الخطة الحكومية لمكافحة الجريمة بالمجتمع العربي: مضامين ومحاذير

الخطة الحكومية لمكافحة الجريمة بالمجتمع العربي: مضامين ومحاذير
من مظاهرة مجد الكروم (رشوان حمدان)

للاطلاع على ملفّ العنف والجريمة الذي نشره موقع "عرب ٤٨" في كانون ثانٍ/يناير الماضي، بعنوان "الإجرام المنظّم: دولة داخل دولة" اضغط/ي هنا


غاب العربُ، مهنيّين ومختصّين، عن الخطة الحكومية لمكافحة العنف والجريمة في المجتمع العربي التي أعدتها لجنة خاصة من مديري وزارات بالحكومة الإسرائيلية، وجاء تشكيل اللجنة بقرار من رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عقب المظاهرات التي شهدتها البلدات العربية العام الماضي 2019، احتجاجا على تفاقم العنف والجريمة وغياب سلطة القانون وتواطؤ الشرطة وتقاعسها عن مكافحة جرائم القتل في المجتمع العربي.

وسط هذا التغيب للطواقم المهنية العربية، تسابق الحكومة الإسرائيلية الزمن لفرض مسودة الخطة المقترحة والممتدة على 76 صفحة والشروع في تنفيذها في البلدات العربية، حتى دون استخلاص العبر من خطة شبيهة بالأهداف المعلنة من العام 2016 لوزير الأمن الداخلي في حينه، غلعاد إردان، التي ركزت على فتح مراكز للشرطة في البلدات العربية، وتجنيد المزيد من الشبان العرب للعمل والتطوع في صفوفها، على أن يتم تمديدها 5 سنوات ضمن مسودة الخطة الحكومية لمكافحة العنف والجريمة.

وفق إحصائيات حتى كانون الثاني/ يناير 2020
وفق إحصائيات حتى كانون الثاني/ يناير 2020

وإن دوى فشل خطة العام 2016 دون أن تحقق حتى أهدافها المعلنة من وجهة نظر الحكومة الإسرائيلية التي أوصت برصد نحو 600 مليون شيكل لفتح مراكز للشرطة، وهي الميزانيات التي تراجعت عنها الحكومة وعمدت على تقليصها، جاءت خطة 2020 وسط تفاقم العنف والجريمة وتسجيل جرائم قتل بمستويات ومعدلات سنوية غير مسبوقة، ولعل الأبرز هو حضور عصابات الجريمة المنظمة التي باتت تهيمن على مفاصل الحياة الاجتماعية، والاقتصادية والتجارية في البلدات العربية.

تهميش واندماج

في ظل التعقيدات وتشابك الأسباب والمسببات لظاهرة العنف والجريمة، وخلال مرحلة تحديد العوائق والتوصيات للعمل من قبل الطاقم الحكومي، جرى تقسيم العمل إلى مستويين، مستوى الجريمة الخطيرة والمنظمة ومستوى العنف، هذا مع الإشارة إلى أن المستويين ارتبطا فعلًا ببعضهما البعض، لكن الطاقم الوزاري رأى أنه "يجب توفير إجابات مخصصة ومختلفة لكل مستوى".

عشرات جرائم القتل بالبلدات العربية دون أن تفك الشرطة رموزها

وبعيدا عن الاندماج، وفي تلميح من قبل الطاقم الذي أعد الخطة بأن العنف والجريمة بالبلدات العربية من شأنه أن يهدد ويتمدد إلى البلدات اليهودية، رأت الخطة أن آثار العنف والجريمة تمس وتضر بالمجتمع العربي عموما وليس فقط بالبلدات العربية التي طالها، إذ إن آثار الجرائم الخطيرة تغلغلت أيضا بالمدن المختلطة وهي تمس بشكل صارخ بالأمن الشخصي للمواطنين، وعليه أوصى الطاقم الحكومي بتنفيذ وتطبيق خطة مكافحة العنف والجريمة بالبلدات المختلطة أيضا.

