استقالة نواب المشتركة بعد "قانون القومية": لماذا لا يحصل ذلك؟

استقالة نواب المشتركة بعد "قانون القومية": لماذا لا يحصل ذلك؟

ربيع عيد

لماذا لم يقّدم النواب في القائمة المشتركة استقالتهم من الكنيست احتجاجًا على قانون القوميّة؟ لعل النقاش الدائر هذه الأيّام حول الموضوع تغيب عنه الأسباب الداخليّة لكل حزب من مركّبات المشتركة الأربعة، التي تمنع اتّخاذ خطوة نحو ذلك. بغض النظر عن الموقف المؤيد أو المعارض للفكرة، لكن الموضوع يستحق التفكير فيه على مستويين.

المستوى الأول يتعلّق بردّة فعل القائمة المشتركة على القانون، وتمثّلت بغياب أي رد فعل حقيقي أو إستراتيجي على قانون يُغيّر من قواعد اللعبة السياسيّة بشكل كلّي، ويؤسس لمرحلة جديدة لنظام الابرتهايد الاستيطاني في فلسطين ومن علاقة إسرائيل بمواطنيها العرب. الجميع توافق في التحليل على خطورة هذا القانون وأبعاده وكُتب الكثير حول ذلك وسيكتب. لكن لم يُقدّم أي طرف في القيادة السياسيّة تصورًا لشكل العلاقة وقواعد اللعبة الجديدة التي سيتّخذونها بعد هذا القانون. حتّى أولئك الذين يدعون للخروج من الكنيست لا يقدمون برنامجًا لليوم التالي.

المشكلة في ردّة فعل المشتركة على القانون ليس غياب ردّة الفعل بعد تشريعه فقط، بل قبل تشريعه، إذ لم تقم المشتركة بإعلان أي إستراتيجيّة أو شكل احتجاجي تهدد به في حال أقرت الكنيست القانون. في سنوات سابقة، كانت محاولات لفرض الخدمة المدنية الإسرائيليّة على الشباب العرب؛ حينها كانت تعلن قيادات وأحزاب أنه في حال إقرار خطوة كهذه سيُعلن عن العصيان المدني. أمّا اليوم، فلم تلوّح المشتركة بأي ورقة، وهي تبدو كمن لا تحمل أية أوراق في جيبها لتلوح بها أو تضعها على الطاولة أو تقلب بها الطاولة.

كل ما أُعلن عنه حتّى الآن يقع في ذات الإطار التقليدي لشكل الاحتجاجات التي اعتدنا عليها في السنوات الأخيرة، بل حتّى أقل من ذلك (ومنه ما تم التراجع عنه أيضًا). في العام 2013 نجح حراك "برافر لن يمر" الشبابي بإيقاف مخطط استيطاني اقتلاعي إسرائيلي في النقب، بسبب الشكل الجديد للاحتجاج المنظّم عبر أيّام غضب ومظاهرات تغلق الشوارع والمفارق، وحراك شعبي وإعلامي مكثّف. هذا النجاح حينها لم يُبنى عليه للمراحل والمواجهات القادمة.

تبدو فكرة الاستقالة الجماعيّة من الكنيست مجازفة غير محسوبة بالنسبة لقيادات الاحزاب، وهي كذلك لأنه لم يُفكّر فيها كخيار استراتيجي سابقًا ممكن اتخاذه في حالات معيّنة وكتصرّف جماعي مشترك. لم يقم أي حزب في السابق بطرح الفكرة بعمق وكخيار سياسي داخل مؤسساته أو كتفاكر مع جمهوره. لذلك الخطوة ليست سهلة كما هي بالنسبة لزهير بهلول الذي لديه أسباب أخرى داخلية في حزبه دفعته نحو الاستقالة، كما لا يملك مرجعيّة كما الأحزاب العربيّة، إذ أن قرار الاستقالة هو قرار أحزاب وليس أفراد، كما كتب عن ذلك الزميل نضال محمد وتد.

أمّا المستوى الثاني في فكرة الاستقالة الجماعيّة فهو أمر متعلّق بكل حزب وحزب لمركّبات المشتركة. لا يمكن التعامل مع الموضوع دون قراءة خاصيّة كل حزب الداخليّة والفكر الذي يحمله والهويّة التي يُميّز نفسه فيها، ومصادر الشرعيّة التي كوّنها لنفسه ومخاوفه المستقبليّة.

الجبهة والحزب الشيوعي الإسرائيلي على سبيل المثال، يسعون لبناء اليسار الجديد في إسرائيل، والنائب أيمن عودة يُصرّح عن ذلك دائمًا دون أن يكترث أصلًا أن تصريحاته هذه كرئيس للقائمة المشتركة لا تمثّل مركّباتها. حتّى في ردّهم الرسمي على القانون، يُشددون على العمل العربي - اليهودي المشترك رغم كل ما وصل إليه من طريق مسدود، وكتب عن هذا الزميل رامي منصور مؤخرًا في عرب 48. طرح الاستقالة والخروج من الكنيست عند هذا التيار أمر شبه مستحيل فهو خارج منطق مشروعه السياسي المتمثل في حل الدولتين لشعبين، وإن كان هناك من أصوات خافتة تطرحه فستقابل هذه الدعوات بالاتهام بالقومجيّة. كما أن الارتباطات التي تحكم هذا التيار مع سلطة أوسلو لا تسمح لقيادات الحزب بالتصعيد ضد رغبة أبو مازن، الذي يرى في النواب العرب في الكنيست جزءا من الساحة السياسيّة الإسرائيليّة التي تقف إلى جانبه.

