9 سنوات من سفك الدماء في المجتمع العربي.. أسباب وتداعيات

9 سنوات من سفك الدماء في المجتمع العربي.. أسباب وتداعيات
74% من جرائم القتل بالمجتمع العربي تتم بإطلاق النار (تظاهرة في الناصرة - أورن زيف)

يطوي المجتمع العربي في البلاد عقدا من الزمن تميز بتفاقم أعمال العنف والجريمة، إذ أضحى سفك الدماء مشهدا اعتياديا في البلدات العربية، فيما باتت الجريمة بلا عقاب في ظل فوضى السلاح وتواطؤ الشرطة بمكافحة العنف والجريمة والتهميش الممنهج من قبل الحكومة الإسرائيلية لاحتياجات الشباب العرب.

ووسط المشهد الدموي وعجز المجتمع العربي عن لجم الجريمة الآخذة بالتصاعد بأشكال وأساليب متنوعة ومتعددة، في ظل انعدام لغة الحوار والتسامح وسطوة السلاح وأزيز الرصاص، أصدرت جمعية الشباب العرب "بلدنا"، بالتعاون مع جامعة (كوفنتري) في بريطانيا، تقريرا وبحثا إحصائيا يرصد العنف والجريمة في المجتمع العربي، على مدار السنوات التسع الأخيرة.

وتحت عنوان "تسع سنوات من الدم"، استعرض طاقم من الباحثين في التقرير الذي يبحث وينجز لأول مرة في ظاهرة العنف وجرائم القتل بالمجتمع العربي، بين السنوات 2011 - 2019، وذلك عبر السعي لفهم خصائص انتشار هذه الظاهرة من خلال معرفة الأرقام والإحصائيات الحقيقية عن الضحايا.

كما سلط التقرير الضوء على الشرائح الاجتماعية المستهدفة وأعمار الضحايا، وأماكن انتشار جرائم القتل، والأدوات التي استخدمت في العنف والجريمة، وذلك على ضوء شح المعلومات والإحصائيات الرسمية التي من المفترض أن توفرها الشّرطة الإسرائيلية بما يتعلق في تفشي وانتشار الظاهرة.

تواطؤ الشرطة في مكافحة العنف والجريمة بالبلدات العربية

وأعد التقرير طاقم من الباحثين هم: د. مروان درويش، ووئام بلعوم، ونداء نصار، وخالد السيد، ود. حنين مجادلة، وخليل غرة، وشهرزاد عودة وأمير عودة، إذ عمل طاقم البحث على إنجازه على مدار العام الأخير، ليكون التقرير نواة الأساس ومرجعية لأبحاث وأوراق تدرس أبعاد الظاهرة، اجتماعيًا وسياسيا واقتصاديا، إذ يتطلع فريق البحث لإصدار أوراق إضافية تدرس طبيعة الظاهرة وخلفيتها ودوافع وأسباب انتشارها، وكذلك تداعياتها وسبل كبحها.

معطيات وإحصائيات

استعرض طاقم البحث المحاور والمعطيات التي وثقها التقرير والنقاط التي سلط الضوء عليها والفرضيات والمعلومات الجديدة، والتي خلصت إلى أن فوضى السلاح وإطلاق النار من أهم الأسباب لجرائم القتل، واتضح أن 74% من الجرائم نفذت باستخدام السلاح وإطلاق النار، يليها استعمال السلاح الأبيض والطعن بنسبة 14%، إذ أن المعدل السنوي هو 64 جريمة، علما أنه خلال العام 2019 سجلت 85 جريمة.

ويقع الجيل الشاب في دائرة الاستهداف ودوامة العنف والجريمة، إذ يستدل من التقرير أن نحو 51% من الضحايا والقتلى هم من شريحة الشباب حتى جيل 30 عاما، وذلك بنسبة 42% من مجمل أعداد القتلى، وفي تعداد القتلى الإناث يظهر أن أكثر من 50% هن من جيل الشباب، إذ وصلت نسبة القتيلات حتى عمر 34 عاما ما يقارب 53%.

وشهدت السنوات الأخيرة ازديادا في أعداد ضحايا العنف والجريمة في المجتمع العربي، وتجاوزت نسبة القتل عام 2018 لدى العرب في البلاد 5 أضعاف نسبة القتل في الضفة الغربية، و8 أضعاف من نسبتها في أوساط اليهود.

