تجريم العمل السياسي تمهيدا لنزع الشرعية عن العرب

تجريم العمل السياسي تمهيدا لنزع الشرعية عن العرب
رائد صلاح وصياح الطوري وهبة يزبك

تشهد الساحة السياسية في المجتمع العربي في السنوات الأخيرة تضييقات شديدة على العمل السياسي، في دلالة على تحول إستراتيجي بدأ عام 2000 إبان أحداث هبة القدس والأقصى وتوغل غلاة اليمين المتطرف في الحكم في الأعوام الأخيرة.

واكتسبت ممارسات خنق الحريات والتضييق على العمل السياسي شرعية قوانين سنت في الكنيست مؤخرا، أبرزها "قانون الإرهاب 2016" وقانون "دولة اليهود القومية 2018"، إضافة إلى جملة كبيرة من القوانين التي سعت الأحزاب الصهيونية لتشريعها وفرض أجندتها المتطرفة وتعزيز سطوة أفكارها المعادية للعرب، حتى وإن تصادمت هذه القوانين مع قوانين الأساس "حرية الإنسان وكرامته"، ومن بين أخطر هذه القوانين تعديل قانون التنظيم والبناء "كامينتس" 2017 ، قانون الإقصاء 2016، تعديل قانون شطب الترشيح 2017.

كما يواصل اليمين الإسرائيلي منذ أعوام إتمام السيطرة على الجهاز القضائي في إسرائيل، ونجح بفرض تعيين قضاة يمينيين، لا بل إن الجهاز القضائي أصبح يميل بصورة طبيعية لتبني مواقف يمينية، كما ظهر جليا في الالتماس على قرار شطب النائبة هبة يزبك، إذ أشار خبراء بالقانون في إسرائيل إلى تبني رئيسة المحكمة العليا موقفا مؤيدا للشطب خلافا لرؤساء سابقين للمحكمة في قضايا الشطب.

وطالت الممارسات الإسرائيلية مختلف مناحي العمل السياسي في إسرائيل وحيّز الحريات، فحكم على الشيخ رائد صلاح بالسجن 28 شهرا، الأسبوع الجاري، على أقوال في خطب جمعة، ودعاء للميت في جنازة شهداء أم الفحم، تحت طائلة قانون "مكافحة الإرهاب"، إلى جانب قضية النائبة هبة يزبك بسبب منشورات قبل أكثر من عامين على صفحتها في "فيسبوك"، وتقديم لائحة اتهام ضد رجا إغبارية استنادا إلى قانون "مكافحة الإرهاب"، ومحاكمة الشاعرة دارين طاطور، وغيرها الكثير من الممارسات اليومية في كبح الحريات وحرية العبادة خاصة في المسجد الأقصى بالقدس المحتلة.

تجريم العمل السياسي

وقال النائب يوسف جبارين عن الجبهة في القائمة المشتركة في حديثه لـ"عرب 48" إنه "بالتزامن مع طرح مخططات في البعد السياسي، والتي سمعنا عنها منذ سنوات من قبل اليمين والتي تحدثت عن السيادة الإسرائيلية على مناطق c وكذلك جملة القوانين التي تتحدث عن حق تقرير المصير لليهود فقط، والقدس عاصمة إسرائيل، تزامنت مع هذه الحالة محاولات حصر الخطاب السياسي المسموع لدى القيادة السياسية للعرب داخل إسرائيل، والبحث عن تجانس بين مخططات اليمين وهذا الخطاب، فكل خطاب موجه ضد الاحتلال والاستيطان، وأهمية القدس ومركزيتها أصبح خطابا مستهدفا، بضغوطات يمينية على الجهاز القضائي، وما نراه من ملاحقات سياسية ضد شخصيات وقيادات، برأيي يندرج ضمن هذا المسعى، وحتى محاولة الانتقام من كل من يتحدى الخطاب الإسرائيلي، ومنع بوادر رفض ولو بالخطاب داخل القيادة العربية الفلسطينية في إسرائيل لمشروع اليمين".

النائب يوسف جبارين

وأضاف أن "ما أؤكد عليه هو أن إسرائيل أقيمت كدولة يهودية وهي بحالة تهويد مستمر للحيز العام، التهويد على أرض الواقع متواصل عبر مصادرة الأراضي والتضييق على البلدات العربية، المس بمكانة اللغة العربية، قانون كامينتس وغيرها من مساعي التهويد، واليوم هناك محاولة تهويد الخطاب السياسي، ومحاولة إخضاع الخطاب للرواية الصهيونية بل لرواية اليمين الصهيونية، وهذا تصعيد واضح نلمسه الآن".

