وعود بوش لنيو أورليانز تضيع في العراق/ جيسي جاكسون

منذ عام قطع بشكل متأخر الرئيس الأميركي جورج بوش إجازته ليذهب بعد طول غياب إلى نيو أورليانز بعد أن دمرها إعصار كاترينا ليلقي خطاباً إلى الأمة الأميركية عما وقع من كارثة. كانت إدارته قد فشلت بالفعل في إنقاذ الأحياء وكان فشلها أيضاً واضحاً في إعادة توطين المنكوبين.

غير أن الرئيس وعد بشكل يغلب عليه الطابع الدراماتيكي في الحديث ألا يفعل كل ما يمكن فعله من أجل إعادة بناء نيو أورليانز فحسب وإنما أن يبذل قصارى جهده لمواجهة حالة الفقر المستشرية التي كشفت عنها الكارثة في المدينة. والآن وبعد مرور عام فإن النتائج خير دليل على ما بُذل من مجهود! فنصف سكان نيو أورليانز ما زالوا في حالة من الشتات.

وتقريباً ثلث حجم الأنقاض لا يزال موجوداً لم يرفعه أحد. وفيما يتضح أن حوالي نصف الشوارع التي ترتادها الحافلات والسيارات صالحة للعمل فإن 17% فقط من الحافلات موجودة في الخدمة. وهناك ما يقرب من 278000 عامل مشتت 23 % منهم بلا وظائف.

نصف المستشفيات الكبرى أعيد فتحها غير أن المستشفى الخيري الذي يعد المأوى الرئيسي للفقراء الذين ليس لديهم تأمين صحي لا يزال خارج الخدمة. الأهالي الأكثر فقراً هم مرة أخرى الأكثر تحملاً للأعباء.

فالإدارة الأميركية قد فشلت بشكل مطلق في إنشاء مساكن رخيصة وذلك في الوقت الذي قامت فيه بتدمير المساكن العامة التي بالكاد مستها العاصفة. وتماماً كما توقع وزير الإسكان ألفونسو جاكسون فإن نيو أورليانز الجديدة تحولت من مدينة ذات أغلبية سوداء إلى مدينة ذات أغلبية بيضاء وذلك في الوقت الذي يشاهد فقراؤها وهم مشتتون على امتداد 50 ولاية بلا أي برامج معدة لمساعدتهم على العودة إلى منازلهم.

وتحب الإدارة دائماً أن تتفاخر بحجم الأموال التي خصصتها إلى المنطقة المنكوبة. غير أن جزءاً صغيراً للغاية من تلك الأموال تم إنفاقه على عملية الإعمار الحقيقية في المنطقة. إن عدم الكفاءة والفساد والمحسوبية الموجودة في هذه الإدارة المحافظة قد أسفرت عن ضياع جزء كبير من تلك الأموال. لقد ضاعت المليارات في عقود لم تعرض للمناقصة وفازت بها شركات معينة مقربة من الإدارة مثل هالبيرتون.

أما بشأن تعهد الرئيس الخاص بمعالجة ظاهرة الفقر المستشري فإن الحال تبدو أكثر سوأً. فالحكومة الأميركية لم تقدم برنامجاً جديداً واحداً من أجل الوفاء بهذا التعهد. والأسوأ من ذلك هو أن الإدارة مضت قدماً في عملية تقليص الدعم المقدم للفقراء وذلك في صورة تقليص برامج الرعاية الصحية وكوبونات الطعام والقروض الدراسية وهو الأمر الذي خفّض بشكل كبير المساعدات القليلة التي كان يحصل عليها الفقراء.

ولم يف الرئيس بتعهده الخاص بتمويل الإصلاحات في المدارس الحكومية التي تخدم الطبقات الأفقر من الشعب. فعدد العمال الذين ليس لدى أسرهم تأمين صحي آخذ في الزيادة. وزاد كذلك النقص في عدد الوحدات السكنية الرخيصة التي يقدر على ثمنها الفقراء.

كما أصبحت الجامعات في غير متناول حتى العائلات ذات الدخول المتوسطة. وواصل البيت الأبيض معارضته لرفع الحد الأدنى للأجور وواصل شن حرب على النقابات التي قد تساعد العمال الفقراء على الحصول على نصيب عادل من الأرباح التي يساهمون هم بشدة في حصول شركاتهم عليها. بعد مرور عام من الأزمة أصبح هناك عدد أكبر من الفقراء وعدد أكبر من الذين يعيشون في بيئة أشد فقراً من تلك التي كانوا يعيشون فيها منذ عقود.

لقد أنفقت الإدارة نحو300 مليار دولار من أجل الوفاء بتعهد الرئيس ببناء الديمقراطية في العراق. ولكنها لم تقدم أي موارد من أجل الوفاء بتعهد الرئيس بتقليص حجم الفقر المستشري. إن الوعد الذي خرج من الرئيس في نيو أورليانز كان ببساطة عبارة عن مسرحية هزلية ليست درامية بأي حال من الأحوال.

منذ 43 عاماً وبالتحديد في 28 أغسطس 1963 قاد الدكتور مارتن لوثر كنغ مسيرته إلى واشنطن وأدلى بخطابه الشهير بعنوان «أنا لدي حلم». لقد كان لديه حلم ولكنه لم يكن حالماً.

كانت لديه خطة وسار إلى واشنطن ودعا أميركا إلى الاستثمار في مجال رفع الفقر وتوفير الرعاية الصحية والخدمات التعليمية ورعاية الأطفال وتوفير التدريب والوظائف حتى يستطيع كل شخص أن يعمل وينتشل نفسه وعائلته من دائرة الفقر. إن حلم الدكتور كنغ أصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية لنا جميعاً. غير أنه تم الاستغناء عن خطته .

وذلك بعد أن ضاعت الحرب على الفقر في أدغال فيتنام. والآن وبعد مرور أربعة عقود جاء إعصار كاترينا ليفضح حقيقة الفقر المنتشر في مدننا. ومرة أخرى ظهرت الوعود ثم ضاعت وفُقدت ولكنها هذه المرة في صحاري العراق. نحن كمواطنين نستحق أفضل من ذلك ويتعين علينا أن نعمل من أجل الحصول على ما هو أفضل.