تداعيات كورونا: القروض المالية من السوق السوداء تغزو المجتمع العربي

تداعيات كورونا: القروض المالية من السوق السوداء تغزو المجتمع العربي
محلات تجارية وورش صناعية قرب شارع 6 في باقة الغربية (عرب 48)

  • عنابوسي: صاحب "القرض الأسود" سيسكن في بيته بالإيجار ويبقى يعمل في مصلحته بالسخرة بمعنى "عبودية حديثة"
  • غرة: يجب تفعيل وتكثيف مشاريع التكافل الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع العربي لتكون الملاذ للمحتاج والبديل عن قروض "السوق السوداء"
  • المشتريات والمدفوعات ببطاقات الاعتماد بلغت خلال آذار/ مارس الماضي حوالي 4 مليار شيكل
  • معدل الدين الأُسري قرابة 170 ألف شيكل على مستوى الدولة
  • الإقبال على قروض "السوق السوداء" قفز بنسبة تجاوزت 200% في ظل كورونا
  • النسبة الربوية السوداء والفائدة مرتفعة بسبب أزمة كورونا وهي تصل إلى 10% أو 25% أسبوعيا

تصل الكثير من الرسائل النصية إلى الهواتف الخليوية للسكان في البلاد، في هذه الأيام، إذ تروج بعض هذه الرسائل لشركات تنشط في المعاملات المالية في "السوق السوداء"، وتقترح على رب العائلة أو صاحب المصلحة التجارية الصغيرة قرضا ماليا قدره 100 ألف شيكل بدون أي ضمانات، لكن شريطة أن يكون بحوزة الحاصل على القرض بطاقة اعتماد سارية المفعول.

وفي ظل تفاعل واستمرار أزمة تفشي فيروس كورونا والإغلاق شبه الكامل للمرافق التجارية والحيوية وتعليق سوق العمل والشلل الاقتصادي، وسعت هذه الشركات نشاطها في البلاد، إذ تهيمن عصابات الجريمة المنظمة على "السوق السوداء".

وفي ظل العرض والإقبال على ما تسمى قروض "السوق السوداء"، وسعت هذه الشركات والعصابات المنظمة نشاطها أيضا بما يسمى "السوق الرمادي" وقدمت عروضا وتحديدا للعائلات بالحصول على قروض مالية بين 5 آلاف إلى 10 آلاف شيكل.

منظر عام للمنطقة الصناعية باقة وجت (عرب 48)

تُبيّن سهولة الحصول على القروض المالية من السوقين "الأسود" و"الرمادي"، المشهد الضبابي بكل ما يتعلق بالفوائد التي ستُجبى من أرباب العائلات وأصحاب المصالح التجارية، مقابل إرجاع هذه الديون للشركات الخاصة أو لجهات تنشط لصالح عصابات الجريمة المنظمة، ما يعني ترشيح ارتفاع أعمال العنف وجرائم القتل في المجتمع العربي، وهيمنة عصابات الجريمة على المزيد من المصالح التجارية.

معاملات سلسة ومصير سوداوي

غالبا ما تكون توجهات العاملين في "السوق السوداء" بهدف عرض تقديم القروض المالية لطيفة للغاية. المعاملات تتم بسلاسة وبدون عمولات ولا إجراءات بنكية منهكة، ولكن من لا يسدد دينه فسيواجه مصيرا سوداويا، كما جاء على لسان أحد المُقرضين، إذ صرح بأن "عدم السداد غير وارد بالمرة!".

يطلب العاملون في "السوق السوداء" الأموال من الشخص الذي اقترض منهم المال في البداية بنوع من الأدب، بعدها ينتظرونه عند باب بيته مع عودته برفقة زوجته وأبنائه، يتبعونه في كل مكان، يقفزون إليه في مصلحته، يقلقون زوجته، ويطرقون باب أمه.

وبغية ممارسة الضغوطات من أجل الجباية، تزور عناصر "السوق السوداء" أطفال المدين في رياض الأطفال وتفزعهم في المدرسة، وإذا لم ينفع كل ذلك، تنتقل تلك العصابات للمرحلة الثانية، والتي قد تبدأ بإحراق السيارة والمحل والبيت والضرب والخطف وانتهاء بالقتل.

