هل يقود الرئيس الفلسطيني بلده إلى دكتاتورية ؟؟ / الشيخ ابراهيم صرصور

تتسارع التطوّرات المقلقة على الساحة الفلسطينية في الأسابيع الأخيرة، على نحو مثير لقلق أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، إضافة إلى كل المحبين لهذا الشعب والمؤيدين لقضيته من كل ملة ونحلة..

في ظل هذه الأوضاع، نرى أنه من حقنا أن نبعث برسالة تحذير شجاعة تضع الحقيقة كما هي من غير إفراط ولا تفريط ومن غير تهويل أو تهوين... فمهما قيل في توصيف الإجراءات التصحيحية التي نفذتها الحكومة الفلسطينية برئاسة السيد إسماعيل هنية في قطاع غزة، والتي جاءت لتخدم المصلحة العليا للشعب الفلسطيني ولتؤسس لعمل حكومي مهني بعيد عن (عنتريات) الفصائل، ويعتمد على معايير وطنية صرفة، ومع شعورنا بالألم الشديد والحزن العميق لما رافق هذه العملية الجراحية التصحيحية للأوضاع الحكومية والميدانية في القطاع من مشاهد فردية استحقت الإستنكار والشجب من قادة حماس ومنا ومن كل حريص على مصلحة شعبنا، فإننا لا نرى في الإجراءات التي اتخذها الرئيس الفلسطيني السيد أبو مازن منذ بداية الأزمة وإلى خطابه الأربعاء الماضي إلا إصرارا على المضي بدولة فلسطين، وهي التي لم تولد بعد، نحو أسوأ الدكتاتوريات التي عرفتها المنطقة على وجه الإطلاق ...

يجب أن أعترف ان السلوك والمنهجية التي اختارها رئيس فلسطين قد فاجأتني كثيرا، وهي تعتبر وبكل المعايير إنقلابا على ما عرفته منه شخصيا من توازن وموضوعية وبعد نظر وبرودة أعصاب، واعتدال ومعرفة حقيقية بالحسن والقبيح حتى في أوساط أقرب المقربين إليه، وإيمانه بأنه لا بديل لفلسطين إذا ما أرادت الإنطلاق الى مستقبل مختلف، إلا أن تكون متميزة في ديمقراطيتها وسيادة القانون فيها وتعدديتها، إضافة إلى ضرورة مساهمة كل الأطياف في بناء مستقبلها وحمل همومها وخصوصا الحركة الإسلامية.

هنالك تفسيران ممكنان لهذا التغير المتطرف في سلوك السيد ابو مازن، أولهما: انه لم يؤمن يوما بالديمقراطية وسيادة القانون وهو الذي أيد – حسب هذا المنطق التحليلي – الانقلاب على عرفات في حصاره بالمقاطعة، يوم فرض عليه تعديلات في الدستور استحدثت منصب رئيس الحكومة، وعاش مختلفا مع عرفات وفي صراعٍ معه إلى ان توفاه الله تعالى. وانه ما قبل بمشاركة حماس في الإنتخابات النيابية في كانون ثاني 2006، إلا وهو مقتنع بناء على معلومات مقربيه ومستشاريه بأنها لن تشكل في البرلمان إلا معارضة عاجزة، فلما ظهرت النتائج مخالفة لتوقعات مقربيه، لم يعد أمامه إلا التعامل فلسطينيا مع الواقع أملا في أن تغير حماس من موقفها وقناعاتها، فعمل على احتوائها وتكليف واحد منها بتشكيل الوزارة العاشرة، على ان يقوم من حوله من الفتحاويين المتنفذين ( بالعمل القذر ) لإسقاط حكومة حماس وإفشالها من خلال شل عملها من الداخل بفعل نفوذ فتح في الأجهزة الأمنية والجهاز الحكومي، وبالتواطؤ مع الأعداء في الخارج لإحكام الحصار على الشعب الفلسطيني بهدف الضغط على حكومة حماس وايصالها إلى طريق يدفعها في النهاية إلى التنازل عن السلطة، وبذلك يتحقق لمخضرمي فتح والمتحالفين معهم العودة الى السلطة عبر بوابات الإنقلاب الخفي وغير المعلن.

