72 عاما على النكبة: صمود رجال القلعة 1948 (28/3)

72 عاما على النكبة: صمود رجال القلعة 1948 (28/3)
مركز عراق سويدان بعد قصفه (أرشيف البلماح)

(أهدي هذه السلسلة لروح صديقي المرحوم هاشم حمدان، الذي كان له الدور الأكبر في تشجيعي على الاستمرار بكتابتها)

للاطلاع على الحلقتين السابقتين من سلسلة احتلال مركز شرطة عراق سويدان: الجزء الأوّل | الجزء الثاني


قصة احتلال مركز شرطة عراق سويدان 1948

خلال أقل من شهرين، استطاع رجال قلعة عراق سويدان من الصمود في وجه خمس هجمات صهيونية شرسة، مكبدين القوات المهاجمة خسائر فادحة في الأرواح. فشل لواء غفعاتي ثلاث مرات، وفشل لواء هنيغيف مرّتين في احتلال المركز (انظر/ي الحلقتين السابقتين)، ولذلك صار الجند الصهاينة يسمون مركز شرطة عراق سويدان "غول التلة"، لأنّه يخيف كل من يمر من المنطقة، أو من تسول له نفسه بمهاجمته.

انتهت المرحلة الأولى من حرب 1948، وكذلك فترة الحرب الثانية، التي جاءت بعد الهدنة الأولى، ودخلت الهدنة الثانية والقلعة ما زالت صامدة في موقعها، ورجالها ما زالوا شوكة في حلق الخطط الصهيونية الهادفة إلى احتلال كامل النقب، ويتحلون بمعنويات عالية.

هذا الصمود أصبح أسطوريًا وبجدارة، وذلك عندما قام الجيش الإسرائيلي بمهاجمة مركز شرطة عراق سويدان، مرتين متتاليتين خلال حملة "يوآڤ" الكبيرة ضد الجيش المصري والتي كان هدفها (أي الحملة) القضاء على الوجود المصري في فلسطين، بعد محاصرة جزء كبير من الجيش المصري والقضاء عليه. لم تنجح الحملة في أهدافها المعلنة، ولكنها حققت انتصارًا شبه ساحق، واحتلت مساحات واسعة من فلسطين، كان الجيش المصري مسيطرًا ومتمركزًا فيها (لمعلومات إضافية عن حملة "يوآڤ"، أنظر /ي الحلقات 26/1 حتى 26/4 من هذه السلسة). رغم ذلك، وحتى في ظل تساقط مواقع الجيش المصري واحدًا تلو الآخر، كان مصير الهجومين الأخيرين على مركز الشرطة، شبيهًا بمصير الهجمات الخمس السابقة، بفضل دفاع بطولي من حامية المركز بقيادة اليوزباشي صلاح بدر، والذي كتب في دفتر ملاحظته بعد الهجوم الثاني خلال حملة "يوآڤ": "هاجم العدو المركز هجومًا عنيفًا، استمر حتى الصباح. الله ساعدنا في صد هذه الهجمة، وتكبيد العدو خسائر فادحة. الشكر لله على أنه أنقذني وأنقذ باقي الضباط والجنود من خطر كبير وموت محقق. شجاعتهم في الدفاع عن المركز، ومساعدة الله لنا، أنقذتنا وأقذت شرف الجيش المصري".

انتهت الحملة الكبيرة بدون أن يسقط المركز في يد الكيان الصهيوني، فصار الجنود المصريين، كما الإسرائيليين، يعتقدون أن هذا الحصن عصي على الاحتلال، ومهما حصل فسيبقى جنوده صامدين، وسيكون له شأن أكبر حتى نهاية الحرب. لذلك، ورغم وقف إطلاق النار وحتى لا يبقى الحصن عقبة في وجه العساكر الصهيونية، استمرت قيادة هذه العساكر في إصرارها على احتلال المركز. ولذلك، أعدّت له خطة بحجم كبير، وأسلحة لم تستعمل من قبل خلال حرب 1948، ومن ثم شنت عليه هجومًا شرسًا في التاسع من تشرين ثانٍ / نوفمبر 1948.

