لماذا أصرت رايس على عقد قمة فاشلة؟ وماذا بعد القمة؟../ هاني المصري

كما كان متوقعاً، عادت رايس من جولتها، ومن القمة الثلاثية بخفي حنين. وستسجل هذه الزيارة كعلامة كبيرة على الفشل في سجل رايس الدبلوماسي. فإعادة التأكيد من رايس على خارطة الطريق ورؤية بوش لا تحمل جديداً، وتشكيل لجان فلسطينية - اسرائيلية مشكلة اصلاً ولا تعمل، ولا احد يعرف كيف ستعمل في ظل التهديد الاميركي - الاسرائيلي بمقاطعة الحكومة الفلسطينية القادمة، وفتح قنوات تفاوض علنية ولقاءات فلسطينية - اسرائيلية جديدة لا معنى له ما دامت شروط الرباعية هي حجر الاساس، وقضايا الوضع النهائي غير مطروحة للتفاوض اسرائيلياً الى اجل غير مسمى.

السؤال هو: اذا كانت الجولة والقمة بهدف التشاور ومجرد استكشاف لآفاق عملية السلام، فلماذا وصفتها رايس في زيارتها السابقة بأنها ستكون اهم حدث تشهده المنطقة منذ سنوات؟ والجواب إما ان حساب الحقل عند رايس لم يطابق حساب البيدر، وإما ان رأس الدبلوماسية الاميركية وقعت في خطأ في التقدير او ان اتفاق مكة حدث مستجد أربك القمة وجعلها محكومة بالفشل، حيث سارت في طريق لم يكن مخططاً لها. فالقمة كانت مناسبة لأوضاع ما قبل اتفاق مكة، وخطط لها اميركياً واسرائيلياً، لتعزيز الخلاف والشقاق الفلسطيني وتعزيز المعتدلين في مواجهة المتطرفين. أما بعد هذا الاتفاق، فلم تعد رايس تدري ماذا تفعل؟ فإذا ألغت القمة كما طالب اولمرت، ستسجل فشلاً مدوياً للسياسة الاميركية في وقت هي احوج ما تكون لإنجاز يساعدها على ترويج استراتيجيتها الاميركية الجديدة في المنطقة، واذا عقدت القمة، ستكون كما حدث فعلاً، مجرد محاولة لإنقاذ ماء الوجه، ولعدم الاعتراف بالإخفاق الكبير. لكن الحقائق عنيدة، والواقع يمد لسانه ساخراً من رايس موضحاً لها للمرة المليون نتيجة الارتهان للسياسة الاسرائيلية والمصلحة الاسرائيلية فقط.
ان الذي افشل القمة، ليس اتفاق مكة، وانما الموقف المتعنت الذي اتخذه اولمرت ويقضي بمقاطعة الحكومة الفلسطينية القادمة بحجة انها لن تفي بشروط اللجنة الرباعية، وحصول اولمرت على موافقة من بوش في مكالمة هاتفية على هذا الموقف قبيل لقاء رايس - عباس، ما شكل صفعة قاسية لرايس حكمت على زيارتها كلها بالفشل حتى قبل ان تصل الى الذروة المتمثلة بعقد القمة.

