خاصّ | معاناة النساء في ظلّ جائحة كورونا على لسان ضحاياها

خاصّ | معاناة النساء في ظلّ جائحة كورونا على لسان ضحاياها
(توضيحية - تصميم "عرب 48")

في حين طال الحديث في ظل جائحة فيروس كورونا المستجد عن البطالة والفقر في البلاد، ووضع التعليم، والطواقم الطبية ودور أفرادها البطوليّ، وغيرها من المواضيع؛ لم يُسلَّط الضوء بشكلٍ كافٍ على قضايا النساء في ظل كورونا بشكل عامّ، والأمّهات العاملات بشكل خاصّ، أولئك اللواتي انتقل عملهن للمنزل، في الوقت ذاته الذي قبع أطفالهن فيه، نتيجة الإغلاق وتغيُّر نمط التعليم ليصبح عن بُعد. هؤلاء هن الجنديات المجهولات اللواتي دفعن ثمنًا غاليًا لم نعرف مقداره بعد، كما لم نعرف بالضّبط مقدار تقهْقُر مكانة المرأة في سوق العمل.

تراجع وضع الكثير من النّساء في ظلّ الجائحة، على الصعيد الماديّ، والنفسيّ، والاجتماعيّ، بغضّ النظر إذا كنّ متزوجات أم لا، فكم بالحريّ إذا كنّ معيلات وحيدات مطلقات أو أرامل؟ هذا بالإضافة إلى أن بعضا منهنّ يعاني من تعنيف مستمرّ.

للحديث أكثر عن المشاكل التي تواجهُ النّساء بعامّة ولا سيّما في ظلّ الجائحة، يسلّط موقع "عرب 48" الضوء، على قصصِ نساء ثلاث، قررت كلّ منهن أن تشارك قصّتها، لتتحدث عن تجربتها قبل بِدء الجائحة وخلالها، ليسردنَ بذلك أحداثا عانينَ منها، ومواقفَ لا تُنسى، لتكون كلماتهنّ التالية، التي نقلتها المخرجة، سهى عرّاف، بعد محاورتهنّ، عبارة عن شهادات نسائيّة في ظلّ الجائحة؛ شهاداتٌ جريئة وصريحة، وبعضها قاسٍ جدًا.

الشهادة الأولى:

اسمي منار دراوشة، أبلغ من العمر 32 عاما من قرية إكسال، أعمل محامية، وأنا أم لطفلين؛ حسين الذي يبلغ من العمر 9 أعوام، وسيلين ابنة الـ7 أعوام. أنا مُطلّقة منذ عامين، وأسكن في منزل بالإيجار مع أولادي في قريتي إكسال.

تزوجت حينما كان عمري 22 عامًا. كنت قد أنهيت التعليم لكن حينها لم تكن بحوزتي رخصة مزاولة المهنة لأنني لم أتدرّب، كما لم أُقدِّم الامتحان النهائي. تعلمت في كليّة في تل أبيب. أنا من عائلة ميسورة الحال وعادية، أبي كان معلم مدرسة وأمي ربة منزل، وفي الفترة التي كان أخوتي يدرسون فيها، عملت في شركة ’سيلكوم’ وعملت بائعة في حوانيت الملابس، لأساعد أبي في تعليمي، لأن قسط التعليم في الكلية كان مكلفًا جدًا، ووصل إلى 32 ألف شيكل.

كانت جميع صديقاتي وزميلاتي في العمل، مرتبطات، لذا كُنت دائمة السؤال عن سبب اختلافي عنهن، الأمر الذي شكّل عليّ ضغطًا اجتماعيا، ورغم أنني متعلمة، إلا أنني شعرت بالنقص، لكنني سعدت بعد ذلك، إذ إن زميلتي عرّفتني على شاب من الناصرة، اعتقدت أنه إنسان جديّ، ولا سيّما أنه تقدم مباشرة لخطبتي، ما أسعدني رغم أنه لم يكن لدينا مُتّسع من الوقت للتعارف، لكنني رأيت أن العريس متعلم ومقتدر ماديًّا، كما أنه من عائلة طيبة ومحترمة، وبعد 3 أشهر تزوجنا. حدث كل الموضوع بسرعة البرق، وحتى هذه اللحظة لا أعرف كيف تزوجته. كان يكبرني بست سنوات وسبق له أن خطب مرّتين، وأهله ضغطوا علينا كثيرًا لكي نتزوج بسرعة.

منار دراوشة

قررت الانفصال عنه بعد فترة بعدما عانيت التعنيف مرارًا، وحتى الآن هناك آثار وندبات على جسمي من العنف الذي تعرضت له، وقررت الانطلاق في حياة جديدة مع أبنائي حسين وسيلين.

