السودان وغربه.. استنزاف لا انفصال!../ عبداللطيف مهنا

قبل أن يغادر منصبه كقائد عسكري للقوة المشتركة للأمم المتحدة و الاتحاد الإفريقي في إقليم دارفور السوداني، لخّص اللواء النيجيري مارتن لوثر أغواي واقع الصراع الدائر بين الحكومة المركزية في الخرطوم ومتمردي الإقليم، بعبارة كانت وحدها كافية لتوصيف راهن حال التمرد هناك، قال: "إن الشيء الوحيد الذي أراه هو أعمال لصوصية وقطع طريق".

قالها، وهو يشير إلى أن الإقليم لم يعد في حالة حرب، وأن المتمردين الذين انشطروا إلى مجموعات صغيرة بلغت العشرين لم تعد تمتلك القوة لمواصلة القتال ضد الحكومة، باستثناء واحدة هي "حركة العدل والمساواة" الأكثر تسليحاً من باقي هذه المجموعات، إذ يرى أنها هي وحدها القادرة الآن على شن غارات عسكرية محدودة... هل ما قاله يعني أن النزيف السوداني في هذا الإقليم هو موضوعياً في طريقه إلى الإيقاف، لاسيما وقد كثر الكلام عن الوساطات واللقاءات والمبادرات العربية والإفريقية وسواها لجمع شمل المتمردين وسوقهم إلى مائدة المفاوضات مع الحكومة سعياً لتلمس سبل التوافق بين الطرفين على وضع حدٍ لهذه البؤرة السودانية النازفة؟!

لكي نصل إلى استنتاجٍ متفائل مثل هذا، لابد لنا من كثير من الحذر، لاسيما ونحن إزاء صراعٍ له خلفيات وخصوصية مختلفة كل الاختلاف عن ذاك الذي في جنوب السودان، والذي عالجناه في مقال سابق، وإن كان الارتباط بينهما مشهوداً، سنعرض له لاحقاً، وكذا هو الترابط أيضاً بين كامل مشاكل السودان غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً، فالإقليم الذي تبلغ مساحته 650,000 كيلومترا مربعا، أو ما يعادل مساحة فرنسا، والذي يقطنه حوالي ستة ملايين سوداني، جميعهم مسلمون، يفاخرون بأن بينهم أكثر حفظة للقرآن في العالم، يشكلون مزيجاً قبلياً ذي سمات وفروقات عرقية غير واضحة هي بدورها خليط من الأفارقة والعرب، لازال سليماً من النزعات الانفصالية، وقضايا الصراع فيه بدورها لا تتسم أيضاً بالوضوح، و تتركز حول الاحتجاج على ما يدعى التهميش، وقسمة السلطة والثروة، والتعويضات. لكنما، وعندما يتبدى للمتابع أن المتوسطين قد نجحوا، وأن أطرافه قد شارفت على التوافق على الحلول التي طال أمد التفاوض حولها، وحيث يصبح التوقيع على ما اتفق عليه قاب قوسين أو أدنى، تزداد مطالب المتمردين فجأة ويضاف إليها جديدها، فيما يتضح للمراقب أنه نكوص أو تنصل من ورود مثل هذا الاستحقاق... ويستمر النزيف الدارفوري ومعاناة الدارفوريين وأثقال الكلفة الوطنية للصراع!

ورغم أن بعض الأصوات المتمردة و بعض وسائل الإعلام الغربية تحاول أن تعطي هذا الصراع، الذي بدأ عام 2003، أي بالتزامن مع بدء غزو العراق، بعداً عرقياً مفتعلاً، بزعم أنه إنما يدور بين العرب والأفارقة، فإن هذه المزاعم يدحضها الواقع وتاريخ الإقليم، والذي يقول أنه إذا ما كان هناك من أساس للصراع فإنه لا يتعدى تليد الصراعات القبلية الدائمة، التي يمكن اختصارها بالنزاعات التقليدية بين الرعاة والمزارعين في أوقات الجفاف وابتلاء التصحر، أضيفت له المسائل المطلبية العادلة لاحقاً.