وختم جبارين بالقول إن "ما ذكرته نلمسه أكثر خاصة مع تراجع استقلالية أجهزة الرقابة: مراقب الدولة، المستشار القضائي والجهاز القضائي، والتي كان يفترض أن تكون مستقلة ويكون لها دور رقابي، ونظريا لديها دور في ردع السلطات التنفيذية والسماح بالهامش الديمقراطي، والآن نرى تراجعا واضحا لهذه السلطات، وأييليت شاكيد أعلنتها كوزيرة قضاء أنها تريد تغيير طابع المحكمة العليا بمن فيهم القضاة، ورأينا أن القاضيين اللذين تم تعيينهما من قبل شاكيد كانا مع شطب النائبة هبة يزبك، وهذا الجو السياسي في السنوات الأخيرة ينعكس في تراجع مؤسسات القضاة لتطبيق معايير قضائية، وأقولها كخبير في القانون الدولي إن كل هذه الملاحقات للقيادات والشخصيات السياسية والاجتماعية تدل على تصعيد في ملاحقة قيادات سياسية، ومن جهة أخرى تدل على تراجع دور الهيئات القضائية، وإلا كان ينبغي أن يكون الموقف القضائي من هذه القضايا (الشيخ رائد صلاح، الفنان محمد بكري، الشاعرة دارين طاطور، النائبة هبة يزبك، الأستاذ رجا إغبارية) أنه لا يوجد أي أساس لهذه الملاحقات لا للوائح اتهام ولا لإدانة أو شطب، ونحن أمام حالات تجريم العمل السياسي".

تحول إستراتيجي

وقال مدير عام مؤسسة ميزان لحقوق الإنسان، المحامي عمر خمايسي، لـ"عرب 48" إنه "يمكن وضع الأصبع على التحول الذي حدث في المؤسسة الإسرائيلية بتعاملها مع المجتمع العربي الفلسطيني فيما يتعلق بالحريات والعمل السياسي، منذ هبة القدس والأقصى عام 2000، وبعدها لجنة أور التي أشارت بشكل واضح بأصابع الاتهام إلى قيادات في الداخل الفلسطيني، وتسميتهم ومنهم الشيخ رائد صلاح ود. عزمي بشارة وعبد المالك دهامشة".

وأضاف أنه "منذ ذلك الحين واضح أن الملاحقة ازدادت بتفاوت بين القيادات وفقا للخطاب الذي يحمله كل قيادي، وهذا واقع الحال في محاولة إسرائيلية لإخضاع الخطاب السياسي في الداخل وفق سقف يتماثل مع السياسات التي تريدها، ونعم نلاحظ مساحة واسعة بين خطابات 2000 إلى يومنا هذا، لأن المؤسسة الإسرائيلية أدخلتنا إلى هذه المساحة عبر تشريع المزيد والمزيد من القوانين والتشريعات التي تحاصر العمل السياسي وتقلص حيز الحريات".

المحامي عمر خمايسي

وأشار خمايسي إلى أنه "لاحظنا التضييق بشكل أكبر وأكبر على الحركات السياسية التي لا تشارك في الانتخابات البرلمانية وضرب عملها الميداني الذي بلغ ذروته بحظر الحركة الإسلامية (الشمالية) عام 2015، ولم يكن الاستهداف بشكل عبثي بل كان مدروسا على مدار سنوات، وكذلك شهدنا عدة لوائح اتهام خلال هذه السنوات كلها تتعلق بالعمل السياسي والحريات".

وختم مدير عام مؤسسة ميزان لحقوق الإنسان، بالقول إنه "في السنوات السابقة كان يمكن الحديث مع الجهاز القضائي عن حيز التعبير عن الرأي، ولكن في هذه الأيام لا تصغي المحاكم لهذا الخطاب عندما يكون الحديث عن عربي أو فلسطيني. لم تعد هذه المساحة ضيقة فحسب بل شبه معدومة، وهناك عدد هائل من لوائح الاتهام التي قدمت تحت طائلة قانون ما يمسى 'مكافحة الإرهاب' وفي المقابل لا ترى لوائح اتهام ضد يهود رغم التحريض الأرعن من قبل قيادات ووزراء، ونشير هنا إلى كتاب 'شرائع الملك' الذي كتب فيه عن 70 رجل دين يهودي عبر عن السماح بقتل العرب، بل وفي حالات السماح بالاغتصاب والسرقة في حالات الحرب، ومع ذلك لا تقدم ضدهم لوائح اتهام. وأكثر من ذلك منحت المحكمة العليا نوعا من الشرعية لهذا الخطاب، وهو الكيل بمكيالين، فعندما يكون المتهم عربيا لا يوجد حيز للحريات، وعندما يكون المتهم يهوديا فهذا يندرج ضمن الحريات ضمن قانون حرية الإنسان وكرامته".