إليكم تتمة القصة:

الهجوم السادس على المركز، غفعاتي تعاود الكرّة

في أوج حملة "يوآڤ"، وبعد فتح الطريق إلى مستعمرات النقب الجنوبية، والتي كانت محاصرة من قبل الجيش المصري، صدر قرار من قبل قيادة لواء غفعاتي بأن تتم مهاجمة مركز شرطة عراق سويدان، واستغلال الاندفاع الصهيوني والخسارة المصرية، التي أصبح جزء كبير من جنودها محاصرًا في الفلوجة وعراق سويدان وعراق المنشية، من أجل احتلال المركز والقضاء على حاميته، على أن يُنفّذ الهجوم ليلة 19-20 تشرين أول/أكتوبر 1948. قبل الهجوم بيومٍ واحد، أرسلت وحدة استطلاع حول مركز الشرطة، ووصلت هذه حتى 50 مترًا من الأسلاك الشائكة مرتين، واحدة خلال النهار ومرة أخرى ليلًا، ولكن المركز كان كأنه خالٍ من الجنود، حيث لم تصدر من داخله أية حركة، ولذلك لم تستطع وحدة الاستطلاع معرفة أي شيء عن الحامية داخل مبنى الشرطة.

كانت خطة الهجوم تقضي بأن يُقصف المركز بالطائرات، ثم تهاجمه القوات الراجلة المُكوّنة من فصيل مشاة من السرية الرابعة من الكتيبة الأولى/غفعاتي من أجل اقتحام مركز الشرطة من الناحية الجنوبية، والاشتباك مع رجال القلعة، وفصيل خبراء تفجير من الكتيبة الأولى/غفعاتي، وفصيل آخر خبراء تفجير من الكتيبة الخامسة/غفعاتي، وكانت وظيفة هذين الفصيلين اختراق الأسلاك الشائكة وإحداث ثغرة في جدار مركز الشرطة، وفصيل مشاة من الكتيبة الخامسة/غفعاتي من أجل حراسة الأسلحة المساعدة، التي كانت تتكون من مدافع رشاشة وراجمات القنابل، وبطارية مدفعية عيار 75 ملم، ونصف مجنزرة مع مدفع ستة أرطال.

بدأ الهجوم في الساعة 23:00 من ليلة 19-20 تشرين أول/أكتوبر 1948، بقصف جوي من طائرتين القيتا أربع قذائف على المبنى ولم تعودا. في نفس الساعة، انطلقت القوات الراجلة من منطقة المفرق القريبة، وتوزعت حول مركز الشرطة بحيث تم نصب مدفعين رشاشين على بعد 400 متر غرب مركز الشرطة، ومدفعية عيار 6 أرطال على بعد 800 مترًا غرب المركز، وتمركزت نصف المجنزرة عند المفرق لتتقدم عندما يشار لها بذلك. أمّا القوة المقتحمة المكونة من فصيل مشاة وفصيلي خبراء متفجرات، فتقدمت حتى مسافة 150 مترًا غرب مبنى الشرطة، وما أن وصلت إلى هناك حتى انطلقت المدافع والمدافع الرشاشة لتقصف مركز الشرطة بكل قوة، للتغطية على القوة المقتحمة.

كان المصريون جاهزين لهذا الهجوم، وبالتالي أطلقوا نيران أسلحتهم باتجاه القوة المقتحمة من بنادق المشاة، ومدافع رشاشة "برن"، ومدافع رشاشة متوسطة من نوع "فيكرز"، ما أدى إلى توقف القوة عن الزحف نحو الأسلاك الشائكة، حتى تستطيع قوات التغطية من الرد على القوة المصرية في داخل المركز، ولكن هذه لم تتوقف عن إطلاق النار، لعدم قدرة المهاجمين على النيل من الجند المصريين المتحصنين جيّدًا.

تحت غطاء ناري كثيف استطاع المهاجمون الوصول إلى جدار الأسلاك الشائكة الأول، وفتح ثغرة فيه مستعملين جهاز "طوربيدو بانجولور"، وبدأوا في التقدم نحو الجدار الثاني ولكن النيران لم تتوقف بل ازدادت حدّة وشدّة، بل وأطلقت على المهاجمين قنابل يدوية من جنود مصريين داخل خندق موجود بين الجدارين الأول والثاني، ما اضطر القوة المهاجمة لترك مهمة فتح ثغرة في الجدار الثاني، والاشتباك مع جنود الخندق، حتى الساعة الواحدة ليلًا، ولم يتمكنوا من التقدم حتى استشهد كل من كان في الخندق من الجنود المصريين، وخلال هذا الاشتباك تكبدت القوة المهاجمة خسائر في الأرواح.