كان موقف رايس مضحكاً، وهي تتخذ مواقف مرتبكة ومتناقضة، بدأت بالحديث عن دراسة اتفاق مكة ثم إعلام الرئيس ابو مازن عبر مساعدها وولش والقنصل الاميركي العام والاس، بأن الادارة الاميركية ستقاطع الحكومة القادمة، وانها تطلب من ابو مازن اصدار بيان يؤكد التزامه بشروط اللجنة الرباعية (وهذا ما حدث فعلاً) حتى تمضي في عقد القمة الثلاثية، ثم نفي ان الادارة الاميركية ستقاطع الحكومة القادمة، رغم ان تصريحاتها تشي بعكس ذلك. فرايس قالت بعدم وجود مؤشرات على أن الحكومة الفلسطينية ستلتزم بشروط الرباعية، وان ادارتها لن تتعامل معها. واذا اردنا تفسير سبب الارتباك الاميركي نجد انه يعود لسببين؛ الاول: ان ادارة بوش وجدت نفسها بين نارين، نار حاجتها لدعم المعتدلين العرب لتنفيذ استراتيجيتها الجديدة - القديمة في المنطقة في ظل واقع ان هؤلاء المعتدلين أيدوا ورعوا ودعموا اتفاق مكة رغم انه لا يلبي بصورة كافية شروط اللجنة الرباعية، ونار الموقف الاسرائيلي الذي تطور بسرعة باتجاه الدعوة لمقاطعة الحكومة الفلسطينية. واسرائيل الحليف الاساسي للولايات المتحدة الاميركية في المنطقة. وادارة بوش ليست بوارد الضغط على اسرائيل وإغضاب حكومة اولمرت. السبب الثاني: وجود تباين في الادارة الاميركية بين رايس ومسؤولين في الادارة الاميركية حول الحاجة لكسر الجمود الذي تشهده عملية السلام في المنطقة منذ سنوات.

يبقى ان نحاول الاجابة عن سؤالين الاول: لماذا اصرت رايس على عقد القمة رغم اتضاح انها ستفشل؟ والثاني: ماذا بعد فشل قمة رايس - عباس - اولمرت؟ لقد اصرت رايس على عقد القمة حتى لا يحدث الغاؤها فراغاً تسارع الى ملئه اطراف عربية ودولية، باتت تضيق بالسياسة الاميركية المرتهنة كلياً للسياسة الاسرائيلية، والدلائل على ذلك كثيرة، تبدأ بالمواقف والمبادرات الاوروبية، وتمر بالمواقف الروسية التي تميزت عن المواقف الاميركية مؤخرا لدرجة دفعت البعض للحديث عن عودة الحرب الباردة، الى بداية تمرد من المعتدلين العرب على السياسة الاميركية كما اتضح بشكل جلي بالتوقيع على اتفاق مكة دون الحصول على الضوء الاخضر الاميركي.

اصرت رايس كذلك على عقد القمة، حفاظا على مكانة ابو مازن وابقاء الاتصال معه ومع مكتبه لإبقاء قنوات اتصال مع الفلسطينيين، لإقناعهم او اجبارهم على الزام حكومتهم بشروط اللجنة الرباعية او استبدالها، ومن اجل الحفاظ على التهدئة، وإتمام صفقة تبادل الاسرى، ووقف اطلاق القذائف والصواريخ، ووقف تهريب السلاح من غزة الى مصر، والحفاظ على وهم السلام والايحاء بأن عملية السلام أقلعت او على وشك الاقلاع، وضبط وتهدئة الفلسطينيين وردودهم على الحفريات الاسرائيلية حول وتحت المسجد الاقصى، وعلى كل السياسات الاحتلالية، التي ستقود المنطقة الى انتفاضة جديدة عاجلا أم آجلا، اذا لم يوجد طرف فلسطيني قادر على السيطرة على الفلسطينيين او احتوائهم على الاقل.
تأسيساً على ما سبق، لم تعد رايس الى واشنطن وجعبتها فارغة تماما بل لا يزال يحدوها الامل بفشل اتفاق مكة، او تطويره بحيث تقبل الحكومة القادمة بالشروط الدولية.

وحتى تكتمل الصورة لا بد من القول ان هدف جولة رايس الاساسي كان ايجاد افق سياسي يسمح بإقامة دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة على حساب ودون التفاوض او الاتفاق على الحدود الدائمة والقدس واللاجئين. كانت رايس تأمل انها ستكون قادرة على اقناع ابو مازن بقبول الدولة ذات الحدود المؤقتة اذا اعطته الادارة الاميركية وعداً بأن الدولة المؤقتة الحدود ليست نهاية المطاف، واذا وافقت اسرائيل على القفز عن تطبيق المرحلة الاولى من خارطة الطريق التي تطالب بمحاربة "الإرهاب" حرباً لا هوادة فيها.