بدا الإقبال على هذه القروض خاصة للعائلات بمثابة ناقوس خطر اجتماعي واقتصادي، وذلك في ظل أزمة كورونا وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والشلل بسوق العمل وخروج مئات آلاف المواطنين لسوق البطالة وإلى إجازة غير مدفوعة الأجر، علما أن عدد العاطلين في البلاد تجاوز المليون.

أبواب البنوك موصدة أمام الزبائن

يبدو أن ما حفز نشاط هذه الشركات الخاصة وأنعش السوق التجاري للقروض السوداء، هو سياسة البنوك التجارية التي أوصدت أبوابها أمام الزبائن وتوقفت عن الترويج والتسويق للقروض، فيما انعدمت تقريبا السيولة المالية وتراجعت مدخولات العائلة، في ظل زيادة المصاريف للمواد التموينية والغذائية والمستلزمات الطبية والصحية.

أضحت "القروض السوداء" لقطاعات واسعة الملاذ لتدارك الأزمة والحصول على السيولة المالية، في ظل مضاعفة المصاريف وانعدام المدخولات، وأظهرت المعطيات الرسمية لشركات بطاقات الاعتماد أنه خلال شهر آذار/ مارس الماضي ومع تفاقم أزمة كورونا بلغت المشتريات والمدفوعات بواسطة بطاقات الاعتماد في البلاد حوالي 4 مليار شيكل.

كورونا تشجع قروض "السوق السوداء"

قال المستشار الاقتصادي ومدقق الحسابات، رامي عنابوسي، لـ"عرب 48" إن "المجتمع العربي الذي يعيش بمستوى معيشي منخفض وسوء إدارة اقتصادية أسوة بغالبية السكان في البلاد، سيكون أكثر القطاعات التي تعاني من التداعيات الاقتصادية من جراء انتشار فيروس كورونا، علما أن معدل الدين الأُسري قرابة 170 ألف شيكل على مستوى الدولة".

رامي عنابوسي

وأعرب عنابوسي عن اعتقاده أن حجم الديون للعائلة العربية سيزداد في ظل البطالة وقلة السيولة المالية، محذرا من التوجه للحصول على القروض من "السوق السوداء"، وأكد أن "أحد العاملين المركزيين في ‘السوق السوداء’ صرح في إحدى وسائل الإعلام أن الإقبال على قروض ‘السوق السوداء’ قفز بنسبة تجاوزت 200%، ويشهد المقرضون ضغط عمل جنوني رغم أن الأزمة في بدايتها".

والأدهى من ذلك، أضاف عنابوسي، أن "الناس خاصة الذين أوصدت أبواب البنوك في وجوههم هم من يبحثون الآن عن هذه القروض، بل يبذلون الجهود ويشغلون الوساطات والمعارف من أجل التدخل للحصول على قرض بنسب ربوية فاحشة للغاية، ولا يمكنهم غالبا الوفاء بسدادها".

وأوضح أن "النسبة الربوية السوداء في هذه الأيام مرتفعة بسبب أزمة كورونا وتصل اليوم إلى 10% و25% أسبوعيا، وهذه نسب مدمرة لكل من يقربها، وللتوضيح: مبلغ 1،000 شيكل بنسبة أسبوعية 10% سيتحول إذا لم يسدد في الوقت إلى قرابة 1،500 شيكل بعد شهر واحد، وإلى 144 ألف شيكل بعد عام واحد فقط، هذا جنون!".

مناطق نفوذ لـ"عالم الجريمة"

وأكد المستشار الاقتصادي في حديثه لـ"عرب 48" أن "التأثير لقروض السوق السوداء مأساوي للغاية"، موضحا أنه "في اللحظة التي يصل فيها الشخص إلى السوق السوداء يكون قد مر بمراحل كثيرة قبلها ويكون قد قطع كافة الإشارات الضوئية الحمراء قبل أن يسلم رقبته لسكين عالم الجريمة"، موضحا أن "الدولة وسلطات إنفاذ القانون تقر وتعترف أن عالم الجريمة يبسط سيطرته على مناطق بعينها يُسمها مناطق نفوذ".