بعدها، تقدّم جنود غفعاتي وأحدثوا ثغرة واسعة في جدار الأسلاك الشائكة الثاني، ومن خلف هذا الجدار كان هناك جدار ثالث على بعد 20 مترًا، وبعدها شارع ومن خلفه جداران شائكان آخران. بدأ خبراء المتفجرات باقتحام الجدار الثالث، إلا أنّ النيران المصرية أصبحت أكثر شدة، ولم يكتفِ المصريون بالمدافع الرشاشة بل صاروا يقصفون المهاجمين براجمات الصواريخ، ما أدّى إلى تراجع القوة الصهيونية التي تم تزويدها بأسلحة وعتاد خلال المعركة بساعتين لنفاد الذخيرة بسبب كثافة النيران التي كانت تطلق على حامية المركز، ولكن هذا لم يجعل المهاجمين ينجحون بالتقدم حتى الجدار الثالث. بعد ساعتين من المحاولات الفاشلة للتقدم، اضطر الجنود المهاجمون إلى الانسحاب، تحت وقع النيران الكثيفة، بل وقامت الحامية المصرية، عند انسحابهم، بقصفهم بالمدفعية من داخل المركز، منذرة بانتهاء هجمة أخرى بفشل ذريع.

هجوم سابع كبير، بدون تأجيل

فشل الهجوم السادس على مركز الشرطة، ولكن الانتصارات الأخرى للجيش الصهيوني، جعلت قيادة لواء غفعاتي تصر على الاستمرار في محاولاتها من أجل إخضاع حامية المركز، ولذلك تقرر تنفيذ هجوم كبير، مع تخطيط جديد يختلف عن تخطيطات المحاولات السابقة والتي فشلت جميعها حتى من الاقتراب إلى جدران المبنى المحصن.

هذه المرة توفّرت لغفعاتي معلومات قيّمة عما يدور داخل المركز، وذلك بفضل الاحتلالات والانتصارات الاخرى، حيث تم أسر ضابط مصري في إحدى المعارك من أجل السيطرة على المفرق (انظر/ي الحلقات 26/1 حتى 26/4)، وبعد أن تم التحقيق مع هذا الضابط، قام بالإدلاء بمعلومات هامة عن عدد القوات المتواجدة في المركز. كذلك عثرت قوات غفعاتي على أمر أصدره قائد حامية المركز، اليوزباشي صلاح بدر، حول طريقة الدفاع عن المركز، وتوزيع القوات داخله عند تنفيذ أي هجوم صهيوني عليه. وقد حصلت غفعاتي على هذه الوثيقة من إحدى المواقع التي احتلت حول المفرق.

الآن، صار باستطاعة غفعاتي أن تنظّم هجومًا يعتمد تخطيطه بالكامل على الوثيقة التي حصلت عليها. وأوّل استنتاج تم التوصل إليه كان أن الهجوم يحتاج إلى قوّة كبيرة، مع كمية كبيرة من الأسلحة الداعمة من رشاشات ومدافع ومدرعات.

واعتمد تنفيذ خطّة الهجوم على سرية كاملة من الكتيبة الأولى/غفعاتي، بمساعدة مدافع رشاشة كبيرة وراجمات القذائف، وبطاريات مدفعية عيار ستة أرطال و17 رطلًا، ومدفعية ميدان عيار 75 ملم، وفصيل راجمات قذائف، وصف قاذفات لهب محمولة على أنصاف مجنزرات، وفصيل خبراء تفجير من الكتيبة الخامسة/غفعاتي، ومدرعة محملة بطنّ من المتفجرات لإحداث ثغرة في جدار مبنى مركز الشرطة. كانت قوة السلاح المساعد كبيرة إلى درجة أنّها تلائم كتيبة كاملة، وليس مجرد سرية.

