لزوم انعتاق المسألة الفلسطينية من أسرها!../ مرزوق الحلبي

إذا ما رصدنا ما يحصل في مساحة المسألة الفلسطينية، وهي محور من المحاور الأهم في حياة العرب الخارجين من مرحلة الاستعمار، فلا بدّ أن نتوصّل إلى الاستنتاج بأنها عادت إلى المربّع الأول. فحركة التاريخ اللولبية أتاحت لنا مؤخرا مشهدا مثيرا يُثبت مقولة إن التاريخ يعود على نفسه ولكنه في المرّة الثانية يكون أكثر بؤسا! فقد نفهم بأثر رجعي ذاك الخصام بين اللجنة الوطنية العليا بقيادة التيار المحافظ الذي يراهن على بريطانيا في حينه وبين حملة السلاح من الفلسطينيين الذين يريدونها حربا على المنظمات الصهيونية وعلى بريطانيا، في الوقت ذاته. لكننا نأسى وقد ننفلق من قهر على مرأى اقتتال الأخوة في قطاع غزة الآن وأمس وغدا! يبدو المشهد الآن، وبعد هذا العمر الطويل وهذه التضحيات، في ذروة بؤسه. أما نحن فلا نعرف طريقة لصرف هذا البؤس أو درئه! ما تشهده المسألة الفلسطينية الآن عودة على بدء ولكن على نحو أقسى وأكثر إنهاكا للروح.

عاشت المسألة الفلسطينية ردحها الأطول بنفس عسكري وجد له ألف تعبير وتعبيرا. بل رأينا كيف تمّت عسكرتها من أوّلها إلى آخرها، ومن طفلها إلى شيخها، ومن رموزها إلى خطابها. ويبدو لي الآن إن المشروع السياسي الذي بدأ في النخب الساعية إلى السيادة والوطن، تعرّض في منعطف ما إلى انقلاب عسكري ظلّ الفاعلون فيه ماسكين بزمام هذا المشروع حتى عندما تأكّد لهم إن من الضروري والمصيري العودة إلى الحياة المدنية، أو على الأٌقلّ إلى تغليب الفكر المدني في هذا المشروع. تمّ اختزال المشروع في العمل المسلّح المقاوم بفعل تحولات في المسألة الفلسطينية وطبيعة الصراع مع إسرائيل، وبتأثير المناخ التحرريّ الثوري الجيفاروي الفيتكونغي السائد في حينه ( مرحلة التحرر التي أعقبت الحرب العالمية الثانية ) وصودرت "الأوراق الثبوتية" للمشروع بشقّه المدنيّ. وبدل أن تخدم الثورة المسلّحة المشروع صار على المشروع أن يخدم الثورة المسلّحة ويوفّر لها المرتبات والموارد وأفق الحراك ـ كما يحدث في السنوات الأخيرة في ظل السلطة الوطنية. وللمفارقة نشير إلى مقولة كان يرفعها النقديون في إسرائيل ومفادها إن إسرائيل هي جيش عنده دولة! لأنها لم تدرك إلى سنوات مضت كيف تنتقل من "العسكري" إلى "المدنيّ".

