حوار | فريحات: سقوط ترامب يعني وقف سياسة التجويع لا وقف التطبيع

حوار | فريحات: سقوط ترامب يعني وقف سياسة التجويع لا وقف التطبيع

أجري هذ الحوار في إطار "ورشة الحوار الصحافي" التي نظمها موقع "عرب 48" بالتعاون مع جمعية الثقافة العربية، مؤخرًا، وقدّمها أستاذ الإعلام في جامعة بير زيت، صالح مشارقة.


عدّ أستاذ النزاعات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا وجامعة جورج تاون، الدكتور إبراهيم فريحات، أنّ سقوط الرئيس الأميركيّ، دونالد ترامب، في الانتخابات الرئاسيّة الأخيرة قد ينهي الحصار المالي على الفلسطينيين ويوقف ما سميت بـ"صفقة القرن" وقد يوقف الاستيطان، لكنه لا يعني وقف موجة التطبيع بين عدد من الدول العربية والاحتلال الإسرائيلي.

وعلى صعيد موازٍ، رأى فريحات أنّ أقصى ما سيذهب إليه الرئيس المنتخب جو بايدن هو العودة إلى المفاوضات السياسية على أرضية مفاوضات أوسلو، معتبرًا أنّ هذا النموذج لن يفضي إلى أي نتيجة.

ودعا الأكاديمي الفلسطيني السلطةَ الفلسطينيّةَ إلى اقتراح إدارة جديدة للعلاقة بين فلسطين وبين الدول العربية المطبعة، عادًّا مقاطعة تلك الدول ليس في صالح الفلسطينيين، كما قال إنّ التطبيع العربي "أبعدنا عن حل الدولتين، وفي ذات الوقت لم يقربنا من حل الدولة الواحدة.

وفي ما يلي نصّ الحوار:

نبدأ من موضوع الانتخابات الأميركية، الخبر المفرح للفلسطينيين هو سقوط ترامب. الآن الأنظار تتجه نحو سلوك الإدارة الأميركية الجديدة تجاه الملف الفلسطيني، برأيك كيف سينعكس فوز بايدن على القضية الفلسطينية؟

سقوط ترامب يعني وقفا لسياسة تجويع الفلسطينيين ووقف الهجمة الشرسة التي شنتها هذه الإدارة الأميركية طيلة السنوات الأربع الماضية مع وقفٍ لتنفيذ "صفقة القرن"، وهذا يعني وقفًا لسياسة ضمّ الأراضي. لكنَّ سقوط ترامب لا يعني وقف سياسة التطبيع.

فوز بايدين سيخفّف من حدة موجة التطبيع، لكن لن يوقفها أو لن تستمر بنفس الزخم خلال عهد ترامب. صحيح أن بايدن لا يدعم مخططات الاستيطان ويعارضها ولكن ليست لديه الرغبة والقدرة على مقاومتها، وهذا يخلق هامشا صغيرا للإستراتيجية الوطنية الفلسطينية بالتحرك على المستوى الدولي.

بايدن مثل أوباما، سيحارب الحلول الأحادية كإعلان الدولة الفلسطينية. كلاهما يؤمن بأن الحل يجب أن يكون على أسس تفاوضية. بايدن يعارض التحرك الفلسطيني الدولي، لكن لن يحاربه ودليل ذلك امتناع أوباما عن استخدام حق النقض الفيتو في مشروع قرار إيقاف الاستيطان في مجلس الأمن. بالإضافة لذلك، مع فوز بايدن ستكون هناك عودة لبعض الامتيازات مثل استعادة الدعم المالي للأونروا وللسلطة الفلسطينية وأيضًا فتح مكتب منظمة التحرير في واشنطن، ومن المحتمل فتح مكتب للقنصلية الأميركية في شرق القدس، ولن يكون هناك تراجع عن قرار نقل السفارة الأميركية.

وعلى المستوى السياسي، أقصى ما يمكن أن يذهب إليه بايدن هو العودة إلى مربع المفاوضات على أساس أوسلو وهذا النموذج لن يفضي إلى أيّة نتيجة، لأن النموذج نفسه عقيم، خصوصا في ظل الحقائق الجديدة التي خلقتها إسرائيل على الأرض في الضفة الغربية.

هل نحن مقبلون على سيناريو تضيع فيه أربع سنوات أخرى بحجة المفاوضات على أساس حل الدولتين؟

هذا سيناريو وارد جدا، في ما يخصّ مخططات الضم، برأيي أنّها ستستمر حتى لو وصلت حكومة غانتس. فلسطينيًا، وصول بايدن سيعمل على تعزيز الانقسام الفلسطيني وسنعود إلى المفاوضات العبثيّة، خصوصًا إذا استمرّ نتنياهو في الحكم. الكرة في ملعبنا والإستراتيجية الفلسطينية يجب أن تتغير نوعيًا بصرف النظر عمّن في الحكم ترامب أم بايدن.