تقرر أن تُنَفَّذَ الخطةُ في ليلة 21-22 تشرين أول/أكتوبر 1948، وكانت معنويات الجنود الصهاينة عالية جدًا، والأجواء والأحاديث تدور حول أن المركز سيسقُط أخيرًا، خاصة أنّ معنويات جنوده صارت منخفضة بسبب الخسارات التي تعرض لها الجيش المصري في الأيام الأخيرة قبل بدء هذا الهجوم على مركز الشرطة. كانت أوامر قيادة لواء غفعاتي واضحة: يجب احتلال المركز حالًا، قبل أن تدخل الهدنة الجديدة إلى حيز التنفيذ.

رجال الحصن يتعرضون لأعنف هجوم حتى الآن

بدأ القصف المدفعي لمركز الشرطة في ساعات بعد ظهر يوم 21 تشرين أول/أكتوبر 1948، كانت المدافع من عيار ستة أرطال و17 رطلًا تقصف مركز الشرطة قصفًا مباشرًا من مسافة 800 متر غرب المركز، حيث تقرر أن يتم الهجوم هذه المرة من الجهة الغربية لا الجنوبية، كما حدث في الهجمات السابقة، وكان ذلك بناء على المعلومات الآنفة الذكر، والتي حصلت عليها غفعاتي خلال معارك الأيام السابقة.

في الساعة السادسة مساءً، توقف القصف المدفعي من أجل إعطاء الفرصة لطائرتين من نوع "بوبفاير" من إلقاء قذائفهما على مبنى الشرطة من ارتفاع منخفض. كانت كل طائرة تحمل قنبلتين بوزن 100 كغم، وأربع قنابل بوزن 40 كغم، وكانت مهمة الطائرتين أن تطيرا على ارتفاع منخفض، وتلقيا بقنابلهما الواحدة تلو الأخرى على الساحة الداخلية لمركز الشرطة. نجحت الطائرة الأولى في مهمتها رغم كثافة النيران المضادة للطائرات، والتي أصابت الطائرة الثانية، فحلقت بعيدًا حتى لا تصاب مرة أخرى، إلا أنّها تحطمت في منطقة أسدود حيث كان يسيطر الجيش المصري، وقتل طاقمها المؤلف من طيارين ومدفعي رشاش.

بعد شنّ القصف الجوي، استمر المهاجمون في تنفيذ خطتهم والتي تقضي بأن يتم قصف الجهة الغربية من مركز الشرطة بواسطة المدافع المضادة للدبابات والمدافع الرشاشة، بهدف القضاء على النيران المصرية من هذه الناحية، أما مدافع الميدان وراجمات القنابل الكبيرة والمتوسطة، فكانت مهمتها احتجاز باقي القوات داخل المبنى مكانها، حتى لا تستطيع نجدة الناحية الغربية. بعدها يتم القضاء على حقول الألغام حول الجدران الشائكة بواسطة قنابل الراجمات، ومن ثم يقوم خبراء المتفجرات بإحداث ثغرة في الجدران الخمسة الشائكة التي تحيط بالمركز، ثم تتقدم أنصاف المجنزرات المزودة بقاذفات اللهب حتى مسافة 120 مترًا، فتقضي بلهيبها على الجنود المتواجدين خلف النوافذ المُعدّة لإطلاق النار، وأخيرا تتقدم المدرعة المحملة بطن من المتفجرات حتى الحائط الغربي لمبنى الشرطة، ويتم تفجيرها حتى تحدث ثغرة كبيرة تمكن الجنود من الدخول إلى المركز واحتلاله.

الهجوم الكبير يفشل في احتلال المركز

بعد أن تجهّزت القوات للهجوم الحاسم، تجدد القصف المدفعي بكل قوة، وذلك في الساعة 00:15 من بعد منتصف ليلة 21-22 تشرين أول/أكتوبر 1948، وشاركت في القصف مدافع الميدان والمدافع المضادة للدبابات والمدافع الرشاشة وراجمات القنابل، وبدأ خبراء المتفجرات بالاقتراب من الأسلاك الشائكة لإحداث ثغرة فيها. لم تنطلق النيران المصرية للرد على الهجوم، وذلك بناء على خطة معدة سلفًا بالقضاء على المهاجمين، بعد أن يشكلوا خطورة حقيقية على المركز.