تحسّن وضع أولادي جدًا بعد أن انتقلنا للسكن وحدنا، وفهمت حينها أن هذه هو الأهم، وكل شيء دون ذلك غير مُجدٍ. اليوم أنا أساعد أهلي الذين ساعدوني. صحيح أنني لا أركب سيارة جديدة، ولا أملك منزلا خاصًّا بملكيّة خاصة، لكنني سعيدة، فاليوم أنا شريكة في مكتب للمحاماة في حيفا، كما أنني أمثّل أحد البنوك، وبنيت اسمي كمحاميّة ناجحة.

كنت سعيدة ببيتي الصغير وتحسُّن حالة أبنائي، حتى بدأت جائحة فيروس كورونا.

ورغم أن الفترة الأولى من جائحة كورونا كانت رائعة، ولا سيّما أنني استطعتُ المكوث في المنزل لساعات أطول، أقضيها بجانب أبنائي، إلا أن ذلك تغيّر، إذ إن المشكلة تكمن في الإغلاق الثاني الذي اعتقدتُ أنه سيكون أسهل من سابِقِه.

لم أستطِع أن أوفِّق بين عملي، وكل المهام المنزلية، وتدريس الأولاد الذين عاودوا الدراسةَ عن بُعد عبر تطبيق "زووم"، وبخاصة أن والدي مرِض في هذا الفترة، ما حال دون أن يستطيع هو أو أمي، مساعدتي.

في بعض الأحيان، أشعر أنني أنهار، كما أنني مررت بكثير من المواقف المحرجة، ووصل بي الحال حتى أنني اضطررت لأخذ أبنائي معي إلى المحكمة لأنني لم أجد من يعتني بهم. أذكر أن ابني طلب مني خلال إحدى مرافعاتي في المحكمة، الدخول للحمام لكي يقضي حاجته.

زملائي في العمل غير راضين عن عملي في هذه الفترة، ومن الصعب عليهم تفهُّم وضعي كمُعيلة وحيدة محصورة في المنزل مع طفلين، كما يقول لي شركائي في العمل إنه يتحتّم علي أن أجد حلَّا في ما يتعلّق بالأطفال، وأن أولي أهمية أكبر للعمل، وأنا لا أستطيع أن أكون عاطلة عن العمل، إذ إنه لا يوجد معيل غيري لأسرتي الصغيرة، وإذا لم أعمل سنموت جوعًا.

ولكي أستطيع الاستمرار، لا أفكّر في الغد، وأعيش كل يومٍ منفردًا؛ أبني برنامجًا يوميًّا وأحاول تحقيقه والالتزام به، كما أحاول دوما أن أشغل أبنائي، لكي أحافظ على صحتهم النفسية.

أنا أعاني، وأعيش مأساة يومية؛ مأساة اقتصادية، وأخرى نفسيّة.

الشهادة الثانية:

اسمي إيناس صالح، أبلغ من العمر 36 عامًا، أنا من الناصرة لكنني أقيم في يافة الناصرة منذ 14 عامًا، لديّ 3 أبناء الكبرى 12عامًا، وابن يبلغ من العمر 11 عامًا، وطفلة في الخامسة من عمرها. أنا عاملة اجتماعية، كنت أعمل مركّزة قطرية لمشروع خدمات لأشخاص مع إعاقة وعائلاتهم في موضوع تحصيل الحقوق في مؤسسة "تجويند"، وزوجي استمر بالعمل طيلة فترة كورونا.

انتقل عملي إلى المنزل منذ بدء جائحة كورونا، وكان هذا صعبًا عليّ جدا، وأكملت عملي كجزء من واقع فُرض علينا، ولم أستطع أن أقوم بكل شيء، فالمسؤوليات كثيرة، ومن الصعب أن أقوم بكلّ شيء، وبخاصة في ظلّ هذه الظروف الاستثنائية التي تفاقمت تدريجيا، مُسببةً بي صراعا دائما مع الوقت، ومحاولة الحفاظ على توازن بين عملي، وبيتي وأبنائي، لذا فقد كنت أشعر بإرهاق كبير وصداع من فرط الضغط، ووصلت إلى مرحلة بِتُّ فيها أحاول أن ألغي اجتماعات العمل التي كانت تُعقد عبر تطبيق "زووم"، والتي كانت تسبب لي كثيرًا من الإحراج، بسبب أبنائي، والمواقف التي قد تحصل في أيّ منزل.

