تداعيات كورونا: شلل اقتصادي ينذر بانهيار المصالح التجارية العربية

تداعيات كورونا: شلل اقتصادي ينذر بانهيار المصالح التجارية العربية
المنطقة الصناعية في باقة بدت مدينة أشباح في ظل كورونا ("عرب ٤٨")

* الخطة الاقتصادية الحكومية تتخطى المصالح التجارية العربية
* تداعيات كورونا ستعمق الأزمة الاقتصادية في البلاد وستضرب المجتمع العربي بقسوة
* الحكومة تتعمد المماطلة في تنفيذ الخطة الاقتصادية المتعلقة بالقروض بضمان الدولة
* 50% من المصالح التجارية الصغيرة بالمجتمع العربي مهددة بالإغلاق
* البنوك صادقت على 75 قرضا رغم تقديم 33 ألف طلب
* المصالح التجارية العائلية الصغيرة تعتبر عصب وجوهر الاقتصاد العربي


بدت المناطق الصناعية في البلدات العربية كما المصالح التجارية الصغيرة والمتوسطة، مناطق أشباح خاوية، في ظل الإغلاق التجاري الشامل والمتواصل للأسبوع الرابع على التوالي، بقرار حكومي كإجراء وقائي للحد من انتشار فيروس كورونا، فيما تتجاهل الخطة الاقتصادية الحكومية المتمثلة بصندوق القروض بكفالة الدولة، احتياجات المجتمع العربي، ما يهدد بانهيار المصالح التجارية العربية من جراء الأزمة.

وأتت جائحة كورونا لتعمق الأزمة الاقتصادية والتجارية لدى المجتمع العربي الذي يعيش أصلا بمستوى معيشي منخفض، علما بأن الغالبية العظمى من القوى العاملة العربية تمتهن الأشغال ذات الدخل المالي المحدود والأجور المنخفضة.

ومع تواصل والشلل التجاري، فإن تداعيات كورونا ستعمق الأزمة الاقتصادية في البلاد وستضرب المجتمع العربي بقسوة، في ظل تهميش الخطة الاقتصادية الحكومية للمواطنين العرب الذين يعتمدون في رزقهم على عشرات آلاف المصالح التجارية الصغيرة، فيما ستقتصر مخصصات البطالة التي سيدفعها التأمين الوطني على 50% من المعاش الشهري للفرد، الذي أنهكته الديون والقروض.

وفي ظل الأزمة وتداعياتها، ومع استمرار إغلاق المصالح التجارية، تراجعت مدخولات الأسر العربية بشكل حاد، إذ تفتقد غالبية المصالحة التجارية "العائلية" للسيولة المالية وللمدخرات وهي مرهونة بالأساس لقروض المصارف وشركات الائتمان.

ترسبات سلبية على الاقتصاد والمجتمع العربي

لقد ترك الإغلاق الشامل ترسبات سلبية على الاقتصاد والمجتمع، بحيث أن عودة مختلف قطاعات العمل والتجارة للنشاط مجددا سيكون على نحو تدريجي، وليس من المستبعد أن تستغرق العودة الكاملة للنشاط التجاري أشهرا طويلة.

أما الآثار الاقتصادية، فسيطول أمدها، ومن المتوقع أن تستغل الدولة انقشاع الوباء لفرض ضرائب مباشرة وغير مباشرة لتعويض خسائر الأزمة، وهو ما سيطيل من فترة التعافي الاقتصادي ويؤجل انتعاش السوق.

المنطقة الصناعية باق جت، أكثر من 800 ورشة أغلقت بسبب كورونا ("عرب ٤٨")

وفي ظل البيروقراطية المصرفية وتعميق أزمة أصحاب المصالح التجارية وانعدام الدخل لعشرات آلاف العائلات والموظفين وانضمام عشرات الآلاف من العمال العرب لسوق البطالة، يمتنع بنك إسرائيل عن فرض سياسة موحدة للتعامل المصرفي لمختلف البنوك، حيث يتعامل كل بنك مع الزبائن وفقا للأجندة التي يحددها.

كما أن الحكومة لم تتدخل لدى بنك إسرائيل بكل ما يتعلق بجدولة البنوك لقروض المصالح التجارية وتأجيل دفعها، وتأجيل صرف شيكات الزبائن أو توسيع الائتمان المصرفي للمصالح ليتسنى لها تجاوز المحنة وعدم الانهيار والتكييف مع مُستجدات السوق بغية أن تعود للنمو الاقتصادي.

الخطة الاقتصادية مجرد حبر على ورق

وأمام هذا الواقع، بقيت الخطة الاقتصادية الحكومية التي أعلن عنها رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، والتي تقضي بتخصيص صندوق قروض بقيمة 90 مليار شيكل بضمان الدولة، "مجرد حبر على ورق"، بحسب المستشار المالي والاقتصادي والمرافق للمصالح التجارية، محمد صبري محسن.

وأوضح محسن أن "الحكومة تماطل بتنفيذ الخطة وتتردد في تعميمها على جميع أصحاب المصالح التجارية في البلاد، فيما يعيق نهج وتعامل البنوك التجارية مع الخطة ومقترحات القروض للزبائن التجاريين بضمان الدولة"

محمد صبري محسن

وأكد محسن في حديث لـ"عرب 48" أن الحكومة تتعمد المماطلة في تنفيذ الخطة المتعلقة بالقروض بضمان الدولة، وغير معنية في هذه المرحلة بتوزيع القروض بشكل واسع على المصالح التجارية لحين رفع التقييدات عن سوق العمل، ليستنى معرفة وتشخيص أي المصالح التجارية نجحت بتخطي الأزمة، بحيث ستحول الدعم والقروض فقط للمصالح التي من شأنها أن تتعافى وتعود للنمو الاقتصادي ما بعد كورونا.

