بعد تفجيرات لندن:العمليات الإرهابية تدعّم سياسة التدخّل الأمريكية / ماجد كيالي

مرة ثانية ضربت التفجيرات الإرهابية في أوروبا الغربية، في لندن، بعد أن كانت ضربت في مدريد (مارس 2004)، وكانت قبل ذلك ضربت في أكثر من مكان في العالم، في موسكو واستانبول ومومباسا (كينيا) وبالي (أندونيسيا) ونيويورك والرياض وجربة وطابا والقاهرة والدار البيضاء، حيث أودت بحياة الأبرياء من المدنيين مستهدفة حتى الأطفال والنساء والشيوخ.

ويبدو أن هذه العمليات في انتشارها وطبيعة أهدافها باتت غاية في حد ذاتها! فلا أحد يستطيع التكهن بالمنطق الذي يقف في خلفيتها الفكرية والسياسية والأخلاقية، إذا استثنينا الادعاء بشنّ الحرب العالمية "الآخروية" على عالم الكفر والفسق، بحسب مزاعم "فقهاء" هذه الجماعات الهامشية، الذين نصّبوا أنفسهم بمثابة أوصياء على الدين(!) دون حق أو مشروعية أو حتى أهلية.

هكذا بات يتم تنفيذ مثل هذه العمليات من دون التمعّن في العواقب الخطيرة: السياسية والاقتصادية والأمنية والأخلاقية التي يمكن أن تنجم عنها، والتي يمكن أن تقوّض استقرار البلاد والعباد، وأن تهدد تواصل الناس وتآلفهم وتعاضدهم، ما يؤكد أن هذه العمليات تصدر عن ذهنية مريضة ومنطق أعمى وتتأسس على كراهية الآخر واستباحة الدماء واستهانة بالإنسانية وبالقيم الدينية السامية.

وبينما يحاول القيمون على هذه العمليات التلطّي بمواجهة الاستكبار الأمريكي وربما الادعاء بمحاربة إسرائيل، فإن هذه العمليات التفجيرية العمياء منحت بعض المشروعية للتدخلات الأمريكية في المنطقة العربية، بدعوى الدفاع عن النفس، وأضفت بعض الصدقية على أطروحتي "صراع الحضارات" و"الخطر الإسلامي"، التي يروجها تيار "المحافظين الجدد" في الإدارة الأمريكية، لتعزيز مطالبه بضرورة تغيير الأوضاع في الدول العربية ولو بوسائل القوة، بزعم افتقادها للديمقراطية وتفشي الفساد فيها، ما يجعلها بمثابة تربة خصبة لنمو الفقر والإحباط ونزعات التطرف وجماعات الإرهاب. وهذه المزاعم تقف وراء مبادرات التدخل الخارجية لفرض نوع من "الوصاية" على الأنظمة العربية بحجة إعادة تأهيلها وإصلاحها، ووضعها على سكة التحول الديمقراطي والازدهار الاقتصادي.

ومن ناحية أخرى فإن هذه العمليات تفيد إسرائيل إذ تسهل عليها الترويج لوجهة نظر مفادها أن أسباب ضعف الاستقرار في المنطقة العربية لا تنبع من احتلالاتها واعتداءاتها وعنصريتها، بقدر ما تنبع من طبيعة النظم السياسية والاقتصادية والثقافية في الواقع العربي؛ ما يسهم في تصوير حربها ضد الفلسطينيين والعرب باعتبارها جزء من الحرب العالمية ضد الإرهاب، بدعوى أن صراعها مع هولاء إنما ينبع من حقد العرب على الغرب، التي هي جزء منه!

اللافت، أيضا، أن هذه التفجيرات تواكبت مع انعقاد قمة مجموعة الثماني، التي تضم الدول الصناعية الكبرى، وفي ظل تفاقم الخلاف بين الولايات المتحدة والدول الأخرى، ليس في المجال السياسي، فحسب، الذي يطال كيفية تعامل إدارة بوش مع قضايا السياسية الدولية، وضمنها قضايا العراق وفلسطين، وإنما في مجالي الاقتصاد والبيئة أيضا. والحاصل فإن هذه التفجيرات جاءت وكأنها تريد تدعيم موقف إدارة بوش إزاء قادة الدول الأخرى؛ حيث أن تسهّل تحشيد الدول الأوروبية من وراء السياسة الامريكية، وتسهم بتحويل الرأي العام الغربي الذي بدا معارضا لهذه السياسية لصالحها، خصوصا إذا علمنا أن لندن بالذات شهدت أكبر تظاهرة شعبية معادية لغزو العراق.

