عملية صيانة لـ "عملية السلام"../ عوض عبد الفتاح

كل المعطيات المحيطة بفكرة المؤتمر الدولي الذي يجري التحضير له في تشرين الثاني، والتصريحات الصادرة عن الأطراف المعنية، خاصة الفريق الإسرائيلي وفريق أبو مازن تؤكد على أن هذا المؤتمر ليس إلا عملية "صيانة" جديدة لما يسمى بـ عملية السلام التي يصيبها الإهتراء بين الحين والآخر.

إجراء عملية صيانة دورية، لـ"عملية السلام"، ولعملية إدارة الأزمات، كبديل عن إيجاد الحلول الجذرية للصراع العربي-الصهيوني، أصبح منذ فترة طويلة جزءاً من الإستراتيجية الأمريكية في التعامل مع قضايا المنطقة العربية وصراعها مع إسرائيل.

الرفض الشعبي، العربي والفلسطيني، للإنحياز الأمريكي المطلق والثابت للسياسية الإسرائيلية، هو الذي يدفع زمرة البيت الأبيض، جمهورية أو ديمقراطية، الى التمسك بهذه الإستراتيجية ظناً منها أن يوماً ما سيسقط الرفض، و"تنتفض" الأنظمة العربية على شعوبها وتتجاوزها كلياً نحو القبول النهائي بأركان التسوية الأمريكية-الإسرائيلية.

يدرك فريق رئيس السلطة الفلسطينية، هذه الحقيقة. وهو لا يصدق أن المؤتمر الدولي المقترح أمريكياً سيفرز تسوية عادلة، أو يضع مقدمات لتسوية عادلة، (هذا إذا كان هناك تسوية عادلة). وهو يقرأ جيداً عدم الإستعداد الأمريكي – الإسرائيلي لقبول أمر كهذا، وهو يقرأ موقف الرأي العام الإسرائيلي، والإجماع الإسرائيلي على ثوابت أساسية لم يتزحزح عنها بعد، وهي: عدم الإنسحاب الى حدود الـ 67، الإحتفاظ بالكتل الإستيطانية الكبيرة، الإحتفاظ بالقدس الكبرى، عدم القبول بدولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة على جوّها، وأرضها ومياهها وحدودها وسياستها الخارجية والأمنية، ورفض تطبيق حق العودة..

ويدرك هذا الفريق أيضاً، الدوافع الأساسية وراء قبول رئيس حكومة إسرائيل بفكرة المؤتمر الدولي ويعلن عن استعداده لبحث (وليس حلّ) القضايا الكبرى أي الثوابت المذكورة أعلاه. وهي دوافع تتلخّص في استثمار الإنقسام الفلسطيني والخوف من انتقال تجربة حماس الى الضفة الغربية، وإنقاذ نفسه من نتائج لجنة "فينوغراد"، والظهور بمظهر القائد القوي الذي لديه مشاريع سياسية، خاصة وأن شعبيته في الحضيض منذ هزيمته في لبنان في تموز 2006.

كل ذلك يعرفه فريق أبو مازن، ذلك الفريق الذي أعاب على الشهيد ياسر عرفات عدم قبوله ما عرض عليه في كامب ديفيد عام 2000 من جانب رئيس حكومة اسرائيل السابق إيهود باراك... ومن يومها يتحيّن الفرص لقبول عرض كهذا فيما لو أعيد طرحه. كل ذلك يلتقي مع الحاجة الأمريكية لمساعدة من محور الإعتدال العربي في الخروج من المأزق العراقي ومواجهة إيران ومن يقف في محورها – سوريا وحزب الله.

يجادل البعض أن هذا الفريق، وأبو مازن بالتحديد لا يتجرأ على قبول عرض من هذا النوع، ولكن ما هو السبب أو الأسباب وراء اندفاع أو جموح هذا الفريق نحو ما يخطط الآن في كواليس الدوائر الأمريكية والإسرائيلية أو نحو القبول بفكرة المؤتمر الدولي في تشرين الثاني.

وقبل الإجابة على السؤال ينبغي الإنتباه الى ما يردده بعض أركان هذا الفريق، وهو أنه لن يقبل بأقل من الحذّ الأدنى ويحاجج أنه ما الضرر في الذهاب الى هذه التجربة. وكأن خوضها والخروج منها سيكون بلا ثمن باهظ. إذاً ما الهدف الحقيقي وراء ذلك. وهل فعلاً لن يكون ضرر من الإندفاع نحو مغامرة جديدة ليست مؤسسة على القرارات الدولية، وعلى المبادرة العربية، على نواقصها، بل على ميزان القوى القائم المائل لصالح إسرائيل.

