"الجواب في ما نرى، لا في ما نسمع"../ علي جرادات

الأرض جوهر الصراع، وعملية ابتلاعها وتفريغها سياسة إسرائيلية ثابتة، تعلو وتهبط تبعاً لتغيرات معطيات الصراع. ومن الطبيعي أن ترفع حكومة نتنياهو وتائر هذه السياسة، ليس فقط لأنها من أكثر الحكومات الإسرائيلية تطرفاً، بل أيضا لأن الحالة الفلسطينية والعربية تعيش أسوأ حالات تآكلها.

وجاءت نتائج لقاء أوباما- نتنياهو لتعكس هذه الحقيقة، ولتؤكد من جديد حقيقة الموقف الأمريكي العملي من الصراع عموماً، ومن السياسة الإسرائيلية الإبتلاعية الإقتلاعية تحديداً. فنتنياهو الغارق حتى أذنيه في إجراءات الحصار والتهويد والإستيطان والتفريغ والتدمير والقتل والإعتقال... أصبح في نظر أوباما بقدرة قادر على أتم الاستعداد للمجازفة من أجل السلام، وبالتالي فإن على الفلسطينيين أن يقابلوا هذا الإستعداد بالإعلان عن الانتقال إلى مفاوضات مباشرة، بما ينطوي على تحميل الفلسطينيين، وليس الجرافات والدبابات والطائرات الإسرائيلية، مسؤولية فشل المفاوضات غير المباشرة، الأمر الذي يعيد للذاكرة تحميل الرئيس الأمريكي الأسبق كلينتون للفلسطينيين مسؤولية فشل مفاوضات كامب ديفيد المفصلية في تموز 2000.

إن موقف أوباما ليس بجديد، فالعقرب هو العقرب، ولا يعود عقرباً إن هو كفّ عن اللسع. والحديث الشريف يقول: "لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين"، لكن يبدو أن "لجنة المتابعة للمبادرة العربية"، لم تسمع بهذه الحكمة، وأخشى ما أخشاه أنها لن تتصرف وفقاً لها حتى بعد سفور انحياز أوباما لصلف نتنياهو، مع كل ما ينطوي عليه هذا السفور وذاك الصلف من مغازي ودلالات سياسية، لعل أهمها:

1: إن القيادة الإسرائيلية، على اختلاف مشاربها الحزبية الرئيسية، ليست في وارد التوصل إلى اتفاق سياسي لا يفرض شروط رؤيتها الإبتلاعية الإقتلاعية، وأنها ماضية في ظل أكثر الحكومات الإسرائيلية تطرفاً، في تنفيذ هذه الرؤية على الأرض، بدءاً باستكمال عمليات التهويد والتفريغ في القدس، مرورا بعمليات تكثيف الإستيطان وتقطيع الأوصال والقتل والإعتقال في الضفة، وصولاً إلى استمرار الحصار والقصف والتدمير في غزة. ولا تشكل مسرحيتا "تخفيف الحصار" عن غزة و"التجميد المؤقت للإستيطان" في الضفة، إلا ذراً للرماد في العيون، بل ومحاولة لبيع الوهم بأثمان باهظة.

2: إن الإدارة الأميركية، على تنوع مشاربها الحزبية وشخوصها، ليست في وارد ممارسة سياسة ضاغطة على القيادة الإسرائيلية، بل وليست في وارد تغيير سياسة الانحياز السافر للسياسة العدوانية الإبتلاعية الإقتلاعية الإسرائيلية.

إن تلازم الصلف الإسرائيلي والإنحياز الأمريكي له يفضي إلى نتيجتين متلازمتين، الأولى: إدامة أن تبقى إسرائيل "نزازة" حرب واعتداء وإرهاب، أما الثانية فتتمثل في استبقاء الصراع العربي الإسرائيلي، وجوهره القضية الفلسطينية، مفتوحاً على كل الاحتمالات.