المهم هنا أن هكذا عمليات عزّزت منطق الولايات المتحدة، على الصعيد الدولي، أولاً، بإعطاء الأولوية على الصعيد الدولي للحرب ضد الإرهاب، والنأي عن حل القضايا الأخرى، وضمنها قضية فلسطين؛ ثانياً، بما يتعلق بتطويع دول أوروبا الغربية المعارضة لسياسة إدارة بوش الأحادية، ودفعها للقبول بهذه السياسة التي تفترض تشريع استخدام القوة والتدخل على الصعيد الدولي بمعزل الشرعية الدولة؛ ثالثا، بتشريع مبدأ "الحرب الوقائية" دوليا؛ وهو ما تم ترسيمه في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1566 (نوفمبر2004). والجدير ذكره هنا أن جون دانفورث السفير الاميركي في مجلس الأمن كان أصر على إضافة فقرات في القرار، تتضمن انه "لا حق تقرير المصير" ولا "التحرير الوطني" يبرران أي أعمال ضد المدنيين لأنها كلها إرهاب بغض النظر عن "جذور القضايا".

طبعا من السذاجة بمكان الاعتقاد بأن الولايات المتحدة وإسرائيل بحاجة لمثل هذه العمليات للمضي في مشاريع الهيمنة على المنطقة، ولكن ما ينبغي التأكيد عليه هنا هو أن هذه المشاريع كانت مجرد مخططات، في إطار سيناريوهات عديدة، وكان وضعها في موضع التنفيذ بحاجة إلى تغطيات ومبررات.

مثلاً فإنه ورغم الأحاديث عن الخطط الأمريكية للسيطرة على العالم العربي، فإن الإدارة الأمريكية لم تستطع وضع خططها تلك موضع التطبيق، متحدية العالم كله، بحربها في أفغانستان وصولا إلى العراق، مع محاولاتها ابتزاز العالم العربي، إلاّ بعد العمليات الإرهابية التي ضربتها في سبتمبر 2001.

الآن ثمة تحليلات تبرر انتشار نزعة التطرف والإرهاب والعداء لأمريكا بوجود إسرائيل وسياساتها المتعنتة والمتغطرسة والدعم الأمريكي لها، ومن الاحتلال الأمريكي للعراق. ورغم بعض الصحة في هذا الحديث، إلا أنه تفسير جزئي وسطحي ولا يعكس واقع الحقيقة تماما. فهذه العمليات ليست مجرد ردة فعل فردية وعفوية متفرقة قام بها أفراد للثأر من ظلم أو ضرر لحق بهم، وإنما هي عمليات مبرمجة تقوم بها شبكات منظمة ولها، ربما، مرجعيات معينة سياسية أو فقهية، وهي شبكات ومرجعيات لا تكفّر إسرائيل والولايات المتحدة كنظم سياسية، فقط، بل إنها تكفر حتى البشر والحجر فيهما! ثم أن هذا التكفير يشمل كل من لا يمتّ بصلة إلى فكر هذه "الملة"، وهذا يشمل حتى المجتمعات والحكومات في العالم العربي والإسلامي؛ بدليل العمليات التفجيرية التي حصلت في العديد من البلدان العربية.

هكذا الأمر بالنسبة للإرهاب الذي يضرب بالجزائر والذي ترعرع في أفغانستان والذي ضرب سابقا في مصر والمغرب والسعودية، إذ ليس للأمر البتّة علاقة بالقضية الفلسطينية ولا بالقضايا العربية، ومصدر هذا الإرهاب ينبع من وجود بعض التيارات المتزمتة العصابية والتكفيرية (كما قدمنا)، التي قسمت العالم ظلما وبشكل يفتقد للمصداقية والمنطق إلى فسطاطين (الكفر والإيمان)، على طريقة تقسيمة بوش (من ليس معنا فهو ضدنا).

يستنتج من ذلك أن استفحال خطر الجماعات الإرهابية يفترض تضافر جهود الحكومات والمجتمعات، لتدارك هذه الفتنة، ووقف هذا النزيف في جسم الأمة العربية والإسلامية، أولا، برفض وإدانة هذه العمليات، من النواحي الأخلاقية والدينية والإنسانية؛ وثانيا بالتوعية بمخاطرها السياسية والاقتصادية والأمنية؛ مهما كانت الشعارات أو الأغراض المراوغة التي تحاول أن تحتجب خلفها، وبغض النظر عن هوية ضحاياها؛ وثالثا، بحسم التوجه نحو إصلاح الأوضاع على صعيد الحكومات والمجتمعات، بتعزيز المشاركة السياسية الديمقراطية، وتحقيق التنمية الاقتصادية، التي تضمن مجتمع العدالة والكفاية، وضمان سبل الارتقاء الثقافي والفكري والعلمي، والسير في سبل التطوير الاجتماعي.

المعنى من ذلك أن المعالجات الأمنية، على الصعيدين الدولي والوطني، لوحدها ليست السبيل الوحيد لنجاح محاربة التعصب والتطرف وأعمال الإرهاب، فهذا الأمر يحتاج أساسا إلى توفير المناخات التي تحول دون انتشار هذه الظواهر المرضية الخطيرة، ولاسيما لجهة تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والتربية على الديمقراطية وقبول الرأي الآخر والانفتاح على الثقافات واحترام الذات الإنسانية.

وبديهي أن هذا الأمر يحتاج أيضا إلى تعاون المجتمعات والحكومات، مثلما يحتاج إلى تعاون دولي يتأسس على التفهم واحترام الخصوصيات والثقافات والهويات، ويضع حدا لعلاقات التدخل واستخدام القوة والهيمنة والتهميش؛ في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018