وبين التغييب والتهميش، وجد المجتمع العربي بقياداته وأحزابه السياسية وأطره ومؤسساته وجمعياته المدنية نفسه في دوامة القبول والرفض للخطة الجديدة التي وإن بدت للوهلة الأولى تحمل في طياتها آليات ومقترحات وأدوات للحد من العنف والجريمة، لكنها تبدو غير كافية ولا تمنح الحلول الجذرية للتخلص من أسباب العنف والإجرام والقضاء عليها، ثم أن الخطة المقترحة تشمل الكثير من المطبات، وتوجب الأخذ بالمحاذير السياسية والوطنية.

عوائق ومحاذير

أبرز الأمور الخطيرة في الخطة المقترحة تنصل الحكومة الإسرائيلية من مسؤولية المشهد الدموي الذي يعيشه المجتمع العربي وتحميل الضحية كامل المسؤولية عن الأسباب والمسببات والواقع العنيف، والترويج لمشاريع الأسرلة والاندماج بالمجتمع الإسرائيلي، إذ ينظر ويتعامل الطاقم الذي أعد الخطة مع العنف والجريمة بأنها تقف عائقا أمام اندماج الشبان العرب بالمجتمع الإسرائيلي.

فوضى السلاح يهدد أمن المواطنين العرب داخل المنازل أيضا

محاذير أخرى لا تقل أهمية تتناولها الخطة المقترحة التركيز على السلطات المحلية والقيادات المحلية ممثلة بالرؤساء وبمنتخبي الجَمهور في المجالس والبلديات، وتدعيم مكانتهم، ودور السلطة ليس فقط في الحد من العنف وإنما بمجمل الأمور في الحياة اليومية، وبالمقابل تغييب شبه تام للقيادات السياسية والحزبية والفعاليات الوطنية وجمعيات المجتمع المدني ولجنة المتابعة العليا، إذ تناقش أعمال العنف والجريمة وكأنه لا توجد قيادات سياسية وأحزاب عربية.

ومع تبرير العوائق أمام ما أسمته الخطة الاندماج كوسيلة للحد من العنف والجريمة، نأت مختلف الوزارات الحكومية بنفسها عن تحمل المسؤولية عن سياسية العنصرية والتمييز الممنهج ضد الجماهير العربية في القضايا الاجتماعية والمجتمعية، والأرض والمسكن، والاقتصاد والتجارة والصناعة، وهي سياسات التهميش والإقصاء التي عمدتها الحكومات المتعاقبة، وكانت هذه السياسات البيئة الحاضنة والمغذية للعنف والجريمة التي استفحلت وطورت ثقافة عصابات وعائلات أو مجموعات الجريمة المنظمة.

فشل ومسؤولية

وفي مؤشر لفشل الخطط الحكومية السابقة في مكافحة العنف والجريمة بالمجتمع العربي، فإن الخطة المقترحة واعتمادا على بيانات ومعطيات رسمية أوضحت أن جرائم القتل في البلدات العربية سجلت معدلا قياسيا في العام 2019، إذ اقتُرفت 91 جريمة قتل في غالبيتها لم تفك الشرطة رموزها وبقيت الجرائم دون عقاب، بينما سُجّلت 47 جريمة قتل في المجتمع اليهودي.

انعدام الأمن والأمان في المؤسسات الخدماتية

وسُجّل في السنوات الخمس الأخيرة ارتفاع بنحو 50% في عدد جرائم القتل في المجتمع العربي، وهي الحِقْبَة التي شُرع فيها في تنفيذ خطة إردان بفتح مراكز شرطة في البلدات العربية وتشجيع الشبان العرب للانخراط بصفوفها تحت مسميات "الخدمة المدنية" أو "الشرطة الجماهيرية" أو "الشرطة البلدية".

تبدو الصورة الشاملة في المجتمع العربي قاتمة كمشاهد الدماء وأبعادها وتداعياتها في كل قرية ومدينة، إذ أشارت بيانات العنف والجريمة في العام 2018 إلى أن 93% من جرائم السلاح وإطلاق النار، و64% من جرائم القتل، و61% من جرائم الحرق العمد وإضرام النيران نفذها عرب، ما يؤكد ارتفاع معدل تورط مواطنين عرب في جرائم يُنذِرُ بالخطر في البلاد.