قبلياً، يتوزع الستة ملايين سوداني من قاطني الإقليم مناصفةً مجموعتان من القبائل، واحدة لها لهجاتها المختلفة التي تشكل أداة تواصلها الأولى تليها العربية، والأخرى لغتها الوحيدة العربية، وهذه الأخيرة تتشكل من قبائل صغيرة هي حوالي السبعين قبيلة، منها التعايشة، التي تذكرنا بعبد الله التعايشي خليفة المهدي قائد الثورة المهدية التي اندلعت من هذا الإقليم لتعم السودان في حينه، والمحاميد، والصلحة، والهلبة، والزريقات، وبني هيلة، والكبابيش، والحمر...إلخ. أما المجموعة الأولى فعمادها ثلاث قبائل كبرى، جميعها ديارها تقع في الجزء الناظم للحدود التشادية السودانية، ولها امتداداتها التشادية، لكنما أغلبيتها في السودان وكذا شيوخها، وهي الزغاوة، 61% من عديدها سوداني، و 30% تشادي، و 10% ليبي، وتقطن شمالي دارفور، والفور في وسط دارفور وعديدها السوداني 65% والتشادي 35%، والمساليت الذين منهم 60% في السودان و 40% في تشاد، وهي قبائل عابرة للحدود وعابرة أيضاً من حيث المشاركة في التمرد في أي من البلدين، أما الولاء عندها فغالباً هو لزعيم القبيلة أولاً.

ومن مفارقات الواقع الحدودي هذا بين السودان وجواره الإفريقي أن التشابك القبلي على جانبيه يفرض وقائع غير معتادة خارج القارة، مثل ما كان خلال الحرب الأهلية التشادية من انسحاب للفصائل المحاربة بكامل عتادها وعديدها إلى داخل السودان، وعندما انهار النظام في امبراطورية إفريقيا الوسطى انسحب جيشها بكامل أسلحته أيضاً إلى داخل السودان، ومثلهما فعلت أيضاً الميليشيات التي سلحتها الجماهيرية في تشاد ذات يوم. إلى جانب تعرض الإقليم لنشاطات تجارة الأسلحة الدولية العابرة للحدود وواسعة النطاق، الأمر الذي جعل الإقليم مستودع أسلحةٍ لا ينفذ، يضاف إلى هذا مفارقة أخرى لها علاقة بطبيعة وظروف قاطني المنطقة و خصوصياتها، وهي أن الحكومة في مواجهة التمرد لجأت إلى تسليح ما يعرف بالجنجويد، أو راكبي الخيول، فانتشر هؤلاء، وهم بدورهم يتكونون من عديد الفصائل، بأسلحتهم في الغابات وبدأوا في فرض شروطهم على الحكومة التي سلحتهم!

إذا هناك علاقة وطيدة بين حالة التمرد والواقع القبلي المحلي، دخلت عليه وحاولت توظيفه عوامل خارجية عديدة... من هم المتمردون ومن هم حلفاء التمرد وداعميه أو مشجعيه؟

للإجابة لا بد لنا هنا من التمهيد لها بالقول، إن الإقليم يختزن، أو جنوبه تحديداً، ثروات باطنية هائلة مطمورة تحت رماله، ومن ذلك، ما يعادل 6 مليون طن من خام اليورانيوم ترقد عليها تلال جبل مرة، ورابع أكبر مخزون نحاس في العالم يكمن جنوبي دارفور، إلى جانب كميات كبيرة من النفط الخام، الأمر الذي جعل في مقدمة حلفاء ورعاة وداعمي التمرد يأتي الفرنسيون والبريطانيون والأمريكان... طبعاً إلى جانب إسرائيل الساعية وفق الاستراتيجية الصهيونية كما هو معروف إلى تفتيت العالم العربي. ثم يأتي دور الحكومة التشادية التي يسيطر عليها النفوذ الفرنسي والإسرائيلي ويوجهها، والمسيطرة بدورها على حركات التمرد والموجهة لها.

