العلم الفلسطيني والدولة الهوية

العلم الفلسطيني والدولة الهوية

سليمان أبو ارشيد

في حين سارع البعض إلى المطالبة باستثمار مظاهرة تل أبيب لتحقيق حلمه بتشكيل جبهة يهودية عربية مشتركة، كانت محاولات البعض الآخر التنصل من رفع العلم الفلسطيني في المظاهرة، مضحكة/مبكية، تميزت بالخجل والارتباك عوضا عن التصدي بحزم للحملة التحريضية التي استهدفت رمزنا الوطني كجزء من نزع مكونات هويتنا القومية، وعلى رأسها اللغة والأرض والتاريخ، والتي يسعى أصلا قانون القومية العرقي إلى الحط من قدرها.

لقد وصلت فذلكات البعض الاعتذارية حد تشبيه المجموعة التي رفعت الأعلام الفلسطينية بـ"شلة" مشاغبة في لعبة كرة قدم تهتف ضد حكم المباراة في وقت تعج المدرجات بالتصفيق للهدف الذي أحرزه ميسي. لقد لاموا الإعلام الإسرائيلي لأنه أهمل "ميسي"، وركز على أعلام فلسطين عوضا عن التأكيد وبجرأة أن تلك أعلام منتخبنا الوطني.

لهذا بالضبط نرفع العلم الفلسطيني، هذا هو الجواب الذي كان يجب أن يواجه به ادعاء نتنياهو التضليلي والتحريضي على العلم والهوية الفلسطينية، وكلما مضيتم في محاولات المسّ بتلك الهوية والحط من قدر مكوناتها سنزداد بها تمسكا واعتزازا، وتزداد رموزها وعلى رأسها العلم الفلسطيني في كل الساحات شموخا.

هذا هو رد الفعل الطبيعي لمحاولات التهميش والإقصاء وفرض الهوية الفوقية من قبل أي جماعة قومية تحترم كينونتها، وقد عبر عن ذلك المؤرخ التقدمي د. شلومو زاند بدقة في مقال نشرته "هآرتس"، قبل أيام، عندما أشار إلى الفرق بين "الديمقراطيات الليبرالية" التي طورت منظومات تضامن مركبة قادرة على استقطاب جميع المواطنين، حتى من كانوا من أصول مختلفة وثقافات متباينة، وبين ما وصفها بـ"دول القومية الإثنوقراطية" والتي سادت في شرق أوروبا من بولندا وحتى هنغاريا وكرواتيا وألمانيا، في فترة متأخرة، وتبنت "هويات فوقية" قامت بإخراج الأقليات من المبدأ الديمقراطي الساعي إلى إيجاد مقام هوياتي مشترك.

ومن غير المستغرب، كما يقول زاند، أن تجد الصهيونية تربة خصبة لنشوئها في تلك الدول بالذات، وليس في دول الغرب الأوروبي التي سادت فيها الديمقراطيات الليبرالية، وأن تحافظ الصهيونية على تلك التشوهات المرتبطة بولادتها، وتحاول إبرازها كما يحدث مؤخرا.

فالصهيونية التي نشأت في بيئة "القوميات الإثنوقراطية" تسعى مؤخرا لتعزيز يهودية دولتها الإثنوقراطية، التي بنتها منذ عام 1948 عن طريق منح المزيد من الامتيازات لهوية العرق السيد، والحط من هوية من حولتهم إلى أقلية بعد أن أقامت دولتها على خرائب شعبهم، وذلك في طريقها إلى بسط سيادتها على كامل أرجاء الوطن الفلسطيني.

لقد رفضت إسرائيل أي تسوية سياسية مع الفلسطينيين خارج الخط الأخضر، ورفضت طرح "دولة كل مواطنيها" الذي صاغه د. عزمي بشارة ورفعه التجمع الوطني الديمقراطي، وتبنته جماهيرنا لتسوية أوضاع الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، رغم أنه شعار ديمقراطي "ليبرالي" يحيد هوية الدولة، ويركز على بناء الدولة المدنية التي توفر المساواة لجميع المواطنين.

ولا شك، فإن المتتبع للتطورات السياسية يعرف جيدا أن "قانون القومية" العنصري، جاء ردا على شعار "دولة المواطنين"، وبعد فشل تحقيق المطلب الإسرائيلي بالاعتراف الفلسطيني بإسرائيل كدولة يهودية. ولم يكتف القانون العنصري المذكور بإعادة إقحام الهويات إلى ملعب "المواطنة" المدني، بل تعمد تفضيل "هوية" على أخرى، هوية المستعمر الكولونيالي الأبيض على هوية أبناء البلد الأصليين معتمدا بذلك نظرية العرق البغيضة، وواضعا الأساس القانوني لنظام فصل عنصري - أبرتهايد.

من الطبيعي أن تقابل إهانة هوية الفلسطينيين من خلال الحط من لغتهم وثقافتهم ورموزهم، بتعزيز هذه الهوية وتلك الرموز، ولذلك من غير المستغرب أن تحل أعلام فلسطين محل شعار "دولة كل مواطنيها"، لأن الند بالند يقابل، وإقحام الهويات إلى ساحة المواطنة، خاصة وأنها تأتي في نطاق سياسة الضم الزاحف لمناطق في الضفة المحتلة، لا بد أن يستبدل شعار "دولة المواطنين" بالدولة "ثنائية القومية" من البحر إلى النهر كما يريدون.

لا عودة إلى صيغة "دولة يهودية ديمقراطية" بعد أن حسم "قانون القومية" العنصري التناقض القائم بين طرفي معادلتها لصالح نظام الأبرتهايد، ولا مجال حيويا بعد لشعار "دولة المواطنين" بعد إسقاط حل الدولتين، لأن الدولة تسعى إلى ضم عشرات أو وربما مئات الآلاف في مناطق "جـ" من الضفة الغربية أو جميعها دون أن تمنحهم المواطنة، وهو ما يخلق واقعا سياسيا ثنائي القومية في كامل فلسطين التاريخية.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018