عليه، لماذا خيبة الأمل من تغطية أوباما الكاملة لصلف نتنياهو؟؟!! ربّ قائل: لكن موقف أوباما الأخير شكل تراجعاً عما أعلنه من مواقف عقب فوزه. والسؤال: هل هذا التقدير دقيق؟؟؟

كلا، إنه تقدير خاطئ لا يميز بين مضامين السياسية الأمريكية وبين أشكال تسويقها في كل مرحلة. فأوباما كما أي رئيس أمريكي سابق، ينفذ في نهاية المطاف مضامين سياسة إستراتيجية تعكس المصالح العليا للولايات المتحدة. وبات غنياً عن الشرح أن التحالف الإستراتيجي بين البيت الأبيض وتل أبيب، يشكل أحد الأعمدة الأساسية الثابتة للسياسة الأمريكية، فإسرائيل تشكل ركناً ركيناً في حماية المصالح الأمريكية وهيمنتها في منطقة ليست كأية منطقة من العالم لاحتوائها على "كنز" نفطي إستراتيجي. هكذا كانت دوما سياسة البيت الأبيض الشرق أوسطية، فكيف الحال والمنطقة تشهد تنامياً لدور إيران كقوة إقليمية نافذة؟؟!!

وبالتالي كان مخطئاً كل من ظنّ أن الملف الفلسطيني كان سيحوز على تركيز جدي في لقاء أوباما- نتنياهو، ليس فقط بسبب تركيز اللقاء على ما هو إستراتيجي من التحديات، أعني التحدي الإيراني وتشابكه مع باقي ملفات المنطقة وتحدياتها، بل أيضا بسبب أنه لا يوجد ما يدعو للقلق الأمريكي-الإسرائيلي الجدي تجاه الملف الفلسطيني، فهو اليوم في أفضل حالات السيطرة عليه، وذلك للأسباب التالية:

أولاً: تعاني الطاقة الفلسطينية من انقسامها العمودي الداخلي الذي لا يضعفها فقط، بل يعطي سبلاً إضافية للعب الأمريكي-الإسرائيلي أيضا، والأنكى أنه لا يلوح في الأفق بوادر جدية لتجاوز هذه الحالة الكارثية غير المسبوقة، على الأقل منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة في أواسط ستينيات القرن المنصرم.

ثانياً: انسداد سبل الدعم الميداني العربي للقوة الفلسطينية، فمنافذ هذا الدعم معاقة سياسياً باتفاقية وادي عربة الأردنية شرقاً، وباتفاقية كامب ديفيد المصرية جنوباً، ناهيك عن اتفاقية الهدنة السورية شمالاً.

ثالثاً: مركز القرار الرسمي العربي، ومنذ مدريد عام 1991، قرر انتهاج سبيل واحد لا يتغير في التعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي، أي سبيل التفاوض المباشر المنفرد تحت الرعاية الأمريكية عملياً، بل حتى دون استخدام أوراق القوة السياسية العربية المتاحة، وهي ليست قليلة ولا هي هامشية لو أن خلفها إرادة سياسية منظمة وفاعلة غير منقسمة على بعضها.

إن صلف سياسة نتنياهو وحكومته ليس بحاجة لإثبات، فإجراءاتها على الأرض أبلغ من أية كلمات، وتقول: "الجواب في ما ترى لا في ما تسمع"، والانحياز الأمريكي السافر لهذه السياسة بات جليا حتى لرجل الشارع الذي لا يعرف من السياسة غير اسمها، وتآكل الحالة الفلسطينية والعربية غني عن الشرح والتبيان. وكل هذا يطرح سؤال: وماذا بعد؟؟

إن الخطر الداهم يكمن في أن يفضي الضغط الأمريكي على الطرف الفلسطيني والعربي إلى انصياع "لجنة المتابعة العربية"، وبالتالي الفلسطينيين، إلى الانتقال إلى المفاوضات المباشرة من أجل إعطاء فرصة أخرى للجهود الأمريكية، وذلك مقابل مجموعة من إجراءات حسن النية الصورية الإسرائيلية في الضفة وأكذوبة "تخفيف الحصار" في غزة. إن أمراً كهذا في حال حدوثه، سيكون بمثابة إعطاء فرصة لحكومة نتنياهو لاستكمال إجراءات تهويد القدس وتفريغها، يعني إعطاء الجرافات الإسرائيلية وعمال البناء والعاملين في دوائر التهجير فرصة لاستكمال مهامهم في التدمير والتهويد والتفريغ، وكأن نتنياهو يقول للإسرائيليين لا تخشوا فـ"الجواب في ما ترون، لا في ما تسمعون". وأخشى أن يكون العرب يسمعون ولا يرون، وتصدق عليهم مقولة عبد الله القصيمي "العرب ظاهرة صوتية".