اعتقدت في البداية أنه بإمكاني أن أدير اجتماعاتي كل يوم بشكل عادي من المنزل، وكأني أعمل من المكتب، لكنني أدركتُ مع مرور الوقت، أنه من المحال أن أستطيع تحمُّل كل هذا الضغط، ما دفعني لتقليص عدد اجتماعات العمل بشكل تدريجيّ حتى وصلت إلى اجتماع يوميّ واحد، فقد كان الأمر صعبا عليّ جدا، جسديًّا ونفسيًّا، إذ أنني عانيت من أوجاع في الظهر والرقبة، حتى انتهى بي المطاف أنني لازمت فراشي أسبوعًا كاملا نتيجة آلام الرقبة.

شعرت بالفزع لأنني لم أكن أسمح لأبنائي أن يستعلموا هواتف طوال الوقت، وفجأة أدمن الأولاد الأجهزة الإلكترونية، وبالطبع كان للجائحة وتبعاتها دورٌ في ذلك، فتارة يُعلنون إغلاقا، وتارة يُغلقون المدارس، كما ساهم في ذلك التعليم عن بُعد، الذي أجبرهم على البقاء ساعات أمام الأجهزة. ربيت أبنائي بطريقة معينة، وفجأة هناك حدود تجاوزوها، وشعرت حينها بأنني فقدت السيطرة عليهم، وأنني أخسرهم.

إيناس صالح

كنتُ بمثابة قنبلة موقوتة، في ظلّ محاولاتي أن أجمع بين إخلاصي لعملي، وبين بيتي وأبنائي، لذا فقد كنتُ أفقد أعصابي بشكل دائم، كنت أصرخ وأبكي، حتى أنني لم أتقبل أيّ ملاحظة أو كلمة من شريك حياتي، لدرجة أن أبنائي كانوا مصعوقين من عصبيّتي وانهياري، كما أنني تفاجأت من نفسي كذلك، إذ أنني اكتشفت جوانب في شخصيّتي لم أعرفها من قبل، فذُعِرت من نفسي وصُدمت، فلطالما ظننت أنني قوية ومفعمة بالطاقة، وأن لي قدرة كبيرة على التحمُّل، إلا أنني وبشكل فجائيّ، لم أستطع أن أحتوي الوضع، رغم أنني عاملة اجتماعية ولدي خبرة وأدوات في التعامل مع الأزمات.

كان الكل يعتبرني إنسانة ناجحة وقوية، لكنني فجأة شعرتُ بأنني لستُ هذه المرأة التي يراها الجميع قوية، فلم أستطع القيام بعملي كما يجب ولم أستطع احتواء الضغط الذي أعيشه، وشعرت بأنني فاشلة في عملي، وفاشلة كأم وكزوجة.

كنت أنهار بشكل شبه يوميّ وأصرخ، ليقف زوجي مصدومًا ومذهولا. لم يستوعب معاناتي وكان يقول لي أنت غير طبيعية، ولم يعرف كيف يتعامل معي، لذا شعرت بوحدة قاتلة، وأنني أواجه الأزمة وحدي، والشعور الأصعب كان خيبتي الثقيلة من نفسي، وكان شعوري بالعجز صعبًا جدا.

قررت الاستقالة من عملي، وبخاصّة أنني رأيتُ أن حالة أبنائي تتردّى، ولا سيّما ابنتي التي تحتاجُ احتواءً دائما، بما أنها تمرّ في بداية جيل المراهقة، وجاء قرار استقالتي لأنني رأيتها تنهار، وشعرت أنها عاجزة، ولم أقبل أن أتركها في هذا الوضع بأيّ حال من الأحوال، كما أنني باستقالتي، أخفّف بعض الضغط عنّي، إذ إنني لا أريد أن يراني أبنائي بهذه الصورة؛ أمٌّ تصرخ وتبكي ومنهارة وفاقدة لأي قدرة على السيطرة.

أحيانا كنت أخرج من البيت بحجة شراء الخبز لكنني أخرج لأتنفس بعض الهواء كي لا أصاب بالجنون.

لم يشجعني أحد أن اترك عملي، وبخاصّة أن البطالة مستشرية، وبالتالي قد لا أجد عملا بسهولة، لذا فقد حذّرتني أمي وزوجي كذلك، من هذه الخطوة، لكنني رأيتُ أنني إذا لم أترك عملي سأخسر نفسي وأولادي وعقلي، وهكذا فعلت، كما قمتُ بتقليل التزاماتي الماديّة بقدر ما أستطيع، لكنني في الفترة الأخيرة أدركت أن راتب زوجي غير كافٍ لكي يعيلنا جميعا، وشعرت بالضغط مرّة أخرى! أريد عملا لا يتطّلب الكثير من الجهد والوقت، عملٌ مستقل لا يتطلب مني سوى ساعات قليلة.