وكانت هذه الجولة والقمة مرشحة للفشل حتى دون التوقيع على اتفاق مكة، لأن مجرد تكرار الوعد الاميركي بإقامة الدولة الفلسطينية، لا يسمن ولا يغني من جوع، وهي بضاعة لم تعد قابلة للشراء فلسطينياً. وعدم الثقة من القيادة الفلسطينية بالوعود الاميركية هي التي ادت الى توقيع اتفاق مكة دون ان يلبي بالكامل شروط اللجنة الرباعية الدولية. وكان الرئيس سيرفض الدولة ذات الحدود المؤقتة خصوصا اذا لم تكن ضمن اتفاق ومفاوضات على سلام دائم هدفه النهائي واضح منذ البداية. وما ضاعف الشكوك الفلسطينية بالقمة حتى قبل توقيع اتفاق مكة ان حكومة اولمرت ضعيفة جدا، ومحاصرة بابتزاز اليمين الاكثر تطرفاً، الذي تعطيه الاستطلاعات اغلبية كبيرة، وتحت وقع الفضائح المتلاحقة، واستمرار تداعيات الحرب اللبنانية، ما يجعلها حكومة عاجزة عن اعتماد خطة الانطواء، التي قام على اساسها حزب كاديما.

واذا انتقلنا الى ما بعد فشل القمة الثلاثية، نرى أن الصورة الآن باتت واضحة اكثر وتفيد باستحالة إحياء عملية السلام، والحفاظ على درجة العلاقات التي تربط الرئاسة الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية. فلا يعقل ان يقبل ابو مازن ان يتصل بحكومة اولمرت وهي تقاطع حكومته او وهي ومعها الادارة الاميركية تقاطع الوزراء الذين ينتمون لحماس والفصائل التي تعتبر "إرهابية". ان السماح بتعامل اسرائيل وواشنطن بشكل انتقائي مع الفلسطينيين، ومع حكومتهم، موقف خاطئ الى حد الخطيئة، ويقضي على امكانية قيام مؤسسة فلسطينية، او بلورة برنامج وطني واقعي مشترك.

ان مثل هذا التعامل كان مفهوما، وليس مبررا، في ظل الخلاف والانشقاق الفلسطيني. أما الآن فاستمراره يؤدي الى قيام حكومة برأسين، او حكومتين بحكومة واحدة. وهذا يعني ان حكومة الوحدة الوطنية اذا قامت ستكون مجرد جمعة مشمشية.

ان الفلسطينيين بحاجة الى الوحدة على اساس برنامج قادر على الاقلاع فلسطينيا اولاً ثم بعد ذلك عربيا ودوليا. ويمكن بلورة هذا البرنامج استنادا الى كل التجربة الفلسطينية وعلى اساس استخلاص العبر والدروس من المفاوضات والمقاومة وبناء السلطة وتجربة المنظمة.

وأهم درس يجب الخروج به، ان سياسة المطالبة والاستجداء والاسترضاء، مع الولايات المتحدة الاميركية والإسرائيلية لن تجدي، فإذا لم تشعر الإدارة الاميركية ان استمرار الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي يهدد المصالح الاستراتيجية الاميركية، لن تتحرك لحله بشكل عادل او متوازن. سياسة الولد الطيب الذي يقوم بواجباته ويطالب بالمفاوضات والمفاوضات طوال الوقت، لم تجدِ ولن تجدي. نحن بحاجة الى سياسة قادرة على اقناع الادارة الاميركية ان مصالحها مهددة من استمرار الصراع. هذا ما توصلت اليه لجنة بيكر - هاملتون، وهذا ما يجب ان نفكر في كيفية اقناع الادارة الاميركية الحالية والتي تليها به!!.


"الأيام"

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019