وإضافة إلى هؤلاء، يمكن ذكر حلفاء داخليين للتمرد، مثل الحركة الشعبية لتحرير السودان الجنوبية المتمردة، التي لطالما حاولت الإفادة من تمرد دارفور في صراعها مع المركز في الخرطوم، والمعلوم أن زعيمها الراحل الدكتور جون غرنق قد خطط في مطلع التسعينيات إلى فتح جبهة حرب جديدة ضد الحكومة في دارفور، حيث أرسل حملة مكونة من عشرة آلاف مقاتل إلى هناك، لكنما نجاح الجيش السوداني حينها في القضاء على الحملة قبل وصولها إلى مرتفعات جبال مرة أفشل المخطط. أما ما هم موضوعياً الحلفاء الآخرون، فهم بعض أطراف المعارضة السودانية التي في صراعها مع الحكومة على السلطة تحاول توظيف التمرد في معاركها السياسية دون التوقف كما ينبغي وكما يفترض أمام خطره على مستقبل البلد برمته... من هم المتمردون؟

من أهم عناوينهم فصيلان هما "حركة العدل والمساواة" وزعيمها الدكتور خليل، وغالبية منتسبيها هم من قبيلة الزغاوة أو ذات القبيلة التي ينتمي إليها الرئيس التشادي إدريس دبي، وبرنامجها إسلامي الطابع، يعود إلى مدرسة الترابي وأتباعها في غالبهم كانوا من أتباعه. والحركة الشعبية لتحرير السودان، وزعيمها مني أركيناوي، وهي علمانية الطابع وتضم إسلاميين يوصفون بالمعتدلين، وهي كانت وطيدة العلاقة مع الحركة الجنوبية التي كانت قد دربت وسلّحت عناصرها، كما تشاركها نفس العقيدة العسكرية، والبرنامج والدستور، وأيضاً الحلفاء. وهنا يجب أن لا يغيب عن الذهن أن الجنوبيين حاولوا جهدهم، وكما أشرنا آنفاً، توظيف صراع دارفور في مفاوضات نيفاشا. وهذه الحركة اليوم غدت أجنحةً عديدة. جميعها يمكن نسبتها إلى قبيلة الفور، وبدرجة أقل المساليت.

وإذا ما تحدثنا عن التمرد ومن هم المتمردين، فيجب استحضار دور النظام التشادي المهم حيال استمرار اندلاعه، و النظر لظروف هذا النظام المتعلقة به وتأثيره في المسألة، وهنا، والحالة هذه، يجب عدم إغفال كونه يواجه معارضة مسلحة داخلية شبه دائمة، وعليه، ولكي يحظى بدعم كلٍ من فرنسا وبريطانيا وإسرائيل، وتعاطف الغرب عموماً، فلا بد له من تسعير العداء مع النظام السوداني الحالي ذو اللمسة الإسلامية، كوسيلة مفيدة لاستدرار المزيد من الدعم من جبهة داعميه هؤلاء. ثم حقيقة أن الدعم العسكري الذي يصل إلى المتمردين السودانيين عبر انجامينا يذهب جلّه إلى جيبها، وقليله لحلفائها المتمردين الدارفوريين. ناهيك عما يشاع من علاقة للرئيس إدريس دبي مع تجار الأسلحة الدوليين المحاولين الإفادة من سوق الجرح السوداني المفتوح... والسؤال السوداني الآن. ما هي احتمالات السلام في دارفور؟!

دون أن نهمل ما قاله اللواء النيجيري مارتن لوثر أغواي، قائد ما يسمى القوة الأممية الأفريقية الهجين، وهو يودع رمال دارفور، علينا أن لا ننسى أن حركات التمرد هناك لم تعد تملك قرارها، لأنها غدت تمثل تماماً أطراف الصراع الحقيقيين. وعليه، فالأمر في جوهره ليس بيدها... وأخيراً، هناك خطر انفصال يلوح في جنوب السودان، أما في غربه فتدار عملية استنزاف للبلد لا تقل خطورةً عن الانفصال، وهي موضوعياً عامل مساعد له.