خلال هذه اللحظات، أتت المدرعة المحملة بالمتفجرات للاقتراب من المبنى، ولكن الجدران الشائكة كانت سليمة، ولا توجد ثغرة فيها في المكان الموعود، وذلك بسبب تأخيرٍ في وقت تنفيذ الاقتحام، فحاولت المدرعة أن تعود أدراجها، إلا أنها تعرضت لوابل من النيران المصرية، فأُعطِبَت جزئيًا، ولما حاول سائقها أن يتوجه إلى مكان آخر بحثًا عن خبراء المتفجرات، تعرضت المدرعة إلى وابل آخر من رصاص المدافع الرشاشة، ثم أعقبتها قذيفة من نوع "فيات"، فاخترقتها محدثة تفجيرًا كبيرًا لم يؤثر على جدران مبنى مركز الشرطة، إلا أنّه أحدث ثغرة كبيرة في جميع جدران الأسلاك الشائكة التي تحيط بالمبنى، وبذلك أصبحت الطريق إلى الداخل مفتوحة تمامً، أمام جنود مشاة غفعاتي.

عند الساعة الثانية صباحًا، زحف خبراء المتفجرات من الكتيبة الصهيونية نحو باب جانبي صغير موجود عند الناحية الغربية للمبنى، بهدف تفجيره بعد أن قضي على كل الأسلاك الشائكة، عندها فتحت نيران المدافع الرشاشة المصرية على المهاجمين، ما أدّى إلى قتل وإصابة عدد منهم، وعند اقترابهم من جدران المبنى بدأ المصريون بإلقاء القنابل اليدوية. ثم تقدمت قاذفات اللهب المحمولة على أنصاف المجنزرات، وأطلقت نيرانها نحو نوافذ إطلاق النار في المبنى، ولكنها لم تثنِ جنود القلعة عن الاستمرار في المقاومة، واستعمال كافة أنواع الأسلحة للقضاء على الهجوم، وتحت وقع رصاص المدافع الرشاشة اضطرت قاذفات اللهب للعودة إلى الخلف.

أما المشاة من الكتيبة الصهيونية، فاستمروا في التقدم، واستطاع قسم منهم من الوصول إلى الباب المعد للتفجير، عند الساعة الثالثة صباحًا، وتم تفعيل المتفجرات بالقرب منه، حيث لم ينجح هؤلاء في وضع المتفجرات بصورة جيدة بسبب المقاومة الشديدة، ولذلك، وعند إتمام التفجير ورغم إحداث ثغرة في الباب إلا أنّه بقي في مكانه، ما كان له الأثر الأكبر على معنويات الجند المهاجمين، حيث أنّ الوصول إلى الباب مرة أخرى أصبح مستحيلًا، وكثرت الإصابات بالنيران المصرية الكثيفة، واقترب الليل من نهايته، ولذلك صدرت الأوامر بالانسحاب حتى لا تكون الخسارة أكبر إذا طلع الصباح، وأصبح الجنود مكشوفين تمامًا أمام النيران المصرية.

تحضير لهجوم كبير على مركز الشرطة

بعد يوم واحد من الهجوم السابع على مركز شرطة عراق سويدان، دخلت الهدنة الثالثة بين الجيش المصري والجيش الصهيوني حيز التنفيذ، وكان الوضع لصالح الجانب الصهيوني، الذي حقق انتصارًا كبيرًا على الجيش المصري، وأبقى أكثر من ثلاثة آلاف جندي محاصرين في جيب الفلوجة، كما أصبح الخطر يحدق بالجنود المصريين المتواجدين في أسدود والمجدل، ولذلك كانت القيادة المصرية مهتمّة بإخراجهم من هناك، ما جعل مركز الشرطة لقمة سائغة للجيش الصهيوني، ولذلك أوكلت إلى قائد اللواء المدرع "شموني"، يتسحاك ساديه، مهمة تخطيط وتنفيذ هجوم حاسم وكبير، تكون فيه النصرة للجيش الصهيوني ويقضي على الحصن المنيع، الذي أصبح بعد الهجمات الأخيرة، أكثر من "غولٍ" على تلة، بل أنه تحول إلى عقبة كأداء لا يمكن تجاوزها إلا بخطة معدة جيدًا وقوة نارية رهيبة، لم يشهدها رجال الحصن من قبل، بل قل وسائل جديدة لم يعهدوها من قبل.