وتبين في التقرير أن نسب العنف والجريمة والقتل مرتفعة في كافة المناطق العربية، مؤكدا أن التقرير بيّن أن النسبة مرتفعة بشكل خاص في منطقتي وسط البلاد 156 قتيلا لكل 100 ألف مواطن، والمثلث الجنوبي 88 قتيلا لكل 100 ألف مواطن، بينما شهدت منطقة الشمال والجليل تصاعدا في السنة الأخيرة، وارتفعت نسبة القتل فيها بـ243% في عام 2019، إذ سجلت 24 جريمة قتل مقارنة 7 جرائم قتل في العام 2018.

أسباب وتداعيات

وعن أسباب ودوافع انتشار ظاهرة العنف والجريمة، قال مركز البحث، وئام بلعوم، لـ"عرب 48"، إن "السياسات الحكومية التمييزية والعنصرية ضد العرب في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كانت من أبرز الدوافع والأسباب التي وفرت بيئة حاضنة للعنف والجريمة البلدات العربية التي تحولت إلى غيتو، على هامش المجتمع الإسرائيلي".

ورأى بلعوم أن "خطة رئيس الحكومة سابقا، أريئيل شارون، بين الأعوام 2004 - 2005 لمكافحة الجريمة المنظمة بالبلدات اليهودية كانت أحد المُسببات لانتقال نشاط هذه العصابات وتفشي العنف والجريمة في المجتمع العربي، والذي شهد في حينه فرصا في التجارة والنمو الاقتصادي".

وأوضح بلعوم لـ"عرب 48" أن "الفرص الاقتصادية وضخ أموال القروض بالمجتمع العربي تحولت إلى مرتع للتنافس والصراع على المال ولمصادر الأموال، خاصة في القطاع الخاص والسلطات المحلية، وذلك بعد أن أغرقت البنوك التجارية المواطنين العرب بالقروض وعجزهم على السداد لاحقا، في الوقت الذي واصلت الحكومات المتعاقبة اعتماد سياسة إفقار العرب وتهميش احتياجاتهم".

تحولات وتغييرات

وأعرب بلعوم عن اعتقاده بأنه "يجب النظر إلى ظاهرة العنف والجريمة والتعامل معها من منظور مجتمعي وسياسي واقتصادي، وهي مؤشر خطير للتحول والتغييرات التي يشهدها المجتمع العربي في العقد الأخير، إذ لا يمكن فصل الأزمة الاقتصادية والقروض الربوية والسوق السوداء وظاهرة الإتاوة (الخاوة)، كمغذيات للعنف والجريمة، عن الاكتظاظ السكاني وقضايا الأرض والمسكن والتضييق على الحيز المعيشي العام في البلدات العربية".

وئام بلعوم، الباحث في جمعية الشباب العرب "بلدنا"

وأشار الباحث إلى "التحولات في المجتمع العربي وتراجع دور الأحزاب والحركات السياسية وجمعيات المجتمع المدني وغياب دور العائلة في التأثير والتنشئة المجتمعية، وهي عوامل ساعدت على انتشار العنف والجريمة، خاصة وأن الشرطة الإسرائيلية أطلقت العنان لفوضى السلاح وحددت الإطار والمكان والحيز العربي الذي يسمح فيه إطلاق النار وارتكاب جرائم القتل، ودور الشرطة بالوساطة لفض النزاع والامتناع عن مواصلة الشكاوى عندما يكون المدعى عليه منتميا لعصابات الإجرام".

وعن أسباب انتشار العنف والجريمة بين الشباب، سواء كضحايا أو حتى كمنخرطين بدوائر العنف، قال بلعوم إن "الفرداينة والاهتمام بالفرد وليس بالمجموعة وتهميش النشء حتى من مرحلة المدارس، والتوجه نحو الدعم والاستثمار بالشخص المجتهد وصاحب التحصيل الدراسي العالي، على حساب الشخص الضعيف والمهمش اجتماعيا واقتصاديا، حفز الجيل الشاب للبحث عن ذاته بالمجتمع من خلال القوة، عبر التوجه إلى عالم الجريمة الذي يوفر إمكانية الحصول على الأموال بسهولة".

تحليلات وتفسيرات

وسعيا للوصول إلى معلومات حول الضحايا، أوضح المحاضر في جامعة جامعة (كوفنتري) البريطانية، د. مروان درويش، أن "فريق البحث دأب على التفتيش والاستقصاء في عدة مصادر، ولجأ إلى عدة مصادر وأبرزها الإعلام المحلي ومعلومات جمعتها مؤسسات وجمعيات عربية والمركز العربي للمجتمع الآمن (أمان)، وأخرى صادرة عن وزارات ومؤسسات حكومية رسمية، علما أن الشرطة الإسرائيلية لا توفر معلومات كافية عن العنف والجريمة ومعطيات حول الضحايا".