الشرطة الإسرائيلية تتعامل مع المواطنين العرب كأعداء

ليس هذا فحسب، إذ أظهرت البيانات التي استعرضتها الخطة الحكومية المقترحة لمكافحة العنف والجريمة في المجتمع العربي، أن 34% من المدانين في مختلف ملفات وأنواع الجرائم والمخالفات عام 2017 هم من المواطنين العرب، وهو معدل أعلى بكثير من نسبتهم من سكان البلاد وهي 21%.

ومن ثم تورط وضلوع الشبان العرب في جرائم العنف والجريمة أعلى بـ8 أضعاف من المعدل بين الشبان اليهود، لذا ترجح الخطة بأن "احتواء الشبان العرب واندماجهم في المجتمع الإسرائيلي قد يؤدي إلى تقليص معدل الظواهر الإجرامية بالبلدات العربية"! دون أن يبرر أو يفسّر الطاقم الحكومي كيف يُسهم الاندماج بتقليل العنف.

العنف والجريمة

ودون أن تُحمّل الشرطة المسؤولية، أقرت الخطة الحكومية بأن تفاقم العنف والجريمة يعود بالأساس إلى انتشار الأسلحة غير المرخصة وفوضى السلاح في البلدات العربية، وهذا أحد العوامل الرئيسة لتغذية أعمال العنف والإجرام، إذ تستخدم الأسلحة لارتكاب جرائم قتل، وأخرى كالسرقة، والابتزاز، والخاوة، ويستخدم السلاح في سياق الصراعات بين العصابات الإجرامية والنزاعات بين العائلات المختلفة.

وتعترف الخطة الحكومية بسهولة الحصول على الأسلحة بالسرقة من معسكرات الجيش الإسرائيلي، والسطو والتهريب من الضفة الغربية والدول العربية المجاورة، وكذلك في التصنيع والإنتاج الذاتي للسلاح.

مظاهرة احتجاجية حاشدة في مجد الكروم ضد العنف والجريمة وتواطؤ الشرطة، عام 2019

وساهم غياب الردع في اتساع المتاجرة بالأسلحة والإقبال على شراء السلاح لفقدان المواطن العربي شعور الأمن والأمان، كما يشعر أنه يجب عليه التعامل مع النزاعات والصراعات وحماية عائلته بشكل مستقل دون تدخل سلطات إنفاذ القانون، وهو ما يؤكد فقدان ثقة المواطنين العرب بجهاز الشرطة الإسرائيلية الذي ينظر إليهم ويتعامل معهم كأعداء.

السلاح والخاوة

وأقر الطاقم الذي أعد الخطة الحكومية بأن فوضى السلاح وظاهرة استعمال الأسلحة ساهم في تدعيم "السوق السوداء" في البلدات العربية، وهي السوق التي رسخت معالم العنف والجريمة وتستعمل كوسيلة عقابية ضد كل من لا يدفع الخاوة أو يعجز عن جدولة ديونه لعناصر الإجرام، والسوق السوداء التي تتغذى بالأساس من المبالغ النقدية الكبيرة والضخمة التي يحتفظ بها الجمهور العربي لأسباب مختلفة، تعود لعدم الإبلاغ عن الدخل لسلطات الضريبة، ثم أن تملُك المبالغ النقدية يُنظر إليه كقوة اجتماعية.

وسلطت الخطة الضوء على العقوبات الاقتصادية للتذرع بمكافحة عصابات الجريمة المنظمة في المجتمع العربي، إذ قدرت بأنها تدير نحو 5 مليار سنويا بالسوق المحلية دون الإبلاغ لسلطات ضريبة الدخل عن المدخولات.