كان القرار أن يعطى لساديه وقت كافٍ للتحضير للهجوم على مركز الشرطة، على أن لا تكون هناك معارك أخرى في منطقة النقب، بحيث يستطيع ساديه أن يحصل على كل سلاح أو جندي يريده من أجل إتمام الحملة.

بعد أن تمت دراسة كل المحاولات السابقة، تقرر أن يكون الهجوم في وضح النهار وليس في ساعات الليل، من أجل تمكين السلاح المساعد من إصابة الهدف جيدًا. كذلك، تقرر أن ينفذ الهجوم من الناحية الغربية الشمالية، وبذلك يستعمل مبنى مركز الشرطة كغطاء للجنود المقتحمين من الأسلحة المصريّة المضادة للدروع، والمنصوبة في قرية عراق سويدان وبيت عفة. واختار ساديه أن يكون اقتحام المبنى في الساعة الرابعة بعد ظهر يوم التاسع من تشرين ثانٍ/نوفمبر 1948، وبذلك تكون الشمس مقابلة لعيون المدافعين فتبهر عيونهم وتؤثر على دقتهم في إصابة الهدف.

وكخطوة تحضيرية للهجوم، وللبحث عن وسائل تساعده في احتلال مركز الشرطة، توجه ساديه إلى معهد "وايزمان" في رحوڤوت، سائلًا عن اختراعات جديدة تساهم في تسهيل عملية الاحتلال. هناك حصل على جهاز "طورنيدو بونجولور" محمول على عجلات مع مواسير طويلة مليئة بالمتفجرات تمكنه من تفجير ثلاثة جدران أسلاك شائكة في نفس الوقت، وكذلك حصل ساديه على رصاص خاص، وقذائف متفجرة مضافا إليها غاز مسيل للدموع من أجل إطلاقه على الجنود المصريين داخل الحصن، وبذلك يشل حركتهم تقريبًا حتى وإن أصيبوا بالرصاص.

تنفيذ الهجوم الثامن على مركز شرطة عراق سويدان

اختيرت الكتيبة التاسعة من لواء "شموني" بأكملها، من أجل تنفيذ عملية اقتحام المركز، على أن تتوفر لها قوة نارية كبيرة، لم يستعمل قبلها من قبل في أي معركة سابقة خلال حرب 1948، بل قل قوة نارية تستعمل من أجل تنفيذ حملة عسكرية كبيرة وليس هجومًا على موقع واحد. كانت القوات المساعدة عبارة عن ثلاث بطاريات مدفعية ميدان، وبطارية راجمات القذائف من عيار 120 ملم، وبطارية راجمات عيار 6 إنش من أجل قصف مباشر لمبنى مركز الشرطة، و14 راجمة قذائف عيار 3 إنش مزودة بغاز مسيل للدموع. كذلك كان هناك مدفعية ميدان عيار 75 ملم، ومدفعية مضادة للدبابات عيار 6 أرطال، وعشرون مدفعًا رشاشًا مزودة بأسلحة نارية مضافًا إليها غاز مسيل للدموع.

كان على القوة المقتحمة من الكتيبة التاسعة/"شموني"، أن تندفع نحو مبنى القلعة محمولة على أنصاف مجنزرات مع خبراء متفجرات وقاذفات اللهب، وينضم إليهم فصيل دبابات من الكتيبة الثانية/"شموني" مزودة بمدافع عيار 6 أرطال. تقوم القوة المقتحمة بتفجير الأسلاك الشائكة بواسطة المواسير المتفجرة من معهد "وايزمان"، ثم تتقدم وتحدث ثغرة في مبنى مركز الشرطة وتدخل إليه وتقوم باحتلاله، وإن فشلت في إحداث الثغرة تتقدم نصف مجنزرة معبئة بطنّ من المتفجرات حتى جدار المبنى وتنفجر هناك لتدمير ما أمكن من المركز.

بدأ القصف المدفعي قبل ساعة الصفر بثماني ساعات بشكل متقطع، ثم تحول إلى قصف شديد عند الساعة الثانية ظهرًا.

احتلال القلعة وخاتمة الملحمة

قبل ساعتين من موعد الاقتحام، أصبح القصف شديدًا بحيث لم يكن مثله من قبل في حرب 1948، وخلال القصف قامت قوات مدرعة من الكتيبة الثانية/"شموني" بتنفيذ هجوم على القوات المصرية في قرية عراق سويدان، وهجوم متزامن ضد القوات المصرية المتواجدة في عراق المنشية، من أجل منع خروج أي قوات من القريتين لدعم حامية القلعة.