بما أننا نتحدث عن ضرورة إحداث تغيير في الإستراتيجية الوطنية الفلسطينيّة. فمنذ وصوله إلى البيت الأبيض، قدّم ترامب لدولة الاحتلال مجموعةً من القرارات التاريخية. القيادة الفلسطينية رفضت كل هذه القرارات، لكن هناك غياب للرؤية السياسية على مستوى مواجهة قرارات الإدارة الأميركية.

ما هو التحرك المطلوب فلسطينيًا للتعامل مع المرحلة الحالية لإنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني؟

المطلوب هو تبني إستراتيجية نضالية فلسطينية جديدة، هذه الإستراتيجية الفلسطينية الجديدة يجب أن تختلف في الجوهر عن الإستراتيجية السابقة التي لم توصلنا إلى شيء. هنا أؤكد أن إستراتيجية النضال الفلسطيني مرت بثلاث مراحل، الكفاح المسلح وهذا المسار انتهى بعد خروج المنظمة من بيروت 1982، على إثر ذلك ولدت إستراتيجية نضالية جديدة وهي المقاومة الشعبية والتي تمثلت بالانتفاضة الأولى من 1987-1993 والقيادة الفلسطينية لحقت بها لكن لم تنتجها وبالمناسبة المقاومة الشعبية هي نقطة الإجماع الفلسطيني. بعد ذلك ولدت إستراتيجية ثالثة وهي التفاوض على أساس أوسلو ومبادرة السلام العربية. الحلّ التفاوضي بعد 2000 لم يقدم شيئًا للمشروع الوطني الفلسطيني. ياسر عرفات أدرك أن هذا المسار انتهى منذ فشل مفاوضات كامب ديفيد. العرب حاولوا إنعاش هذا المسار من خلال مبادرة السلام العربية في 2002 التي لم تقبل بها إسرائيل. ومنذ ذلك الحين ونحن ندور في حلقة مفرغة.

فريحات (المركز العربي)
فريحات (المركز العربي)

لذلك، برأيي، يجب أن تكون هناك نسخة رابعة من إستراتيجية النضال الفلسطيني، تكون مزيجًا بين المقاومة الشعبية مع وجود مسار تفاوضي. الخياران معا لأن المسار التفاوضي الفلسطيني افتقد للقوة واعتمد على نوايا الآخرين، وهذا لن يأتي بشيء.

ماذا عن المسار الأول، الكفاح المسلح وهو ما انطلقت منه الحركة الوطنية الفلسطينية، هل هذا الخيار انتهى ولم يعد مطروحًا؟

خيار المقاومة المسلحة بشكله التقليدي محاصر وتسيطر عليه "حماس". من المهمّ جدًا عند الحديث عن الكفاح المسلح، أن نفرّق بين مسألتين، شرعية السلاح وجدوى السلاح. شرعية السلاح لا أحد يناقش فيها. المقاومة المسلحة هي شرعية وحق مشروع للشعب الفلسطيني ولأي شعب محتلّ ضمن كل الأعراف الدولية والسماوية، لا أحد يناقش شرعية السلاح. أمّا جدوى السلاح، هل السلاح يمكن أن يوصل الفلسطينيين إلى استعادة الحقوق وتحقيق أهداف المشروع الوطني؟ برأيي أن فعاليّة الكفاح المسلح مرهونة بطبيعة الجغرافية التي يمارس فيها الكفاح المسلح، ممكن أن تكون مناسبة أكثر في دول مثل الجزائر أو فيتنام، مساحات شاسعة وعدد سكان كبير يمكن أن تؤسس لأساليب الكفاح المسلح مثل حرب التحرير الشعبية. لكن في حدود الضفة الغربية وقطاع غزة، في ظل تفوق الإسرائيليين في هذا الموضوع، بالكفاح المسلح أنت تُنازل الإسرائيليّين ضمن منطقة القوة التي يتفوقون بها، لذلك لا يمكن أن تُنازل عدوك في منطقة قوته.