وبيّن أن الحكومة تتخبط في معالجة الأزمة وأحدثت وللمرة الرابعة منذ الإعلان عن الخطة الاقتصادية، تعديلات على شروط الحصول على قروض من الصندوق الحكومي الذي يصل قيمته من 8% حتى 16% من الدخل السنوي للمصلحة، علما بأن التعديل المتواصل للشروط هي محاولة لكسب الوقت بغية تخصيص القروض فقط للمصالح التجارية التي سيكون بمقدورها البقاء بالسوق ولديها القدرة على السداد.

البنوك تماطل وأوصدت أبوابها أمام جميع الزبائن

وأوضح محسن أن صندوق القروض بضمان الدولة، رصدت له الحكومة ميزانية بقيمة 8 مليار شيكل، لكن بشكل عملي حول إليه 480 مليون شيكل، كما قدم للبنوك حتى بداية عيد "الفصح" اليهودي، نحو 33 ألف طلب للحصول على قروض بضمان الدولة، فيما صادقت البنوك على 75 طلبا فقط بقيمة 30 مليون شيكل.

وعلى هذا الأساس، أوضح محسن أن البنوك التجارية أوصدت أبوابها أمام جميع ومختلف الزبائن، وذلك بموجب تعليمات وإجراءات وزارة الصحة بمنع التجمهر للحد من تفشي الفيروس، إذ اكتفت البنوك بتقديم الخدمات الرقمية للزبائن عن بعد عبر الإنترنيت وتطبيقات الأجهزة الذكية.

وأضاف "لم تعد البنوك التجارية في زمن الكورونا تتساهل في منح القروض خوفا من عدم قدرة الزبائن على تسديد الديون، في ظل انعدام الاستقرار وضبابية المشهد الاقتصادي الذي سيبقى سائدا لقترة طويلة".

المصالحة التجارية العربية تعتمد على القروض والائتمان

وبحجة المخاطر الاقتصادية، يقول المستشار المالي والاقتصادي، محسن، إن "البنوك التجارية تمتنع عن الامتثال للخطة الاقتصادية الحكومية التي تطالب البنوك بمنح قروض للمصالح التجارية بكفالة الدولة، بحيث تتحمل الدولة الفائدة عن القروض للعام الأول، وكذلك منح تسهيل بالمعاملات على أن تتم المعاملة للقرض التجاري خلال 7 أيام فقط، لكن البنوك تماطل بحجة أن شدة الإقبال عليها تفرض عليها ضغوطا تمنعها من تنفيذ الخطة".

حوالي 50% من المصالح التجارية العربية مهددة بالإغلاق ("عرب ٤٨")

ومن أجل فهم تداعيات وارتدادات أزمة كورونا على الهيكل الاقتصادي للمجتمع العربي، يقول المستشار المالي والاقتصادي: "يجب عدم إغفال حقيقة أن الغالبية العظمى من المصالح التجارية العربية قائمة وتعتمد على القروض البنكية وإطار الاعتماد والائتمان البنكي وشركات الاعتماد الخاصة وودائع الشيكات مؤجلة الصرف، ما يعني أنه لا يوجد استمرارية اقتصادية مضمونة للمصالح التجارية التي تنشط وتعيش كل يوم بيومه".

واستعرض محسن البيروقراطية التي تعتمدها البنوك مع الزبائن من أصحاب المصالح التجارية بكل ما يتعلق في تأجيل تسديد الدفعات عن القروض أو تأجيل صرف الشيكات، بحيث يلاحظ مشكلة بالتواصل من قبل البنوك التي تعمل عن بعد وتطالب الزبائن استخدام الصراف الآلي وإتمام المعاملات البنكية عبر التطبيقات، كما أن بعض البنوك باتت تفرض عمولة عالية جدا عن تأجيل القروض.

المصالح التجارية العربية مطالبة بخطة إنقاذ وطوارئ

ويجزم محسن، الذي يرافق العشرات من المصالح التجارية، بأن أكثر المتضررين من الإغلاق الشامل وتعليق العمل هم العرب وأصحاب المصالحة التجارية في البلدات العربية، مبينا أن المصالح التجارية العائلية الصغيرة تعتبر عصب وجوهر الاقتصاد العربي القائم على الارتهان للبنوك التجارية، وبالتالي لا يستبعد أن إمكانية أن تغلق 50% من المصالح التجارية في البلدات العربية بحال لم تحصل على الدعم الحكومي والتسهيلات بالحصول على القروض من البنوك التجارية.

ويعتقد أن الغالبية العظمى من المصالح التجارية الصغيرة، التي يصل المتوسط السنوي لدخلها قرابة مليون ونصف المليون شيكل، لن تنجح بتخطي أزمة كورونا وقد تتكبد خسائر فادحة وتواجه خطر إغلاق أبوابها وتبقى غارقة بالديون المتراكمة، بينما المصالح المتوسطة التي يصل معدل دخلها السنوي حوالي 25 مليون شيكل، ونسبتها قليلة بالمجتمع العربي، ستواجه تحديات تعيق نموها وستكون مطالبة بوضع خطة إنقاذ وطوارئ تعتمد في معاملاتها على السيولة النقدية بعيدا عن القروض والائتمان.