شعرت أنني تهاويت خلال أزمة كورونا، ولكلّ شيء ثمن؛ فضّلت أن أتنازل عن راتب ثابت ودخل جيد لكي ’أشتري’ نفسي وبيتي وأبنائي. ورغم أن قراري لا يخلو من المخاطرة، إلا أنني مقتنعة به.

الشهادة الثالثة:

اسمي حنان مرجية. أبلغ من العمر 37 عامًا. أنهيت دراسة اللقبين الأول والثاني في كليّة الحقوق بجامعة حيفا، وأعمل محاميّة. وفي الوقت الحاليّ أعمل مركِّزة مرافِعة وممثّلة للنساء في جمعية "نساء ضد العنف". لدي ابنان، يبلغ الكبير 7 أعوام من عمره، فيما يبلغ الأصغر 4 سنوات من العمر. أعيش بين الناصرة وعبلين. تزوجت عام 2010 لكن شاءت الأقدار أن يخطف الموت زوجي بعد 5 سنوات من زواجنا، وحينها لم يكن ابني البِكر قد بلغ الثانية من عمره، إذ صادف عيدُ مولِده بعد 4 أيام من وفاة زوجي، وكنتُ حينها حاملا بطفلي الآخر.

كانت وفاة زوجي صعبة جدًا عليّ، ويصعب وصفها بكلمات، ولا سيّما أنني تعرّفت عليه في فترة صعبة جدا، وكان ذلك حينما أجرى أبي عمليّة في القلب، أجبرَته على المكوث في قسم الطوارئ في المشفى، حيث تعرّفت هناك على زوجي لؤي الذي كان يقدّم متطوّعًا، الدعم النفسي لعائلات المرضى وخصوصا العائلات العربية التي خضع أحد أفرادها لزراعة القلب، ولا سيّما أنه كان بمثابة مثال حيّ على نجاح العملية وعلى تحسّن صحة المرضى، بعد أن أجرى في عام 2008 عملية زرع للقلب.

قدّم لؤي الدعم والتشجيع لي، حتّى أنني شعرت بأنني أعرفه من قبل، وكنت على يقين أنني سأتزوّجه، إذ تطوّرت علاقتنا سريعا، وفعلا هذا ما كان، قررنا أن نتزوّج، وتوفي والدي قبل شهر من موعد زواجي، لذا أجّلنا العرس.

حنان مرجية

عن طفل يسأل: أين أبي؟

وفي أوّل عامين من عملية زراعة القلب، كانت صحّة لؤي جيّدة جدًا، ولكنه بدأ يشعر بالتعب، وتبيّن أن جسده رفض القلب المزروع، وكانت تلك حالة غريبة، أجبرته على المكوث في قسم العناية المكثّفة، كما أنه اضطر لزيارة المستشفى مرّات عديدة بعد زواجنا، وكان من الواضح أنه شيئا ما سيحدث في مرحلة ما، ولكن رغم ذلك، كان موته مفاجئًا لأنه تعرّض لسكتة قلبية وتوفي بعد أسبوع.

موته حطّمني، فلم يكن لؤي زوجي فقط، بل كان صديقي المقرّب كذلك، كما أن كلانا أبناء نفس الجيل ولدينا نفس الاهتمامات والتوجهات، لذا كان رحيله صعبًا جدا، ولا سيّما أن ابني الذي لم يكن قد بلغ العامين من العمر، كان متعلقا جدا بوالده وطوال الوقت كان يسألني عنه، وهذا من أصعب الأمور التي واجهتها في حياتي، وكانت أكثر صعوبة حينما كنا نذهب لزيارات عائلية مثلا، فيقول لي ابني حينها: هل سيأتي أبي معنا؟

من الصعب بمكان، وصفُ الشعور بكلمات، فهذا الموضوع كسرني ولم أعرف كيف أتعامل معه. من الصعب أن تنظري إلى ابنك وهو موجوع، دون أت يكون لديكِ الاستطاعة على مساعدته، وبالإضافة إلى ذلك، اضطررت لإكمال بناء منزل خاصّ كنا قد بدأنا ببنائه حين كان لؤي حيًّا، كما أنني خضت تجارب قاسية عديدة، فقد كنت حاملا في ذلك الحين، ونصحني الأطباء أن أجهض الجنين، بعد أن أظهرت بعض الفحوصات أن الطفل بن بُولد سليمًا معافى، إلا أنني لم آخذ بنصيحتهم، ورفضت إجهاض الجنين لأنه قطعة من زوجي الذي فقدته، وتبين بعد فترة أن الجنين سليم، فأنجبته وأسميته على اسم والده؛ لؤي.