من التطورات اللافتة في المسألة الفلسطينية هي تلك الإجراءات على الأرض التي يحاول أن يفرضها الجانب الإسرائيلي، الذي قرّر كما يبدو، إنه من القوة بمكان فيستطيع حسم المسألة الفلسطينية من جانب واحد، تماما كما كان يعتقد بن غوريون في سرّه وأفعاله. فإذا ما سجّلنا العلامات الفارقة منذ إقامة جدار الفصل العنصريّ وما استتبعه من إجراءات لا سيّما إقصاء عرفات بوصفه رمزا وممثلا للقيادة/النخبة الفلسطينية وطموحاتها، ورمزا أساس للمشروع السياسي الفلسطيني بعد اللجوء، ومن ثمّ استهداف المدينة الفلسطينية في الجبل بعد أن فرضت السيطرة على المدينة الفلسطينية في الساحل في أربعينيات القرن الماضي، وانتشاء الخطاب الديموغرافي في إسرائيل وتحوّله إلى سياسات عزل مكاني وتطهير عرقي (أنظروا ما حصل ويحصل على جانبي جدار الفصل العنصري وفي النقب، أيضا، وقرار المحكمة العليا الإسرائيلية التي شرّعت منع لمّ شمل العائلات الفلسطينية على جانبي الخط الأخضر، ومقترحات إسرائيلية جدية لتبادل سكاني مع كيان فلسطيني لم يتحدد شكله، أو التنازل من جانب واحد عن مناطق في إسرائيل مأهولة بغالبية فلسطينية)، وخطط إسرائيلية للإبقاء على الكتل الاستيطانية الرئيسة كأساس لأي مشروع تهدئة أو تسوية أو حلّ من جانب واحد. وكل هذا ضمن ما لم يُعلن صراحة حتى الآن وهو قرار إسرائيلي ـ يهودي استراتيجي يقضي بأن تتنصّل النخب في إسرائيل عن مسؤوليتها التاريخية والسياسية والدولية عن المسألة الفلسطينية. شيء ما نلمسه في العمق يوجّه الإجراءات الإسرائيلية على الأرض لتتحوّل إلى قرائن وأدلّة ظرفية تثبت إنه لم يعد بإمكاننا أن نتعامل مع المسألة الفلسطينية كما تعاطينا معها في العقود الأخيرة. وأخال كل ما هو متعارف عليه فلسطينيا من إنشاءات وتراكيب لغة وأنساق ومبان فكرية واستراتيجيات وأدوات تفكير وعمل، كلّها ينبغي أن تخضع للمراجعة المعمّقة والمنعتقة من أسر ثقافة الثورة الحلم والمشاريع المتقادمة.

لم يعد ممكنا أن نفكّر في تخليص المسألة الفلسطينية من القبضة الإسرائيلية فحسب، بل صار لزاما علينا أن نخلّصها من جمود أصحابها وأخطائهم القاتلة. وهنا أمكننا أن نقول إن إسرائيل ليست قصّة النجاح بقدر ما نحن قصّة الفشل. ومن الأسئلة التي ينبغي أن نفتحها على أنفسنا هو جدوى الإبقاء على القضية الفلسطينية مشروعا عسكريا رغم ما نكنّه من احترام للبندقية أو غيرها. ومهما كانت الضربات العسكرية الفلسطينية موجعة في الجسد الإسرائيلي إلا إنها غير قادرة على تهديد كيانه أو هدّه، بل إن اختزال المسألة في مقاومة عبثية في مشهدها وشهدائها يفتح لإسرائيل أكثر من فرصة للإبقاء على تفوّقها. من ناحية ثانية، فإن المثابرة في نهج العمل المسلّح كما هو حاصل الآن من شأنه أن يُفضي إلى مزيد من التهام الثورة لأبنائها، ومن أكل نارها لنارها. فالحاصل الآن وبسبب من تجذّر العسكرة وأنماط المقاومة والعنف في تصريف أمور المجتمع الفلسطيني في علاقته بغيره وبالعالم وبنفسه، أيضا، وبسبب من إغلاق إسرائيل للآفاق الفلسطينية والمعابر والأمكنة قد يُفضي إلى دورة عنف داخلية تأكل الأخضر واليابس في مساحة المجتمع الفلسطيني وموارده وإمكاناته وأحلامه. فإذا كانت البندقية أوصلتنا إلى ما وصلنا إليه من عُقد ومغالق فهل المزيد منها سيحلّ العقدة؟ وإذا كانت البندقية قادرة في زمن الثورة فهل هي قادرة وبالمستوى ذاته في زمن الارتداد والاقتصاد؟ عندما شكّل السلاح صوتا للقضية العادلة التفت العالم لها ، وكان عالما غير الذي نحن به، أما عندما صار السلاح اختزالا لهذه القضية حاضرا نيابة عنها وفي عالم أقلّ ثورية أو اهتماما بالتفاصيل، قوبلت القضية بالتحفّظ والتردد إذ لم يكن بالشجب والاستنكار!