أميل إلى أن أستبعد في هذه المرحلة فقط، وأنا أنازع نفسي قناعاتها، ضلوع السيد الرئيس أبو مازن في هذا السيناريو بكل تفاصيله، إلا أنني على يقين أن عددا كبيرا ممن حوله ضالعون حتى النخاع في تنفيذ هذا المخطط، والذي رأى كل مراقب ملامحه واضحة منذ اللحظة الأولى بعد الإنتخابات التشريعية.

وثانيهما: أن السيد أبا مازن لم يعد في هذه المرحلة، رغم استمرار قناعتي بحسن نواياه، ملكا خالصا لشعبه يمثل أملهم وألمهم بشكل خالص، أو يعبر عن قناعاته الذاتية، فيما ينفذه من سياسات ويصدره من مراسيم وتعليمات أصبحت تتوالد كالنمل، ... أسمح لنفسي ان أضع هذا التحليل النفسي رغم اني لا ازعم انني من فرسان هذا الميدان، وذلك لما ألمسه من عصبية دائمة وتوتر مستمر لا يخفى على الإنسان العادي ناهيك عن الخبراء بطبائع الرجال، حتى في لقاءاته الرسمية التي لا تستدعي شدا في الأعصاب او قلقا في الكلمات ولغة الجسد والحركات.... لم يعد أبو مازن في هذه الأيام هو ذاته الذي عرفناه منذ امد بعيد... أصبح بتصرفاته وقراراته نسخة جديدة مكررة للدكتاتورية في صورتها الأسوأ، وهو الذي يجر في كل يوم فلسطين إلى حالة من القطيعة بين أبنائها وأطيافها، ويكرس على ثراها النموذج المخيف لأنظمة عربية كثيرة قتلت الإرادة الشعبية والكرامة الإنسانية في شعوبها، واختزلت الدولة كلها في يد الحاكم والحزب الواحد، وحرمت باسم القانون الجائر والظالم قطاعات واسعة من الأمة وعلى رأسها الإسلاميين من ممارسة حقها الشرعي في الممارسة السياسية الحقيقية، فأصبحت سلطتها مطلقة فأفسدت الحرث والنسل، فتخلفت الأوضاع وفسدت الذمم وانحطت الأخلاق وهزمت الأمة امام أحقر أعدائها....

أعتقد وبلا مبالغة ان فلسطين اليوم تمضي وبشكل متسارع من خلال ممارسة الرئاسة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، لتؤسس نظاما هو الأسوأ دكتاتورية واستبدادا ووحشية في الشرق الأوسط... أريد ان أومن ان أبو مازن لن يمضي في هذا الطريق وهو يرى نهايته الكارثية عليه شخصيا فيما سيكتبه التاريخ عنه، وعلى الشعب الفلسطيني الذي لن يخرج من هذا الوضع إلا محطما، وعل القضية الفلسطينية التي ستشهد ربما فصلا جديدا لن يقل خطورة عن النكبة الأولى.

أنتهز هذه الفرصة لأذكر السيد الرئيس بواقعة في العام 2004 ، يوم ضرب هو بنفسه ومعه محمد دحلان على باب التشريعي، وهتف المنافقون يومها: لا عباس ولا دحلان أبو عمار هو العنوان، لا دحلان ولا عباس أبو عمار هو الأساس .... فما الذي نسمعه اليوم؟؟؟؟!!!!... اليوم ذات الجوقة تصيح: عباس وبس والباقي خس، وعباس سيد الناس، فهو الشرعية والشرعية هو!!!..

ترى هل يصغي الأخ العزيز والسيد الرئيس أبو مازن الى لغة الماضي القريب هذا، وهل يستوعب بعقله الثاقب أبعاد تقلبات الزمان والتي لن يثبت أمامها إلا من ثبته الله ؟؟!!.... إن قدَّرَ الله سبحانه له الخير، وهذا رجائي وأملي، فلن يجد من يقيل عثرته ويذب عنه وعن القضية عاديات الزمان إلا أشراف هذا الشعب وفيهم وفي قلبهم حماس...

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018