أمّا في التّجمّع الوطني الديمقراطي الأمور مركّبة جدًا؛ إذ يبدو أنّه من الصعب على الحزب في هذه الفترة اتّخاذ قرارات مفصليّة في الوقت الذي ما زال يحاول فيه التعافي من هجمات الملاحقة المتعددة الأخيرة، أبرزها حملة التحقيقات والترهيب التي التي سعت إلى عزله عن جمهوره. ما زال التّجمّع في مرحلة ما بعد الصدمة التي أعقبتها حملة الاعتقالات المكثّفة بحق كوادره صيف 2016، ويحاول إعادة بناء ما خسره في أعقاب تلك الحملة. تبدو الأمور مركّبة أيضًا لأن التّجمّع هو من طرح "دولة جميع مواطنيها" كمشروع سياسي في مواجهة الدولة اليهوديّة ودخل الكنيست على أساس هذا المشروع قبل عقدين من الزمن ليتمكّن خلالهما من تغيير الخطاب السياسي عند الفلسطينيين في الداخل لصالح مشروعه، فماذا ستعني الاستقالة الآن وما هي الخطوة القادمة في ظل عدم تمكّنه من ترأس القائمة المشتركة وقيادتها، مع أنّ فكرتها تعود له كجزء من التنظيم القومي للعرب في الداخل، وفي ظل فشله في لجنة المتابعة وخسارة رئاستها وعدم تمكّنه من تغيير دورها التنسيقي بين الأحزاب إلى دور تمثيلي ريادي وجسم منتخب؟ تبدو بالنسبة للتّجمّع الاستقالة الآن خطوة غير آمنة له في ظل المحاولات الإسرائيليّة لإخراجه نهائيًا عن القانون وشطبه وعزله.

أمّا الحركة الإسلاميّة الجنوبيّة؛ فستواجه نقاشًا داخليًا متعلقًا بتمايزها عن الحركة الإسلاميّة الشماليّة (التي حُظرت إسرائيليا) بدأ عند انفصال الحركتين عام 1996 ودخول الجنوبيّة للكنيست وبقاء الشماليّة خارجها. الصراع والخصومة بين الحركتين – وإن كان غالبًا لا يظهر على السطح - شديد لأنه تنافسٌ بين مشروع واحد على نفس الجمهور. سوف تُحدث استقالة الجنوبيّة من الكنيست محطة جديدة في تاريخها قد يعرّضها لخسارة تمايزها عن الشماليّة مما يؤدي لخسارة في جمهورها في ظل محاولاتها في السنوات الأخيرة (أو تيار مركزي في داخلها) تقديم نموذج متقدم عن نموذج الإخوان المسلمين. كما أن هاجس ما حصل للشمالية من حظر حاضر في قرارتها التنظيميّة والسياسيّة والتخوّف من حصول نفس السيناريو معها (تعرّضت بعض مؤسساتها للملاحقة) يمنعها من الإقدام على هذه الخطوة.

أمّا أحمد الطيبي، فلا يمكن تخايله خارج الكنيست، لأن ذلك بالنسبة له انتهاء حضوره السياسي والإعلامي وشبكة العلاقات. لا ينتمي الطيبي لتيار سياسي جماهيري، والحركة العربيّة للتغيير قائمة على شخصه هو ولا وجود لحزب ومؤسسات بالمفهوم التقليدي للحزب. استطاع الوصول للكنيست من خلال تحالفاته المختلفة مع الأحزاب العربيّة التي مكّنته من ذلك ومن دونها هو بالخارج إلا إذا تحالف مع آخرين. تميّز بلفت الأنظار من خلال خطاباته في الكنيست أو كما يُطلق عليها البعض بـ"العروض"، التي تتحول إلى شعبويّة بهدف لفت الأنظار واحتلال العناوين وحصد اللايكات في الفيسبوك، والبناء على ذلك في استطلاعات الرأي. استطاع الطيبي من تأسيس ظاهرة له في هذا، وهو يطمح لزيادة تمثيله في المشتركة (وذلك يحصل أيضًا من خلال احتجاز مقعد التجمع)، ويرى نفسه أقوى من أحزاب عربيّة أخرى كما يُنافس على رئاسة المشتركة.

تبدو فكرة الاستقالة الجماعيّة للقائمة المشتركة من الكنيست احتجاجًا على "قانون القوميّة" خطوة كانت ستلقى لو حصلت، أصداءً محليّة وعالميّة وتؤسس لمرحلة جديدة لعلاقة المواطنين العرب الفلسطينيين مع إسرائيل. هناك من يريدها من هذا المنطلق، وهناك من يريدها لأنها قد تبدو خلاصًا سحريًا من القانون والحالة الاستعماريّة. لكن واقع الحركات السياسيّة لا يسمح بالاستقالة ولا توجد إرادة في ذلك، كما أن سؤال اليوم التالي بعد الاستقالة هو سؤال شرعي، وبالقدر ذاته فإن التفكير بالاستقالة الجماعيّة كخطوة احتجاجيّة أيضًا هو أمر شرعي وضروري، لأنه لا يفتح نقاشًا فقط مع إسرائيل بل أيضًا مع الأحزاب العربيّة ودورها في المرحلة المقبلة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018