حبرٌ على قميص أبيض

حبرٌ على قميص أبيض

كتبت هذه المقالة في إطار "ورشة المقالة الصحافية" التي نظمها موقع "عرب 48" بالتعاون مع جمعية الثقافة العربية، مؤخرًا، وقدّمها أستاذ الإعلام في جامعة بير زيت، صالح مشارقة.


‎لا أعرف إن كنت أحتاج أن أبرر حاجتي للطب والأدب قبل كل تساؤل أو شذرة أكتبها، أو إن كنت بحاجة إلى أن اعتذر قبل كل نص، عن عدد الروايات والقصص الملقاة جانب السرير ولم اقرأها قبل أن أكتب، أو عن أخطائي اللغوية، وعن جهلي بكل قواعد اللغة وعلامات الترقيم قبل كل مرة أطلق فيها أفكاري المزدحمة‪.

‎ولا توجد لدي معادلة لعدد الصفحات التي يتوجب علي قراءتها من كتب الطب أو كتب الأدب كل ليلة.

‎بحثت عن أجابتي الخاصة وصيغتها الدقيقة بين إجابات الأطباء الأدباء، تشيخوف، نجيب محفوظ، علاء الأسواني، أحمد خالد توفيق، عبد السلام العجيلي وغيرهم؛ وجدت بعض كلمات تشبهني، وأكثر ما استوقفني هو وصف تشيخوف لتلك العلاقة بين الطب والأدب، بأنها ركض خلف أرنبين، لأنك ببساطة تستطيع الركض.

‎إلا أن علاقتي بالطب والأدب ليست مجرد ركض خلف أرنبين؛ ففي بعض الأحيان أهرب منهما ولا أركض خلفهما، وأحيانًا يتحول الأرنبان إلى سلحفاتين ارتاح بمراقبتهما بصمت وأتسابق معهما ببطء.

‎سأستمر في البحث وفي الركض والبطء، دون أن أبقى سجينة بين السؤال وتبريره والاعتذار عن التقصير في إيجاد إجابته.

‎يكفيني أنني على يقين أن ردائي الأبيض يُدفِئُني عندما تُعرّيني الكتابة، وأنني أتنفس بالكتابة عندما يضيق صدري خلف أزرار الرداء المحكمة، مرة أرمم وجودي بالرداء وأخرى بالحبر. لكنني أبني نفسي وأخلقها من أسئلة لا علاقة لها بالطب والأدب وما بينهما، أسئلة لم تعد قابلة للتأجيل وحان لها أن تُكتب، لأننا نحتاج إلى أن نبني أنفسنا قبل أن ننشغل في ترميمها‪.

‎وبين البناء والترميم أحاول التوازن بالتأرجح الدائم بين الطب والكتابة؛ قد أسقط أحيانًا أو أطير عندما يعجز الطب والكلمات في التوقيت نفسه عادة، حينها ألملم جروحي على مهل أو ألملم أجنحتي على عجل، وأعود لأرتاح على أُرجوحتي.

‎أعترف بأنني أخاف كثيرًا على ردائي الأبيض من أن يبهت لونه أو يلطخه الغرور أو الملل، فأنقيه دائمًا بكثير من الصبر والالتزام أعطره بزيادة معرفتي واعترافاتي بما لا أعرف. إلا أن أكثر ما يرعبني هو أن يتسلل جمود الحياد وبياضه إلى روحي. فبين الحين والآخر أتفقد نبضي بآية، أو بمقطع من أغنية أو قصيدة. فلا يعفيني ولا يجردني ردائي من أحلامي ومواقفي. ولا يسرق مني حقي في التجريب والخطأ واللامنطق.

‎وأما عن حرف الدال قبل الاسم، فلا أعرف أول من حمّل هذا الحرف المسكين قصص سنين من التعب والأمل، وكيف له أن ينذر برهبة ما يحوي من مسؤولية، أو أن يكون أغنية ولحنًا على لسان بعض القلوب عندما تناديني، أو ردًا حازمًا وكافيًا عندما أقوله بفخر وثبات للأشخاص واللحظات التي حاولت كسري. إلا أنه لم يعد يكفيني من اللغة حرف واحد، ولا يغريني بريق الألقاب جميعها بسباقاتها، ولا حتى تعرفني عيناي بدل اسمي كما أرادت فيروز. أحتاج أن أقول كلمتي دون تأجيل، قبل إتمام التعريفات والإجابات، لأكون.


حلوة حمّاد، طبيبة وباحثة تتخصص بالأمراض الجلدية والتناسلية في مشفى العفولة، خريجة كلية الطب في معهد التخنيون للعلوم التطبيقية في حيفا.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