يسمونها نكبة../ د.جمال زحالقة

أثار قرار وزارة المعارف الإسرائيلية بذكر كلمة "النكبة" في كتاب للصف الثالث الابتدائي، في المدارس العربية في الداخل، ردود فعل غاضبة وهستيرية في أوساط اليمين الإسرائيلي. وطالب بإقالة يولي تامير، وزيرة المعارف الإسرائيلية، عدد كبير من الوزراء السابقين والحاليين ومجموعة من أعضاء الكنيست من الأحزاب اليمينية والمتدينة. واتهمت تامير بأنها "خانت رسالتها" وبأنه "حالما يتعلم الطلاب العرب بأن ما حدث عام 48 كان كارثة فإن ذلك سيدفعهم للقتال ضدنا... وجهاز التعليم الإسرائيلي يخلق طابوراً خامساً".

ليست هذه الضجة سوى عاصفة في فنجان فارغ، فالحديث يجري عما تسميها إسرائيل حرب استقلالها، العرب يسمونها نكبة، وعن جملة بأن "بعض العرب اضطروا إلى مغادرة بيوتهم خلال الحرب وطرد البعض الآخر وأصبحوا لاجئين في الدول العربية". هذا كل ما جاء في الكتاب عن النكبة، وأما خطه العام فهو تكرار للرواية الرسمية الإسرائيلية وللتلفيق الصهيوني المعهود.

لم يأت ذكر النكبة لنفي الرواية الإسرائيلية أو حتى لموازنتها بل للتأكيد عليها. يبدو أن وزارة المعارف الإسرائيلية قد توصلت استنتاج بأن طرح الرواية الإسرائيلية الرسمية بفظاظة تتجاهل التطرق إلى ذكر النكبة واللاجئين قد يشكك الطلاب في مصداقية المنهاج الذي يتعلمونه، خاصة وأنهم يسمعون في بيوتهم وفي وسائل الإعلام عن هذه الأمور. ومع ذلك لم يتجاوز الكتاب الجديد حد وضع نقطة من الرواية الفلسطينية في بحر من التشويه المنهجي، الذي يهيمن على مناهج التعليم الإسرائيلية في كل مستويات التدريس. فالكتاب نفسه، مثلاً، يقرر بأن "سبب حرب 48 هو رفض الفلسطينيين قرار التقسيم"، ويتجاهل، مثلاً، رفض إسرائيل إعادة اللاجئين وفق قرارات الأمم المتحدة.

لقد طالب الفلسطينيون في الداخل بتغيير جذري في منهاج التعليم بحيث يقترب من الرواية الفلسطينية، وتميز حزب التجمع الوطني الديمقراطي بطرح مشروع الحكم الذاتي الثقافي، الذي ينسجم مع القانون الدولي بشأن الحقوق الثقافية للأقليات، ويضمن في إطاره الحق في صياغة برامج التعليم للمدارس العربية بكل ما يخص التاريخ والجغرافيا والثقافة والأدب واللغة والموروث الحضاري العربي.

وجاء هذا المشروع بديلاً لنظام الوصاية الإسرائيلية على جهاز التعليم العربي، والذي يهدف أساساً إلى نشر التجهيل القومي وصياغة شخصية ما يسمى بالعربي الإسرائيلي وفق مصالح المؤسسة الإسرائيلية الرسمية.

وقد سارع عدد من القيادات العربية في الداخل إلى الترحيب والتهليل لما جاء في الكتاب الجديد بالنسبة للنكبة، وليس هناك أي تبرير لهذا الموقف، فالكتاب لم يتجاوز السقف الصهيوني، ولا يمكن اعتباره بأي حال من الأحوال خطوة ملموسة بالاتجاه الصحيح.

الأمر المثير حقاً، ليس ثلاث أو أربع جمل يتيمة جاءت في كتاب، هو واحد من عشرات كتب التعليم التي تعتمد الرواية الصهيونية، بل ردود الفعل الهستيرية على مجرد ذكر كلمة نكبة في كتاب تدريس. هذه الردود تعكس عدم ثقة وخوف على الرواية الإسرائيلية، وتعكس فزعاً وهلعاً من الرواية الفلسطينية، وحتى من مجرد ذكرها.

من هنا، فإن نشر الرواية الفلسطينية ونقلها بشكل مثابر وعقلاني إلى العالم ومخاطبة الضمير الإنساني، هو مهمة وطنية من الدرجة، تؤدي بالضرورة إلى هز مصداقية المواقف الإسرائيلية وحتى إلى حشر إسرائيل في الزاوية. وبالعموم فإن من مصلحة الضحية كشف حقائق الجريمة ومن مصلحة المجرم التغطية عليها ونشر الأكاذيب لتبرير الأفعال وتبرئة الفاعل.

معظم ما يدرس في المدارس العربية مترجم عن منهاج المدارس اليهودية، الذي يعتمد حصرياً على الرؤية الصهيونية للتاريخ وللصراع. ورغم أن المنهاج الإسرائيلي يزرع بنفوس الطلاب التربية الصهيونية وتلفيقاتها وتنكرها لحقوق الشعب الفلسطيني، إلا أن عدداً كبيراً من المؤسسات والهيئات الإسرائيلية والصهيونية العالمية تتخصص في مراقبة ومتابعة مناهج التعليم الفلسطينية، وتنشر محلياً وعالمياً انتقاداتها على هذه المناهج لتشكل أداة بيد الحكومة الإسرائيلية وحلفائها للضغط على السلطة الفلسطينية لتغيير برامج التعليم باتجاه يرضي إسرائيل ويمنحها ويمنح ممارساتها وأيديولوجيتها شرعية في كتب التعليم الفلسطينية.

في المقابل لم يتطور جهد عربي يفضح مناهج التعليم الإسرائيلية التي تشوه الفلسطينيين وتاريخهم وتبرر حرمانهم من حقوقهم التاريخية. هذه التربية في المدارس الإسرائيلية هي الأساس للتعامل الإسرائيلي مع قضية فلسطين، بحيث يطرح الموقف السياسي الإسرائيلي ويسوق على أنه "تنازل" وكرم من الدولة العبرية وليس جزءاً من حقوق الشعب الفلسطيني.

ما لم يتغير منهاج التعليم ليس عند عرب الداخل فحسب، بل في المدارس اليهودية بالأخص، فإن الثقافة السياسية السائدة في الدولة اليهودية ستبقى تتنكر للحق الفلسطيني وتؤكد على أن الحقوق لليهود فقط، وأن ما يطرح على الفلسطينيين ليس حقاً بل منة وكرم إسرائيلي..

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018