إن أهم قاسم مشترك بين الأطراف الثلاثة: فريق ابو مازن، أولمرت، كوندليسا رايس صاحبة الفكرة، هو إضعاف حركة حماس وإبطال مفعول "ثقافة المقاومة باعتبارها في نظر هؤلاء المعرقل الرئيسي للتسوية – التصفوية. الخطأ الإستراتيجي الذي ارتكبته حماس (الحسم العسكري) زوّد فريق أوسلو وحلفاءه ما أرادوه دائماً.. حتى ينطلقوا في مشروعهم التسووي دون وازع. إن بعض أعضاء هذا الفريق، إن لم يكن كلهم، يشعرون بالغبطة إزاء هذه المأساة، دون أن يدركوا المأساة الحقيقية وهي الكامنة في نهجهم السياسي القائم على قبول التسويات التصفوية، ونهجهم الإجتماعي القائم على الفساد.

يتضح الآن أن فريق أبو مازن يريد أن يستثمر خطأ حماس، ومخاوف إسرائيل من إمكانية نهوض حماس في الضفة، وأن يستفيد من استعداد أمريكا وحلفاؤها تزويد السلطة بالأموال، لخلق بنية اقتصادية (مشوهة) وأمنية، تابعة وغير مستقلة، في الضفة تستطيع أن تشكل بديلاً لحماس وفي مواجهتها.

هذا الفريق يرى أنه حتى لو لم يحصل أي تقدم في التسوية في هذا المؤتمر فإن الأموال والتعاطف الخارجي يُسهل على هذا الفريق تحقيق هدفه في هذه المرحلة، تأسيساً لمرحلة قادمة تكون حماس، بتقديرهم، قد ضعفت كثيراً، وتآكل موقفها المقاوم، وتكون قد ارتكبت المزيد من الأخطاء في مجال ممارسة السلطة مما يسهل على هذا الفريق تحقيق أهدافه المرحلية أو المضيّ في خطه دون عراقيل من الداخل... أي دون مقاومة.. خاصة في ظل غياب فاعلية قوى اليسار.

سينجم عن هذا المسار الجديد – القديم نتائج وخيمة أهمها:
تعميق الإنقسام وما يمكن أن يولده من مآس إضافية على الأرض، وهدم ما تبقى من القيم الوطنية والأخلاقية على الساحة الفلسطينية جراء إسباغ الشرعية على الإستقواء بأمريكا وإسرائيل لتعزيز سلطة أبو مازن، وإبعاد الشعب الفلسطيني عن أهدافه الوطنية المشروعة.

الخطورة تكمن في كون الإندفاع نحو المؤتمر المذكور لا يأتي من ضغط أمريكي بل من قبول إرادي وطوعي من فريق أوسلو.. ولكن الآن أصبح هذا الفريق ملزماً بعدم إجراء الحوار مع حماس. لقد أخذ عهداً من التحالف الأمريكي – الإسرائيلي بزيادة الضغط على حماس، وتقديم الأموال لسلطة الضفة وتعزيز قواتها الأمنية، ووعود سياسية غامضة سيكون التعلق بها أي العودة الى الدوران في حلقة المفاوضات المفرغة كارثة جديدة. تلك ليست تقديرات سياسيين ومراقبين فلسطينيين فحسب بل تقديرات اسرائيليين من أنصار أوسلو أيضاً.

من الواضح أن كل هذه المعطيات، المقصود الإرتباطات الدولية واللاءات الإسرائيلية، تغلق الباب أمام الحوار الداخلي. إزاء ذلك تبقى الساحة الفلسطينية تنتظر بديلاً ثالثاً ينهض من بين أوساط اليسار وأوساط حركة فتح وأوساط في التيار الإسلامي يؤسس لحالة ثقافية- سياسية وشعبية جديدة. ولكن حتى الآن لا توجد بوادر لذلك. يبدو أن كل تلك الأوساط أصبحت رهينة ما سيتولد عن التناحر الثنائي – فتح الرسمية وحماس، وما سينسجم عن المؤتمر العبثي الكارثي.