في إطار وصف ساديه للمعركة، يقول إنه لم يكن بالإمكان سماع أصوات عشرين مدفعًا رشاشًا من شدة القصف المدفعي وكثافته. كانت القذائف المدفعية تسقط على جدران مبنى المركز وعلى سطحه وفي داخله بدون توقف، بل أن التعليمات كانت تقضي بزيادة القوة النارية باستمرار كلما تقدمت الساعة، بحيث لا تكون هناك أي فرصة للمصريين في الدفاع عن المركز. أحدثت القذائف المدفعية ثغرات واسعة في جدران المبنى، ولكن قائد الحامية كان يطلب من جنوده سدّها بالأكياس الرملية، حتى لم يبقَ منها شيئًا. كان يريد الصمود مهما كلف الأمر.

اختفى المبنى وراء غيمة كبيرة من الغبار الناتج عن الانفجارات الكثيرة والممزوج بدخان القنابل المتفجرة والغاز المسيل للدموع. ليست هناك أية فرصة لأي كان بأن يرد على هذه النيران الكثيفة الرهيبة.

استمر هذا الحال لمدة ساعتين، وجنود حامية القلعة صامدون في انتظار تقدم القوات المقتحمة، والتي تقدمت بعدها، محمولة داخل أنصاف المجنزرات المدرعة، التي كانت خارج مرمى الأسلحة المصرية المضادة للدروع، ما أعطاها أفضلية عن رجال الحامية. قام الجند الصهاينة باستعمال الأنابيب المتفجرة التي حصلوا عليها من معهد "وايزمان"، ما أدى إلى تفجير ثلاثة جدران أسلاك شائكة معًا، فأصبحت الطريق إلى جدران المبنى فارغة أمام القوة المقتحمة، التي استطاعت سريعًا أن تصل إلى جدار المبنى، وتفجره محدثة به ثغرة كبيرة تمكنها من الدخول إليه واحتلاله نهائيًا.

في هذه اللحظات قرر قائد حامية القلعة، اليوزباشي صلاح بدر، أنّ المعركة قد انتهت وأن استمرار المقاومة سيؤدي حتمًا إلى إبادة الحامية بأكملها، فليس لها أي فرصة بقدوم نجدة مصرية، خاصة وأنّه طلب النجدة من سلاح الجو المصري، الذي لم يستجب لطلبه هذا، ولذلك قرر أن يقوم برفع العلم الأبيض، وأصبح وجنده أسرى حرب، ليس قبل أن يعبر له يتسحاك ساديه عن تقديره الكبير لشجاعة جنود حامية القلعة في الدفاع عنها طوال المدة السابقة.

سقطت القلعة التي صمدت أمام سبع هجمات عاتية، مسطرة إحدى أكبر ملاحم حرب 1948، ولولا الصمود الأسطوري للجنود المصريين في جيب الفلوجة (والذي سنأتي على ذكره في الحلقة القادمة)، لكانت قصة صمود رجال قلعة عراق سويدان، أعظم قصص النكبة على الإطلاق.

المصادر:

  1. أبراهام أيلون، لواء غفعاتي في مواجهة الغازي المصري.
  2. آڤي كوهين، سيرة سلاح الجو في حرب "الاستقلال"، الجزء الثالث.
  3. عميعاد برزنر، براعم سلاح المدرعات
  4. يتسحاك ساديه مقال في صحيفة "عل همشمار"، 30 أيلول / سبتمبر 1949، بعنوان "كيف قبض على الحصن.
  5. يتسحاك ساديه مقال في صحيفة "عل همشمار"، 30 أيلول / سبتمبر 1949، بعنوان "كيف قبض على الحصن"، الجزء الثاني.
  6. راحيل هربز وآخرون، سيرة الكتيبة 51 من لواء غفعاتي في حرب "الاستقلال".
  7. د. أوري ملشطاين، صحيفة "معاريڤ"، مقالة بعنوان: "سقط العلم المصري بعد اصابته بقذيفة: هكذا خسرت القوة العراقية بجانب نچبا".
  8. رام أورن، كتاب "الهدف تل أبيب".