كما أبدى الطاقم الذي أعد الخطة تحفظه على ما أسماه ثقافة ادخار المواطن العربي واحتفاظه بمبالغ مالية نقدية في منزله، ما يعني أن هذه المبالغ قد تكون تحت طائلة المصادرة ووضع اليد عليها وتحويلها لسلطات الضريبة بذريعة مكافحة العنف والجريمة.

قافلة احتجاجية ومظاهرة أمام المباني الحكومية ضد العنف والجريمة، عام 2019

ولا تقتصر العقوبات الاقتصادية على مصادرة الأموال ووضع اليد عليها، بل اقترحت الخطة الحكومية أن تهدم منازل وعقارات وممتلكات كل من يُدان بالإجرام وينشط في عصابات الجريمة المنظمة ويرتكب مخالفات جنائية.

يُقوننُ هذا المقترح الذي يشرعن الهدم في البلدات العربية التي تواجه يوميا إخطارات هدم وفرض غرامات باهظة، ثم أن هناك أكثر من 65 ألف منزل صدر بحقها أوامر هدم، فضلاً على وجود نحو 120 ألف مخالفة بناء وملفات تُدار ضد المواطنين العرب في المحاكم الإسرائيلية بذريعة البناء دون تراخيص.

عصابات وسُلطات

تُبيّنُ الخطة أعمال العنف والجريمة واستهدافها كذلك للسلطات المحلية العربية، إذ وصف المسؤولون المنتخبون وممثلو المجتمع المدني وغيرهم هذه الظاهرة المتلخصة بالضغوط الشديدة والتهديدات وأعمال العنف التي تمارسها عصابات الجريمة المنظمة على منتخبي ومسؤولي الحكم المحلي، إذ تعرض رؤساء سلطات محلية وعدد من المسؤولين لمحاولات ابتزاز وتهديد بالقتل وإطلاق نار على منازلهم وسياراتهم واعتداءات وإضرار بالممتلكات.

وكشفت الخطة النقاب عن مساعي عصابات الجريمة المنظمة الحصول على ميزانيات ترصد للسلطات المحلية، والعمل بطرق مختلفة للحصول عليها، بما في ذلك التقدم للمناقصات التي تصدرها السلطات المحلية، وتوظيف العنف وممارسة الضغوطات والابتزاز للفوز بهذه المناقصات.

وعليه، أشارت الخطة إلى أن معالجة الظاهرة بحاجة لتدخل حكومي شامل ومعمّق عبر توفير الحراسة لرؤساء السلطات المحلية وتوفير منظومة حكومية لنشر ومراقبة المناقصات والعطاءات ما يعني وصاية وإدارة سلطوية عليا تُشرف على موارد وميزانيات المناقصات، وفك رموز الجرائم بالحكم المحلي والقيام بخطوات عملية لإبعاد عصابات الجريمة المنظمة عن مراكز صنع القرار.

"نطالب السلطات بمكافحة الجريمة دون أن نتنازل عن هويتنا وثوابتنا الوطنية"

ومن بين الأسباب المحفزة للعنف والجريمة، أشارت الخطة إلى أن أزمة السكن والاكتظاظ في المجتمع العربي، ومشكلة التنظيم والبناء، وإشكالية تسجيل العقارات، وعدم الحصول على قروض الإسكان، ساهمت أيضا في الجريمة، لكن دون أن يتم الإشارة إلى مسؤولية الحكومة ومختلف الوزارات عن هذه القضايا الحارقة التي يعانيها المجتمع العربي، مع التوصية بمزيد من التدخل الحكومي الذي يتجاوز ما تم إنجازه في السابق.

إضافة إلى ذلك، يجب على السلطات تنفيذ خطوات وإجراءات من شأنها تعزيز صلاحيات وقدرة السلطات المحلية العربية على التعامل مع العنف والجريمة، ورأى الطاقم الحكومي أن السلطات المحلية العربية يجب أن تؤدّي دورا رئيسا في منع العنف ومكافحته في منطقة نفوذها، والقيام بذلك بطريقة تتكيف مع الخصائص والاحتياجات المحلية، دون أي ذكر للقيادات والأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص