأم لهذه الطفلة. صبرا جميلا (...) لا أريد المزيد من القتلى، فحقي عند رب العالمين. هذه رسالتي لمن ترك هذه الطفلة يتيمة، ربي هو الجبار المنتقم".

وتحدّثت دحلة عن تفاصيل الحادثة، موضحةً أن زوجها فالح "كان جالسا في البيت، وسمع أن هنالك شجارا غربي القرية فتوجه إلى هناك، حيث بيت أهلها القريب من موقع الشجار، وكان يقف على ناصية الطريق حين أُطلق النار باتجاهه".

وقالت إنها وزوجها فالح، رُزقا بطفلتهما الوحيدة ميار بعد 5 سنوات من الزواج، وإنه ما كاد يفرح بها حتى قُتِل، وذكرت أنه "’ما لحق يعيش معها’. أسأل الله أن يكون فالح آخر ضحايا جرائم العنف في المجتمع العربي وعبرة للشباب".

بدوره، قال نادر دحلة، الأب الثاكل الذي كان جالسا في قاعة المسجد لاستقبال المعزين بفقدانه ابنه الأكبر فالح، لـ"عرب 48"، إن "طرعان بلد مسالم وبلد طيب طوال حياتنا نعيش معا، ولم يحدث أن يوجه أحدنا سلاحه إلى أخيه. رسالتي إلى قاتل ابني، أليس لك أخوة وأم حتى تترك هذه الطفلة الوحيدة يتيمة وتحرمها من حنان الأب؟ هذا ظلم... الله خلقنا لكي نعيش، ولكي يحب بعضنا بعضا. في النهاية نحن أولاد بلد، ونريد الأمان والسلام والطمأنينة والمحبة، فلدينا أبناء نريد أن نعلمهم، وأن نربيهم على المحبة. إن كل ما يحدث في بلدنا حرام".

وأضاف الوالد: "الحمد لله على كل حال. أسأل الله أن يكون ابني آخر ضحايا العنف، وأشكر كل من واساني وعزاني برحيله. نريد له أن يكون البلسم الشافي لبلدنا"، مطالبا كل أب وأم أن يكونا حريصين على أبنائهما، وأن لا يضعوا رؤوسهم على الوسادة ليناموا، إلا بعد أن يتأكدوا أن ابنهم بخير، وأنه داخل البيت.

وأكد على رغبته العيش بسلام قائلا: "أنا تجاوزت الستين من العمر وليس لدي ما أتمناه سوى أن يكبر أولادي وأحفادي من حولي بسلام".

وتشهد قرية طرعان خلال الأشهر الأخيرة أعمال عنف متكررة وخلافات تصل من حين إلى آخر، إلى حد التناحر والاشتباك، ولا يكاد يمر يوم دون أن تستيقظ القرية على خبر إلقاء قنبلة على منزل أو مؤسسة تعليمية أو خدماتية، أو دون إطلاق نار على مركبة موظف أو مسؤول في البلدة، فضلا عن إحراق السيارات وتقطيع أشجار زيتون وغيرها.

وفي خضمّ هذه الأحداث، وسط حالة عدم الاستقرار في القرية، جاءت إصابة الشاب راسم عدوي بالرصاص قبل أكثر من ثلاثة أشهر من قبل مجهولين، لتزيد الطين بِلة، ولتتفاقم الأوضاع في القرية وتزداد حدة، ولا سيّما أن الشاب عدوي، ما يزال يرقد في المستشفى بحالة صعبة.

وكانت لتلك الحادثة تداعيات أدت إلى إبعاد الشيخ، عصام دحلة، عن إمامة مسجد أبو بكر الصديق، الذي يقع في حي معظم سكانه من عائلة عدوي، لمدة ثلاثة أشهر، وقد أشعلت هذه الإشكالية المزيد من أحداث العنف في البلدة، في حين لا يزال الشيخ مُبعدًا عن المسجد.

من جانبه، قال رئيس مجلس طرعان السابق، المحامي عماد دحلة، إنه كان بإمكان المجلس الحالي احتواء الموقف، مضيفا "إن مصابنا اليوم جلل وأليم بفقدان ابننا الغالي فالح، فهذا الفقدان جاء لظلم وقع على أهل البلد، وعليه بشكل شخصيّ".

وتساءل دحلة: "ماذا نقول لميار؟ ماذا نقول للزوجة؟ ماذا نقول للأم، سوى حسبنا الله ونعم الوكيل؟ نحن نطالب بأن يحق الحق في هذا الموقف الصعب. وفي ظل هذه الأزمة ندعو شبابنا إلى التعقل وضبط النفس، إذ لا نريد الانجرار، ولا نريد أن نذهب بطرعان إلى مستنقع من الدماء (...) نحن دعاة سلام ولسنا دعاة حرب، نحن دعاة محبة وطمأنينة، هذا شعارنا وسنبقى على ذلك".

مازن عدوي: نرفض خلط الشؤون الدينية بالمجلس المحلي

وتعقيبا على تحميله مسؤولية تدهور الأوضاع في القرية من قِبَل الرئيس السابق، قال رئيس المجلس الحالي، مازن عدوي: "أولا وقبل كل شيء قلوبنا اليوم مع العائلة المصابة، في مصابها الجلل. لم أكن أتمنى أن نفتح هذا النقاش السياسي في هذا اليوم العصيب. الجميع يعرفون حق المعرفة أنني كنت صاحب الفكرة وإعادة الإمام إلى المسجد، وربما بشراكة مع إمام ثانٍ، على أن تسير الأمور في المسجد (بشكل سليم)، رغم أنه أمر لا علاقة له بالسلطة المحلية، وأنا رفضت أن أخلط الشؤون الدينية بالمجلس المحلي لكن اقتراحي هذا قوبل بالرفض".

وكرر عدوي أنه يرفض الخوض في نقاشات سياسية في الوقت الذي تعيش القرية "مصيبة عظيمة" وقال: "تعالوا نتروى ونقف لنجري حسابا لأنفسنا أين قصّرنا وأين كان علينا أن نكثف الجهود؟ قلوبنا مع العائلة المصابة، وأرجو تأجيل النقاش السياسي في الوقت الراهن، لأن اللسان اليوم يعجز عن الكلام. وقولنا الواحد والوحيد أننا عشنا بأمن وأمان ويجب الاستمرار بذلك، فطرعان بلد طيب وعلينا أن نستيقظ من سباتنا لكي نحافظ على هذا البلد الطيب، وأن نعمل كل ما باستطاعتنا لنبقى عائلة واحدة متحابة بالرغم من المصاب".

وأكد عدوي أن عائلة ضحية جريمة القتل "عائلة طيبة مثل الأغلبية الساحقة من أهالي البلدة، وكلهم يريدون الخير لأبنائهم ولبلدهم، ونحن نحب بعضنا البعض، ونسأل الله أن تكون الجريمة المستنكرة نهاية المصائب في طرعان وأن يصبرهم. المصاب هو مصاب لكل طرعان، وهذا يوم أسود حلَّ على هذه البلدة".