وحذر عنابوسي من "التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للقروض السوداء على المجتمع العربي، إذ لا يستبعد وإمكانيات أن تتوصل هذه الشركات لحل وسط مع المدين، سواء رب العائلة أو صاحب المصلحة التجارية، وسلب مصلحته وبيته، فيظل يسكن في بيته بالإيجار ويبقى يعمل في مصلحته بالسخرة، يعني عبودية حديثة!".

وتبقى المشكلة مع ما يصطلح عليه "سوق القروض السوداء"، إذ قال المستشار الاقتصادي "هذا عالم قائم بحد ذاته لا يرحم أحدا، وتتم الصفقات فيه خارج إطار القانون، ولا تطاله يد الشرطة".

سلطات إنفاذ القانون عاجزة عن منع "القروض السوداء"

تزعم الشرطة أن المدينين لا يجرؤون على تقديم بلاغات ضد هذه الجهات لخوفهم من بطش هذه العصابات، وتقول الشرطة إنهم عادة يتوصلون لمعرفة تعرض شخص ما لابتزاز في أعقاب حرق سيارته أو بيته أو الاعتداء عليه بإطلاق النار، وهذه إشارات لتعرض الشخص لابتزاز لا طاقة له به.

وتبدو سلطات إنفاذ القانون التي فشلت في محاربة عصابات الجريمة المنظمة بكل ما يتعلق بالقروض من "السوق السوداء"، عاجزة في ظل أزمة كورونا على أن تحرك ساكنا حيال التحايل المالي والاقتصادي وانتعاش سوق "القروض السوداء"، إذ تكتفي الشرطة والجبهة الداخلية بالجيش وخلال الجلسات مع المسؤولين في المجتمع العربي بالتحذير من انتشار هذه القروض.

خالد غرة

وكشف رئيس مجلس محلي جت، المربي خالد غرة، النقاب عن أن "سلطات إنفاذ القانون ممثلة بالشرطة والجبهة الداخلية وخلال اللقاءات برؤساء السلطات المحلية حذرت من انتشار القروض المالية من السوق السوداء في البلدات العربية، وطالبت بتوعية الجمهور والعائلات على عدم الإقبال على هذه القروض مهما كان عمق الأزمة الاقتصادية".

دمار شامل للعائلة للمجتمع

وحذر غرة في حديثه لـ"عرب 48" من ظاهرة "القروض السوداء" في المجتمع العربي في ظل التداعيات الاقتصادية من جراء تفشي فيروس كورونا، داعيا مختلف جمعيات العمل المدني واللجان الشعبية ولجان الزكاة والفعاليات الجماهيرية في كل قرية ومدينة إلى "العمل والتنسيق فيما بينها والمبادرة لمشاريع خيرية لدعم المحتاجين وتوفير البدائل للعائلات ودعم المصالح التجارية ليكون هذا النشاط سدا منيعا في وجه السوق السوداء".

وناشد رئيس مجلس جت المحلي، كل رب عائلة، بـ"عدم التوجه إلى شركات السوق السوداء مهما كانت الظروف ومهما ضاقت الأوضاع الاقتصادية، وحتى لو لم يجد رب العائلة خبزا لإطعام أولاده أو بات بدون مأوى"، مشددا على "ضرورة تفعيل وتكثيف مشاريع التكافل الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع العربي لتكون الملاذ للمهموم والمحتاج".

وأكد المربي غرة، أن "السوق السوداء بمثابة دمار شامل للمجتمع"، مبينا أنه كرئيس سلطة محلية سيعمل جاهدا لتقديم العون والإغاثة والمساعدة للمواطنين، بحسب ما تنص عليه قوانين وزارة الداخلية، كما أنه يدعم ويحث أهالي القرية والبلدات العربية الأخرى على التعاون والشراكة في إقامة صناديق لجمع التبرعات لدعم وتقديم القروض للعائلات، مستذكرا مبادرة أطلقها الناشط أحمد شرقية في بلده، معربا عن آمله أن تتوسع وتتعمم في مختلف البلدات العربية.