ماذا لو لم يسقط "قانون القومية"؟

ماذا لو لم يسقط "قانون القومية"؟

حنين زعبي

هل هنالك احتمال أن يسقط القانون؟ أن يتم التراجع عنه نهائيا؟ هل نستطيع النضال ضد القانون دون طرح هذا السؤال؟ هل طرح هذا السؤال يضعف نضالنا ضد القانون، أم أنه قد يقويه؟

مر هذا السؤال المركزي دون أن يطرح. ليس بسبب توفر مناخ نضالي مهيب يمنع أو يعيب أو يستبعد إمكانية الفشل، وليس لكوننا نرى مؤشرات لتراجعات وارتباك إسرائيلي، بل أعتقد لسببين رئيسيين آخرين، أولهما: بسبب توفر قراءة سياسية "في الأجواء" تستند إلى معارضة أوساط واسعة من الإسرائيليين لنص القانون كما طرح، مما خلق الانطباع أن القانون سيسقط فعلا، وثانيهما: بسبب حاجتنا لتشخيص هدف عيني واضح محدد، نستطيع التعبئة وحشد طاقاتنا ضده، ومحاربته عبر احتجاجات وخطوات هي الأخرى عينية وواضحة وظاهرة للعيان ولها وقع وحضور مادي في المشهد السياسي. ذلك أسهل وأقل تكلفة من وضع عنوان كـ" طرح رؤية أو مشروع سياسي بديل".

هذا لا يعني أن السياسة عليها أن تكون عملية لا تتوقف لقلب الموازين وللانعطافات الحادة، وهذا لا يعني أن نقلل من أهمية الإرتباك الإسرائيلي الحاصل حاليا، عقب التوجه للمحافل الدولية وللأمم المتحدة، أو التقليل من أهمية "الانتصارات الصغيرة"، فانتصار البوابات الإلكترونية، وحرب الاستنزاف التي تشنها منذ نصف سنة غزة المحاصرة، ومقاومة "برافر" وغيرها، هي عملية الصيانة الضرورية لشعب ولمعنويات شعب ولإبقاء الصلة الحية مع عناوين النضال الكبيرة، عبر تفتيتها لعناوين يومية و"صغيرة"، تبقي على النفس وعلى العنفوان وعلى روح التحدي والوعي اليومي للمقاومة، لحين نضوج قرار خوض معارك أكبر. لكن هذا بالتأكيد لا يقول أيضا أن السياسة تدار بالتكتيكات وحدها أو بالردود على طروحات عينية فقط.

إن قراءة واقعية للمجتمع وللسياسة الإسرائيليتين، قد توصلنا لاستنتاج أن القانون لن يسقط، ربما سيعدل، ربما سيضاف له بند، وهذا ليس المطلوب ولا هو جزء من المطلوب. وهو لن يسقط لسبب أساسي، يكمن في التصالح الكبير بينه وبين كل ما سبقه من قوانين وسياسات وبنية قانونية وسياسية. المعارضة الإسرائيلية لا تتعلق بما يحويه القانون، بل بما لا يحويه، بالتالي من الصعب الاطمئنان أو حتى تغليب احتمال إسقاط قانون دستوري، تجمل المعارضة الإسرائيلية عليه أنه منقوص. إسقاط القانون بمجمله سترفضه حتى المعارضة الإسرائيلية، التي لا تريد التشكيك، ولا تريد الظهور بمظهر التشكيك بفكرة القانون المركزي: إسرائيل دولة يهودية.

هنا، قد يطرح سؤال علينا، لماذا هذه الضجة على قانون يكمل ما سبقه؟ لماذا هذه الضجة على قانون لا يكسر مع ما سبقه ولا يتناقض، بل يستند على ما سبقه ويحول المضمر إلى صريح والقوانين المتفرقة إلى قانون واحد جامع؟

هنالك سبب مبرر و"موضوعي" للضجة، الضجة الفلسطينية طبعا، وهنالك سبب "ذاتي" لها.

"الموضوعي" أن القانون وإن لم يخلق مجالات جديدة للتطهير وللسلب وللقمع وللفصل وللعنصرية، إلا أنه يحسم تماما النقاش حول إشكالية أو شرعية أو إمكانية هذه الممارسات سياسيا وقانونيا، ويحولها من الممكن إلى الملزم. التطهير والتهجير والاعتداءات تتحول من إمكانية متاحة وفق القوانين إلى قيمة ملزمة وفق هذا القانون.

قضية الحسم بين "اليهودي" والديمقراطي لصالح الأول كقيمة "خلاصية" وليس فقط كهدف سياسي، تعني الاستباحة. والاستباحة تخلق واقعا مختلفا عن مجرد "العنصرية". شهدنا في الأسبوعين الأخيرين عملية استباحة في الحيز العام. القانون، يقوم بخصخصة عملية الاعتداء على حقوق الفلسطيني، فلا يتوقف هذا الاعتداء على المستوى القانوني والسياسي عبر مصادرة أراضيه وسلب موارده والتضييق على حياته اليومية، هذه الشحنة الوجدانية في القانون تنتقل للشارع، الذي يفهمها بروح القانون تماما. كما أن الربط بين الحق التاريخي والوجداني وبين الترتيب السياسي المطروح في القانون، يعني أن القانون لا يتحدث عن مكانة أو علاقة قانونية فقط بين الدولة و"المواطن العربي"، بل عن ترتيب ثقافي وعن علاقة "عاطفية" شاملة بين المواطن اليهودي والفلسطيني، الشعار الذي يحمله اليسار الصهيوني من أن "اليهود والفلسطينيون يرفضون أن يكونوا أعداء"، هي جملة ايديولوجية ورغبوية لا تمت للواقع بصلة.

أما السبب الذاتي في الضجة، فيكمن في الحاجة لإنكار التشابه بين التوأم: القانون وما قبل القانون، والاعتماد على أن أحد التوأمين (القانون) هو أكثر قوة وصلافة، وهو "الفتوة بتاع الحارة"، ومرشح "للتطور" أكثر بكثير من شقيقه (تعريف إسرائيل لنفسها كدولة يهودية)، كمبرر لتركيز الحديث عنه.

السبب "الذاتي" للمعركة التي نفتحها، وبحق، في مواجهة هذا القانون تحديدا، هو الحرج السياسي الذي يسببه لنا الاعتراف بالتشابه بين القانون وبين تعريف إسرائيل لنفسها كدولة يهودية، فنلقي بثقلنا على مواجهة القانون. تجريم ما هو خارج عن النظام، أي نظام، كان دائما أسهل من تجريم النظام نفسه.

واعترافنا بأن القانون هو الـDNA (المادة الوراثية) للدولة العبرية، هو اعتراف مربك ومحرج، كونه يستلزم ردا فلسطينيا جامعا، على مستوى تعريف الدولة وليس فقط على مستوى القانون.

بالتالي الموقف ضد القانون أوضح بكثير من الموقف تجاه تعريف إسرائيل لنفسها كدولة يهودية وديمقراطية، رغم الصلة الوثيقة بين الإثنين.

رغم ذلك فإن التعامل مع هذه الصعوبة هو الوحيد الذي يكفل إحياء النضال السياسي حتى في حال بقاء القانون كنص. وبهذا المعنى يوفر لنا النضال ضد القانون فرصة لتطوير أدائنا السياسي والشعبي وفرصة لتطوير خطابنا السياسي المحلي والدولي، أكثر بكثير مما هو يوفر فرصة لإلغائه، وذلك ما علينا تركيز جهودنا عليه.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018