نحن بحاجة إلى وحدة فلسطينية وإعادة اعتبار لمنظّمة التحرير، هناك أهمية لإعادة بناء المنظمة على أسس وطنية وأن تنتقل للعمل خارج الأراضي الفلسطينية، لأنّ في الضفة وغزة أنت تعمل تحت سقف السيادة الإسرائيلية. من المهم أن ترتكز منظمة التحرير في الخارج. يجب أن يكون القرار السياسي خارج سقف السيادة الإسرائيلية، نصف الشعب الفلسطيني متواجد في الخارج. وتاريخيًا من أقام المشروع الصهيوني هم الوكالات اليهودية المنتشرة في العالم. من خلال المقاومة الشعبية التي تعتمد أساليب جديدة، يُفسَح المجال لكل فلسطيني، بمن فيهم فلسطينيو الخارج، بأن يكونوا جزءًا من إستراتيجية التحرير، حتى الفلسطيني المقيم في اليابان ويعمل في مجال التكنولوجيا بإمكانه أن يدعم القضية، إذن ضمن هذه الإستراتيجية يمكننا العمل على إعادة بناء منظمة التحرير من الخارج. أمّا خيار الكفاح المسلح فهو محصور في كتائب القسام.

تنتظر القيادة الفلسطينية ما تفضي إليه تناقضات المشهدين الإسرائيلي والأميركي، بالرغم من أنّ هذه التناقضات قد لا تتعلق بالملف الفلسطيني، لماذا تراهن القيادة الفلسطينية على الوقت الذي يمكن أن تستثمره في إنجاز ملفات داخلية فلسطينية مثل المصالحة؟

لا أريد أن أستبق الأحداث وأهاجم القيادة الفلسطينية. كما تفضلت، لا يوجد أي مؤشر على أن الإستراتيجية الفلسطينية الحالية لا تخرج عن إطار اللعب على عامل التغيير ليس فقط في فلسطين، بل في إسرائيل والولايات المتحدة. بدل أن يكون التغيير لدينا، ننتظر التغيير عند الآخر. حتى الآن ما تابعناه عبارة عن لقاءات تصالحية مع "حماس" ما زالت تفتقر إلى عوامل أساسية وجوهرية، من أجل بناء وحدة فلسطينية. بعد فوز بايدن ستنتظر القيادة الفلسطينية وصول غانتس من أجل تحقيق شيء. عامل الوقت غير مجدٍ لأن مخططات الضمّ مستمرة.

اجتماعات المصالحة (وفا)
اجتماعات المصالحة (وفا)

لم تُترجَم اللقاءات التصالحية الأخيرة إلى تغييرات على مستوى البنية والمشروع السياسيين. لا حكومة وحدة فلسطينية، ولا اتفاق حول إعادة بناء المنظّمة وانضمام "حماس" و"الجهاد الإسلامي" إليها، هذا لم يحدث. المقياس الحقيقي للمصالحة هو التغيير في البنى وعندما أتحدث عن البنى، أقصد حكومة وحدة فلسطينية أو منظمة تحرير ممثّلة للشعب الفلسطيني، هكذا أنت تخلق بنى تجسد من خلالها الوحدة الفلسطينيّة.

بعد تفاهمات إسطنبول، تردّدت الكثير من الأنباء عن طرح فكرة القائمة المشتركة ("حماس"/"فتح") للانتخابات القادمة، كيف تنظرون إلى ذلك، وما هو ضمان نجاح هذه الخطوة لتكون مخرجًا للمأزق الفلسطيني؟

هذه الصورة هي استمرار وتجسيد للانقسام الفلسطيني أو انقسام مقنّع، بحيث يتم الاتفاق على المقاعد سلفًا وعلى تقاسم الكعكة وهذا فيه تعبير آخر للانقسام. لا أحد من الطرفين مستعد للتنازل عن المكاسب الذي حققها، لذلك خوض الانتخابات بقائمة مشتركة هو محاولة لإضفاء الشرعية الشعبية على الانقسام، أي المحاصصة والتقاسم بمعناه الوظيفي والمنفعي. أشدّد على أن التعبير الحقيقي عن إنهاء الانقسام يتمثل بتغيرات بنيوية ومن ضمنها منظمة تحرير ممثلة أو حكومة وطنية ممثلة، بالإضافة إلى تغيير في البرنامج السياسي تتفق عليه الحركتان وتعمل على تنفيذه على الأرض، إذا افتقدنا إلى هذين العاملين، أنا برأيي لا يوجد وحدة وطنية حقيقية، لأن الانقسام هو انقسام بنى.