وقال د. درويش، لـ"عرب 48"، إن "كل ما كتب عن العنف والجريمة بالمجتمع العربي كان في سياق تحليلات وتفسيرات، ولكن غالبا لا تعتمد على إحصائيات ومعلومات أو مشاهدات أو مقابلات مع عائلات الضحايا ومن تضرر، وحتى الآن لا توجد دراسة بحثية شاملة مبنية على المقابلات والإحصائيات".

د. مروان درويش، المحاضر في جامعة كوفنتري في بريطانيا

وأكد أن "الأهم في التقرير الذي قام بتحضيره مع جمعية (بلدنا) هوأنه لأول مرة يصدر تقرير يعتمد على شهادات ومعلومات من عائلات الضحايا، علما أنه لا يوجد إحصاء حكومي رسمي يمكن من خلال فهم ظاهرة العنف والجريمة وتداعياتها على المجتمع العربي، إذ يظهر بأن القروض الربوية من السوق السوداء غذت الظاهرة وحوّلت أي خلاف مالي بسيط إلى نزاع وشجار، ولغة إطلاق النار هي سيدة الموقف".

سياسي وسوسيولوجي

وأعرب درويش، وهو من سكان أم الفحم ومقيم في بريطانيا، عن اعتقاده بأنه "لا يمكن فهم ظاهرة العنف والجريمة دون مواصلة البحث بكل ما يتعلق بمستقبل ومصير الفلسطينيين في الداخل، علما أن الأبحاث التي تتعامل مع الظاهرة من منظور سياسي وسوسيولوجي ما زالت قليلة جدا ومحصورة، إذ لا يمكن الاعتماد على معطيات مركز الأبحاث في الكنيست وحتى إحصائيات الشرطة الرسمية، والتي تبدو منقوصة، وتتكتم على إحصائيات وواقع العنف والجريمة عند العرب".

وأبدى المحاضر في الجامعة البريطانية قلقه من "انتشار العنف والجريمة في أوساط الجيل الشاب، وأيضا ازدياد جرائم القتل في كبرى المدن العربية والمدن الساحلية"، محذرا من "المعطيات التي تشير إلى أن نحو 51% من الضحايا من جيل 19 إلى 30 عاما، كما يظهر ارتفاع بمعدلات انخراط الشباب بمنظمات الجريمة".

وأوضح أن "الجميع يتساءل ما الذي يدفع الشاب للتوجه نحو حيازة الأسلحة والانخراط بالعنف والجريمة؟ ويتضح أنه في ظل غياب لغة الحوار وتراجع دور القيادات التقليدية ووفقا للاعتقاد الدارج أن لغة القوة والعنف هي الشيء الوحيد لحل المشاكل الداخلية وفض النزاعات في البلدات العربية".

تناقضات ومقارنات

وفي ظل المشهد الدموي والتناقضات الداخلية في المجتمع العربي وتراجع دور الأحزاب وغياب الأطر الشبابية وانعدام الأطر الثقافية والاجتماعية التطوعية، وقلة عمل ونشاط جمعيات المجتمع المدني، ومع انتشار السلاح وإطلاق النار وغياب سلطة إنفاذ القانون وتواطؤ الشرطة، تساءل درويش عن مصدر السلاح؟ كيف وصل إلى أيدي الناس؟ من المستفيد من فوضى وتجارة السلاح في البلدات العربية؟ كيف تفسر السهولة بالحصول على السلاح واستخدامه دون أي رادع؟

وأكد الباحث بأن "الإجابة على هذه الأسئلة بحاجة لأبحاث معمقة، وبأن جمعية (بلدنا) ستعمل مستقبلا على إصدار أوراق بحثية في هذا المجال والفحص بعمق الجهات التي تروج لتجارة السلاح، وأيضا فحص دور الفكر السياسي والسياسات العنصرية التمييزية ضد المواطنين العرب وطبيعة الدولة الاستعمارية كطريقة للسيطرة على المواطنين العرب، وإجراء مقارنات بحثية بين واقع الأقلية الفلسطينية وأقليات أصلانية في نيوزيلندا وبريطانيا، وذلك من أجل تقديم رؤية للحلول".

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"