لكن ليس هذا وحده المتغيّر الذي ينبغي أن نهجس بأسئلته. فهناك الإمكانية أن يتجاوز المشروع الفلسطيني ذاته ليس فقط في عودته من تغريبته العسكرية إلى ذاته المدنية، بل أن يبني ذاته على أساس جديد وأطروحة جديدة تخرج من شرنقة دولتين لشعبين، وهي شرنقة صارت تقيّد المسألة وتخنق فيها إمكاناتها بقدر ما يُمكن أن تحميها ببنيتها غير المتكاملة. وكما حدث في طغيان العسكريّ على المدني حصل في مستوى علاقة المشروع بأصحابه، والحلم بالإنسان الفلسطيني الفرد. ليس مبالغا فيه أن ندّعي إن المشروع في تحوّلاته، ورغم انطلاقه من الإنسان الفلسطيني ابتعد أميالا غير قليلة بأفعاله وهمومه ومشاغله عن الإنسان الذي توخّى أن يحكي باسمه وأن يمثّل طموحاته. فكأن حضر المشروع الحلم وغاب الإنسان بحيث تضاءلت قيمة حياة الفلسطيني الفرد وحقوقه مقابل المجتمع ومؤسساته والسلطة بعد قيامها. كل أحلامه الفردية صودرت وكل حقوقه أحيانا في خدمة "المشروع". وتأرجح هذا التطور بين الحقيقة وبين الوهم، بين ثقة في إمكان إنجاز المشروع الجمعي وبين شكّ بأن كل التضحيات تُمنح هباء وإلى رُكن منسيّ ! وهذا ما يُعيدنا إلى السؤال البدئي وهو سؤال الإنسان الفلسطيني في مواقعه، في الوطن بشقيّه، وفي المنفى وفي اللجوء وفي السجون وفي غيرها من مواقع. ومن هنا الأهمية الفائقة لنشاط مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية حيث هي تقوم بترميم أثر الخيبات وتداوي الندب في الروح والوجدان.

من هنا قد تتقدّم المسألة الفلسطينية في مسارين. الأول ـ أن تذهب باتجاه دولة ثنائية القومية يتقاسم فيها الشعبان الموارد كلّها بما فيها الحكم والسلطة والسيادة. وهذا ما يفترض، بطبيعة الحال، الدخول في مخاض المصالحة مع اليهود في فلسطين والاستعاضة عن استعادة الوطن والاستقلال فيه بالمشاركة فيه وفي السيادة عليه ضمن معادلة محسوبة. أما المسار الثاني ـ فهو الإبقاء على نسق الدولتين لشعبين ولكن من خلال تمدين المشروع الفلسطيني ونزع مظاهره المسلّحة والسير في خط "المقاومة اللاعنفية" في محاولة لنقل التجربة الفلسطينية إلى مستوى جديد يُعيد الحق الفلسطيني من ساحة المعركة أو النشاط السريّ إلى المحافل الدولية وبقوّة. مهما يكن من أمر المسار الأوّل فإنه سيكون من الانتحار ألاّ نُحلّ المدني في المسألة الفلسطينية محلّ العسكريّ، وأن نجرّب التظاهرة والاعتصام على المعبر الإسرائيلي والعصيان المدني محلّ القسّام وما شاكله من مسميّات يتحدّث مطلقوها عنها بنوع من الغبطة والاعتداد فيما هي إسرائيلي تعمد في ظلّ القصف وغباره على إنجاز سياساتها بهدوء ورويّة كأن في حوزتها فائض من قوة ووقت!

أما ما نخشاه إضافة للاقتتال الداخلي والعنف الذاتي المدمّر هو أن ينبري الفلسطينيون بقيادة حماس إلى تلك العادة الفلسطينية التي مورست من حين لحين وهي الركون إلى فرج يأتي من خارج الساحة الفلسطينية، من إيران وحزب الله مثلا. فمن مفاعيل هذه العادة أن ينضمّ الفلسطينيون إلى محور إقليمي يستثمرهم أكثر مما يستثمرونه ( فلا نزال نذكر الخطأ الفلسطيني في حرب الخليج الأولى مثلا ) يكرّسهم طيع بنانهم إلى أن يقضي حاجاته منهم، أو إلى أن يتغيّر منحاه ومساره فيربح هو ويخسر الفلسطينيون. ومن هنا واجب أن يفكّر الفلسطينيون بأدوات فلسطينية جديدة وأن يلعبوا بأوراقهم هم لأنهم هم وحدهم الذين سيبقون على خط المواجهة الأوّل وأصحاب القضية الأُوَل. والسؤال إلى أيّ مدى يستطيع الفلسطينيون أن يتحرروا من أسر شرنقتهم وأنساقهم وأسئلتهم المتقادمة ليطأوا الأرض من جديد بأسئلة أكثر حدّة واقترابا من المخرج وإنجاز ما تأخّر.