بعد إعلان صفقة ترامب - نتياهو وموجة التطبيع العربي، اعتبر كثير من المراقبين الصفقة نهاية لنموذج حل الدولتين، إذ وضعت هذه الصفقة القيادة الفلسطينية أمام حقيقة نهاية مرحلة أوسلو وكل ما نجم عنها. تعالت بعض الأصوات من مثقفين وأكاديميّين فلسطينيين دعوا لتبني خيار الدولة الواحدة، برأيك هل الخيار مطروح من الناحية العملية أم أنه خيار يعبر في جوهره عن الإفلاس السياسي وقد يمثل مضيعة للوقت خصوصًا وأن إسرائيل تمضي قدما في مخططاتها الاستعمارية؟

سؤال مهمّ جدا. التطبيع العربي أبعدنا كثيرًا عن حل الدولتين، لكنه لم يُقرّبنا إلى حل الدولة الواحدة، هو قرّبنا من نظام "الباتستان". حلّ الدولة الواحدة ما زال يطرح فلسطينيًا من باب المناكفات وليس من باب تبنيه كمشروع دون أن نعرف ماذا يعني حل الدولة الواحدة، وممكن أن يكون أسوأ من حل الدولتين.

بالمناسبة، هذا الخيار مرفوض إسرائيليًا ورفض إسرائيل لهذا الحل ليس من باب أنه سيّئ بل من باب تفوق العنصر. هم لا يريدون الاختلاط بالفلسطينيين، حتى لو كان هذا الحل لصالحهم. أنا شخصيًا، لم أتبنَّ حل الدولة الواحدة حتى الآن ولم أرفضه، أنا مع دراسته. حل الدولتين الذي لم يعد قائمًا على الأرض لا يعني التبنّي التلقائي لحل الدولة الواحدة. أنا مع دراسة معمّقة لهذا الخيار ولمعرفة مضامينه، وهذا خيار بحاجة إلى شريك أيضًا. لكن بصراحة حتى الآن لا أرى أي فهم فلسطيني عميق متعلق بالدولة الواحدة. على المستوى الإسرائيلي، أقصى الحمائم، يوسى بيلين، الذي هاجم محمود عباس ودعاه إلى إنهاء التنسيق الأمني وحل السلطة، يرفض الدولة الواحدة.

اتفاقات التطبيع الأخيرة التي عقدتها كل من الإمارات والبحرين والسودان، هي اتفاقات مختلفة عن تلك التي وقعتها مصر والأردن. كيف تؤسس هذه الاتفاقات لمرحلة يتم استبدال شعار "الأرض مقابل السلام" بآخر هو "السلام مقابل السلام" أي الوصول لاتفاقات سلام مع دول عربية دون الحاجة لتقديم أي تنازلات إسرائيلية؟

الحديث في هذا الموضوع مهمّ جدًّا. بكل أمانة وصراحة، لم أر أي حديث مفيد فيه. أعتقد أنني لديّ رؤية مختلفة، كل الخطاب الفلسطيني لم يخرج عن إطار طعنة في الظهر وخنجر مسموم، غير ذلك أنا لا أرى أي فهم فلسطيني للتعامل مع موضوع التطبيع.

موجة التطبيع ألحقت ضررًا كبيرًا بالقضية الفلسطينية وبالموقف التفاوضي الفلسطيني. هذا الضرر أحدث اختلالا في موازين القوى بيننا وبين إسرائيل. تسوية الصراعات بحاجة إلى نوع من توازن القوى وليس اختلالا فاضحا. خروج العرب من المعادلة، منذ توقيع كامب ديفيد الأولى مع مصر، هذه موازين القوى المختلة ازدادت اختلالًا بعد هذه الاتفاقات وخسرنا فعلًا ورقة من أجل توازن قريب مع إسرائيل ما يُضعف موقفنا التفاوضي.

لكن إذا نظرنا إلى نوع الدعم العربي للقضية الفلسطينية، منذ 1973 عندما انتهت آخر حرب، الدعم العربي تمثل في جانبين الأول الدعم المالي وهذا مهم والثاني هو الدعم السياسي - الدبلوماسي. هذا الدعم لا يحرّر أرضًا، هو يقع تحت إستراتيجية تعزيز الصمود وليس إستراتيجية التحرير، لأنّ هذا يتطلب أشكالا أخرى من الدعم كالدعم العسكري.

حسابات التحرير مختلفة عن حسابات الصمود، لهذا السبب باعتقادي تراجع هاتين الورقتين ليس نهاية المطاف بالنسبة للقضية الفلسطينية، الصمود يمكننا الصمود بأشكال متعددة وبإمكاننا تطوير أشكال أخرى للصمود.

التطبيع العربي لا يعني الانسحاب العربي من الملف الفلسطيني، مصر طبّعت وبقيت جزءًا من المعادلة والأردن كذلك. العرب بحاجة للتعامل مع القضية الفلسطينية لأسباب متعددة.