"جاءت الجائحة"

أنا من النوع الذي أتأقلم مع الظروف لكن جاءت جائحة كورونا، ففاقمت شعوري بالإحباط. أنا مشتاقة ان أعيش حياة طبيعية، أن يكون لدي فصل ما بين ساعات العمل والساعات التي أقضيها في المنزل مع أبنائي. أنا محبطة جدا جدا، رغم أن إدارة مكان عملي، متفهّمة جدا وداعمة، لكنني رغم ذلك أشعر بتعب وإرهاق كبيرين.

شاركت في جلسة مهمة في الكنيست للجنة مناهضة العنف في المجتمع العربي عبر "زووم"، وكانت مداخلتي مهمة جدا نظرا لأن الجلسة كانت تتحدث عن العنف ضد النساء في المجتمع العربي، وكان يُفترض أن أمثّل جمعية "نساء ضد العنف" التي أعمل معها، غير أنني لم أفلح في ذلك، إذ أن دوري فاتَ مرّتين، لم أستطع خلالهما المشاركة، ففي الأولى كاد يختنق طفلي أثناء الأكل، ما أجبرني على الاهتمام به على حساب المحادثة، وفي الثانية كنت أصرخ على ابنايَ اللذيْن كانا يصدران ضجيجا، ويصرخان بطريقة هستيريّة، والأنكى من هذا كلّه أن جميع المشاركين في المحادثة سمعوا ذلك، ما سبّب لي حرجا كبيرا، وبخاصّة أن عددا من أعضاء الكنيست، بالإضافة إلى ناشطين وناشطات اجتماعيين، يعرفونني شخصيًّا.

شعرت بأنني خذلت مكان عملي، الذي كان يتوجّب عليّ أن أمثّله خلال الجلسة. وحتىّ الآن أعاني من الرهبة في كلّ مرة أشارك فيها بمحادثة مماثلة، خوفًا من تكرُّر نفس الموقف.

بشكل عام، أشعر أنني إنسانة قوية، لكنني أتمنى أحيانا أن يكون هناك أي إنسان أستطيع الاتكال عليه، وأن يكون مع ولداي حين أكون مُجبرة للمشاركة في جلسة عبر "زووم".

وفي ظلّ جائحة كورونا، تلاشت ساعات الراحة بالنسبة لي، ولا سيّما أنني ألعب دور الأب والأم مع ابناي، ولا أعلم كيف مرت السنوات وأنا أربّيهما وحيدةً، ما أذكره هو قلّة النوم والإرهاق المزمن.

فترة كورونا تُعدّ بالنسبة إليّ مأساة حقيقية، كما أن حياتي وبرنامجي اليومي تشوّشا، وتداخَل النهار والليل ع بعضهما، واختلفت ساعات النوم، وساعات العمل. نحن ندفع الثمن كنساء، والتحديات كبيرة جدا.

كلّ يوم هو تحدٍّ، كل يوم هناك شيء جديد، كل يوم أواجه صعوبة، أنا ضائعة الآن، وشعرت فعلا معنى أن تكون أبًا وأمًّا في الوقت ذاته.

من حُسن حظي أنني أعمل في جمعية نسوية متفهمة جدا لوضع النساء، لكن أغلب أماكن العمل تطالب النساء بملائمة أنفسهن مع مكان العمل، لكن جاء الوقت لخلق أماكن عمل دافئة للنساء لأننا قوة عمل كبيرة في السوق، وعلى أماكن العمل ملائمة نفسها تِبعًا لذلك.

أحيانا أشعر أنني سوف أنهار لكنني أتأقلم مع الوضع وأجد أطرا بديلة، وأدركت أنه يجب أن أساعد نفسي لوحدي، فلا أحد بمقدوره أن يساعدني. لستُ مسكينة، هذا قدري وعلي التعامل معه، لا أن أجلس وأبكي على نفسي، لذا أحاول أن أعيش حياتي من أجلي وأجل ابناي الذي يتوجّب عليّ ألّا أُشعِرهم بأنهم دون أب. لا أستطيع أن أكون إنسانة كاملة، فهمت أنني لا أستطيع أن أعمل كل شيء، وإدراك أنكِ لستِ مثالية وليس بمقدورك أن تقومي بكل واجباتك بشكل كامل، يساعدك على الاستمرار.