اتفاق مكة والتحديات القادمة../ أحمد الحيلة*

يعيش غالبية الشعب الفلسطيني جواً من التفاؤل والأمل بقرب إعلان تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، رغم ما يعتري هذا التشكيل من معوقات تتعلق أساساً بشخص وزير الداخلية المرتقب.

ومرد هذا التفاؤل يعود إلى أن اتفاق مكة أحدث مجموعة من المتغيرات الإيجابية على الساحة الفلسطينية أهمها:

• وقف "الاقتتال" والاحتكاك الداخلي بين أكبر فصيلين، والتأسيس لمرحلة جديدة أساسها الحوار والتوافق.
• تعزيز الشراكة السياسية بديلاً عن التفرد والاختزال؛ فحركة فتح التي قادت مسيرة النضال لعقود خلت، ارتضت أخيراً أن تكون شريكاً وطنياً لفصيل فلسطيني حديث النشأة نسبياً مقارنة بتاريخ حركة فتح، وهذا في حد ذاته إنجاز وطني يمهد لما بعده من إمكانية إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية على أسس سياسية وديمقراطية جديدة اتفق عليها في القاهرة عام 2005، وأكد عليها اتفاق مكة.
• التوافق بين حركتي فتح وحماس ـ ولو بالحد الأدنى ـ على أسس البرنامج السياسي لحكومة الوحدة، وعلى الموقف من الشرعية الدولية والعربية، ومسألة الاعتراف بالاحتلال الإسرائيلي..، قصّر المسافة بين الطرفين ومهد أكثر للتقارب بين البرامج على الساحة الفلسطينية، مما سيعزز الوحدة الوطنية في وجه الضغوط الخارجية.
• اتفاق مكة أحدث ضعفاً في الموقف الصهيوأمريكي الذي انسدت في وجهه الثغرة بفعل التوافق الفلسطيني الذي لقي تأييداً عربياً "ظاهراً" ، وترحيباً من بعض الدول الأوروبية وروسيا الاتحادية التي تشكل ركيزة أساس في الرباعية الدولية.

إذن اتفاق مكة يعد نقطة تحول إيجابية، يؤمل أن يجد فرصته إلى حيز التنفيذ، والتأسيس لما بعده من إنجازات وطنية أهمها إعادة بناء م.ت.ف

لكن هذا الاتفاق رغم ما يحيط به من تفاؤل، إلا أن طريقه محفوف بالتحديات، والمعوقات الذاتية والموضوعية التي تتطلب جهداً فلسطينياً مشتركاً من الفصائل الفلسطينية وحكومة الوحدة الوطنية "المرتقبة" حتى يتم إنفاذه، وحتى لا تنتكس الحالة الفلسطينية، وتعود إلى نقطة الصفر، ومن أهم تلك التحديات ما يلي:

أولاً: الحفاظ على التوافق الوطني الداخلي والإسراع في تشكيل حكومة الوحدة؛ فمن المعلوم أن اتفاق مكة جاء عقب "اقتتال" واحتكاك، ورغم أنه يعبر عن توافق فلسطيني عام إلا أنه ليس بالضرورة يعبر عن مصالح "الجميع"، فهناك أشخاص متنفذون أو فئات مهما صغر حجمها، تعتبر نفسها متضررة من حالة التوافق بين حركتي حماس وفتح، وتلك الفئات قد تُستغل بتحريض من الاحتلال لإحداث خلخلة أو ثقوب في حالة التوافق الفلسطيني خدمة لمصالح ضيقة، وهذا بحاجة إلى يقظة من الجميع، وتغليب للمصلحة الوطنية والعامة على المصالح الفصائلية أو الشخصية، حتى لا تُعطى الذريعة للمتربصين، وحتى يتمكن الفلسطينيون من التقدم في مواجهة الاحتلال والحصار..

ثانياً: التمكن من كسر الحصار؛ فمن المشكوك فيه أن يتمكن الفلسطينيون من رفع الحصار أو إنهائه كلية في المدى القريب أو المنظور، طالما بقيت الولايات المتحدة تعارض ذلك لما لها من وزن ونفوذ دولي، وطالما أن الاحتلال الشريك الاقتصادي الأول، والمنفذ التجاري الأوحد للضفة والقطاع، يعمل على وضع المزيد من العراقيل أمام محاولات رفع الحصار.
لكن رغم ذلك، فأمام الفلسطينيين فرصة سانحة لكسر الحصار أو اختراقه من خلال استثمار التأييد العربي لاتفاق مكة، وتحويله إلى دعم عملي مادي للشعب الفلسطيني، خاصة وأن الدول العربية سبق وأن اتخذت موقفاً جماعياً على مستوى وزراء الخارجية بدعم الفلسطينيين وعدم التساوق مع الحصار، وهذا ما يجب تعزيزه في اجتماع القمة العربية المزمع عقدها هذا الشهر في السعودية (راعية اتفاق مكة).
وفي هذا السياق على الفلسطينيين أن يستعدوا لقطع الطريق على أي طرف عربي قد يسعى في قمة الرياض القادمة للترويج لشروط الرباعية كمقدمة ومطلب لإنفاذ اتفاق مكة، خاصة وأن هذا المسعى تستعد له واشنطن وتل أبيب من خلال ممارسة الضغط على بعض الدول العربية التي قدّمت له من خلال بعض المواقف الإعلامية المسبقة، في محاولة منها لإفراغ محتوى اتفاق مكة والالتفاف عليه.

ثالثاً: الجمع بين السياسة والمقاومة؛ فالحالة الفلسطينية شهدت تجاذباً بين برنامجين، الأول برنامج التسوية بقيادة حركة فتح، والثاني برنامج المقاومة بقيادة حركة حماس، وقد أدى هذا التجاذب إلى التصادم السياسي بين الفريقين إلى أن وقع المحظور من "اقتتال" داخلي شهدته الأشهر الماضية.
الآن وفي ظل الشروع في تشكيل حكومة الوحدة، قد يظن البعض أن الجليد بين البرنامجين قد ذاب، وأن الدفء هو سيد الموقف. لكن الحقيقة أنه ما زال هناك تباين واضح في المواقف والرؤى بين الطرفين: فحركة فتح تعترف بالاحتلال صراحة، وحركة حماس تصر على عدم الاعتراف بالاحتلال رغم احترامها الأخير للاتفاقات الموقعة..، كما أن فتح ما زالت تتمسك بالتسوية السياسية كخيار استراتيجي رغم ما شهده هذا المسار من تعثر وجمود وتراجع بسبب تعنت الاحتلال، مقابل ذلك تتمسك حماس بالمقاومة كخيار استراتيجي في التعامل مع الاحتلال رغم التهدئة المستمرة منذ نهاية عام 2005 لأسباب تكتيكية لا يتسع المقام لذكرها.

رغم ما تقدم تشير القراءة الموضوعية أيضاً، إلى أن النجاح في توقيع اتفاق مكة، ومن ثم تشكيل حكومة الوحدة على أساس برنامج سياسي مشترك ولو بالحد الأدنى، إلى تقارب حاصل بين البرنامجين، وإلى قدرة فلسطينية على إمكانية المزج بين العمل السياسي والمقاومة، يعززها النجاح في اختراق الحصار، وإعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية.

من هنا إسراع الفلسطينيين ونجاحهم في إنفاذ اتفاق مكة، ومن ثم قدرتهم على اختراق الحصار سيؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة السياسية التي ستعيد بالضرورة صياغة الرؤية السياسية للفلسطينيين بشكل مختلف عما سبق، بعد أن تصبح المقاومة عنصراً أساسياً في المعادلة السياسية.

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019