كيف يجب على الفلسطينيين التعامل مع الدول العربية المطبّعة؟

لا يجب مقاطعة الدول العربية المطبّعة، نحن بحاجة إلى إدارة جديدة للعلاقات الفلسطينية مع الدول المطبّعة. الإدارة الجديدة لا تعني المقاطعة، لأن المقاطعة تعني شيئًا واحدًا وهو فتح المجال لإسرائيل. الدول المطبّعة لا يجب الاشتباك معها ولا الهجوم عليها، هذا رأيي.

نحن بحاجة لندير هذه الأزمة بشكل جديد، هم طبّعوا ونحن لا نملك سلطة عليهم. فلسطينيًا، المطلوب هو الالتفاف على الضرر الذي لحق بنا جرّاء هذا التطبيع عبر تطوير إدارة جديدة مع الدول المطبعة، قد يكون هناك مجال لتحقيق مكاسب من ذلك. نحن حين تحالفنا مع العرب، تحالفنا معهم على أسس قومية عبد الناصر، وهذه مرحلة انتهت. الآن التحالف مع العرب يفترض أن يتم على أسس جديدة، قيم إنسانية، أخوية، سمِّها ما شئت. قيم مثل العدالة، الحرية، الديمقراطية، الهوية، تقرير المصير، كلّها قيم تصلح كأسس لبناء علاقتنا مع العرب، وتحديدًا مع الدول المطبعة، شعوبًا وأنظمة.

كان للنخب الفلسطينية الأولى أدوار مهمّة ساهمت في استنهاض الحركة الوطنية الفلسطينية منذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، لكن منذ حوالي عقدين تراجع دور النخب الفلسطينية. ما هي أبرز أسباب هذا التراجع؟

نشرتُ قبل ستّة أشهر ورقة بحثية في هذا الموضوع وهي بعنوان "أكاديميون في مجلس الوزراء: تعزيز أم تراجع لدور الأكاديمي في المشروع الوطني الفلسطيني"، فيها إجابة مفصلة عن سؤالك. لتلخيص ذلك، دور المثقف الفلسطيني في تعزيز المشروع الوطني تراجَعَ منذ اتفاق أوسلو باعتبار أنه قبل أوسلو، كان المثقف يحمل المشروع الفلسطيني مع آخرين في الداخل الفلسطيني. بعد اتفاق أوسلو، بدأ دور النخب بالتراجع على اعتبار أنه انخرط في أجهزة السلطة الفلسطينية، وصار الرهان على نظرية "التغيير من الداخل".

نتائج دراستي توصّلت إلى فشل هذه النظرية، لأسباب كثيرة منها أن الأكاديمي المثقف تماهى مع أجهزة السلطة مع غياب رؤية للمشروع الوطني الفلسطيني. الأكاديمي في عهد السلطة تقلّصَ دورُهُ واختُزِلَ في المصلحة الشخصية، وتماهى مع السلطة ويطمح بالترقي في هياكلها مع غياب لدوره الوطني.

مجموعة أخرى من النخب، والتي أسمّي أعضاءها بالمثقف الفني أو الخبير، أولئك الذين أصبحوا يعملون لخدمة مؤسسات المجتمع المدني. المثقفون والأكاديميون انخرطوا في العمل مع هذه المؤسسات وهذا من حقهم، لكن المشكلة تكمن في اختزال دورهم في هذا الجانب على حساب الدور الحقيقي للمثقف العضوي أي دورهم الوطني، دورهم في الشأن العام الفلسطيني.

دور النخب تراجع، لكن واجبهم ازداد أهميته وصعوبة في الوقت نفسه، خاصة ونحن نعيش حالة من التدهور السياسي، كيف يمكن تفعيل دور النخب الفلسطينية للمساهمة في إعادة صياغة المشروع الوطني الفلسطيني؟

بالأساس، يجب أن يكون ذلك بمبادرة ذاتية من المثقف والأكاديمي الفلسطيني أنّه يعي حجم التحديات التي تواجه المشروع الوطني وأن يبادر إلى الانخراط في تطوير الخطاب العام. هنا أوجه نداءً مهمًا جدًا للنخب الفلسطينية بضرورة الانتقال من الخطاب فقط إلى مستوى الفعل مثل تشكيل نقابات، جمعيات، كلًّا وفق تخصّصه ومجاله. لا يجب الاكتفاء بالكتابة، يجب الانتقال إلى مستوى الفعل والتواصل المجتمعي والمبادرات وأخذ مبادرات مثل مبادرة مصالحة وطنية، مبادرة لإعادة بناء منظمة التحرير.