المشتركة و"خيبة الأمل" في بروكسل... أين الخلل؟

المشتركة و"خيبة الأمل" في بروكسل... أين الخلل؟

ربيع عيد

سافر هذا الأسبوع وفد نواب القائمة المشتركة إلى بروكسل وعقد  جلسات مع ممثلين عن الاتحاد الأوروبي وسياسيين وأحزاب، كجزء من إستراتيجيّة عمل لمواجهة "قانون القوميّة"، بحسب البيانات الصادرة عنهم، ولطرح قضايا المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.

وتعرّض نواب المشتركة بسبب هذه الزيارة التي شملت لقاء رئيس القائمة، النائب أيمن عودة، بالمسؤولة عن الشؤون الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، إلى تحريض إسرائيلي رسمي من قبل عدد من الوزراء، وحاولت إسرائيل ممارسة ضغوط على موغيريني كي لا تستقبل النواب العرب لكن محاولتها فشلت.

استقبلت موغيريني النائب عودة ممثلًا للمشتركة، وأصبح الاجتماع معها بحد ذاته إنجازًا يُروج له على صفحات الفيسبوك بإعلانات ممولة. هذا ما شهدناه في صفحات النواب الذين سافروا إلى بروكسل، وروّجوا إلى سلسلة اللقاءات التي عقدوها وأصدروا البيان تلو الآخر عن أهمية هذه اللقاءات والعمل على الصعيد الدولي.

لكن ما حصل بعد ذلك؟ أصدر مكتب موغيريني بيانًا اعتبر "قانون القوميّة" شأنًا إسرائيليًا داخليًا، وهكذا عمليًا يخضع الاتّحاد الأوروبي إلى إسرائيل، ليس باستقبال أو عدم استقبل نواب المشتركة، بل باعتبار شرعنة إسرائيل لنفسها كنظام فصل عنصري واستعماري هو شأن إسرائيلي داخلي ولا يهم المجتمع الدولي. وبهذا يمكن الاعتبار أن زيارة المشتركة إلى بروكسل بهدف تحصيل إدانة أوروبيّة رسميّة ضد "قانون القومية" فشلت؛ فلم يتم الحصول على إدانة بل وافقت المسؤولة عن الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي على الموقف الإسرائيلي القائل إن تعريفنا لنفسنا شأنًا داخليًا ولا دخل لكم في ذلك... أي أنّها نطقت بما ينطق به المسؤولون الإسرائيليون تمامًا.

وهنا يُطرح سؤال العمل الدولي، الذي يتحدث الجميع عىن أهميته وعن الإستراتيجيّة المتّبعة لدى القائمة المشتركة أو لجنة المتابعة وغيرهم من سياسيين وناشطين، هل هذا الميدان عبارة عن لقاءات موسميّة تجري حيث يصبح اللقاء بحد ذاته هدفًا؟ ماذا تُفيد هذه اللقاءات إن كانت معزولة عن الحراك المناصر للقضية الفلسطينيّة في الغرب، وعن حراك المقاطعة لإسرائيل وخالية من ممارسة ضغوطات، وحشد قبل اللقاء بهدف تحصيل مكتسبات سياسيّة؟ الاتّحاد الأوروبي الممول لصناديق مؤسسات المجتمع المدني في الداخل، ليس "الضمير العالمي" الذي سوف يصغي لنا ويهب لنجدتنا كلما توجهنا إليه شاكين إسرائيل؛ هناك شبكة علاقات ومصالح تجمعه مع إسرائيل ومجموعة تحديّات أيضًا، منها ما تقوم به إسرائيل مؤخرًا بنسج علاقات بدول راغبة بالخروج من الاتحاد الأوروبي، بحيث أصبحت علاقات إسرائيل هذه ورقة تحاول فيها إبتزاز المواقف السياسيّة من الاتّحاد الأوروبي.

المستغرب أيضًا في هذه الزيارة، أن سقف المطالب للقائمة المشتركة كان مطالبة الاتحاد الأوروبي بإدانة القانون، وكأننا لم نعتد على الإدانات الأوروبيّة الرسميّة المستمرة للاحتلال الإسرائيلي والبناء الاستيطاني. إسرائيل متعايشة منذ عقود مع بيانات الإدانة الدوليّة التي تصدر بحقّها رغم ما ترسمه حولها من صورة سلبيّة عالميًا. هذه البيانات على أهميتها لا تغيّر سياسات ولا تساهم في عزل إسرائيل دوليًا، لأن البيانات تصدر فيما صفقات السلاح والتعاون الاقتصادي والعلمي معها مستمرة. إن لم يكن "قانون القوميّة" ما سنطالب بسببه العالم بمقاطعة إسرائيل فماذا سننتظر بعد حتى نُطالب ذلك؟

على القائمة المشتركة ولجنة المتابعة وكل من يسعى للنشاط دوليًا أن يضع خطة عمل أولًا. أن نلتقي بوزراء ومسؤولين رفيعين هذه ليست خطّة؛ سوف يستقبلوننا ويستمعون لنا ويبدون قلقهم وبعض التعاطف، وسنأخذ صورة مشتركة معهم ومن خلفنا علم الاتحاد الأوروبي ونجومه (نُحب النجوم)، ثم يصدرون بيانًا يحاول الجمع بين الطرفين و"إرضائهما" (حتى "إرضاء" المشتركة بالبيان لم نحصل عليه). هذه سياسة الاتّحاد الأوروبي تجاه القضية الفلسطينيّة على المستوى الرسمي والخطابي تاريخيًا.

أن نضع خطّة يعني أن نفهم أولًا الخارطة السياسيّة هناك ومصادر قوتنا وإنجازاتنا وإخفاقاتنا، وكيف يمكن أن نحشد ونؤثّر، كيف نستغل وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني بهدف الضغط لصالحنا. لا اعتقد أن موضوع زيارة القائمة المشتركة كان حدثًا التفتت له الصحافة الأوروبيّة مثلًا؛ وكيف لم يُفكّر باستغلال هذه الورقة للضغط على الاتحاد الأوروبي، ضمن إمكانياتنا المتواضعة، لإثارة الرأي العام حول قانون القومية والعلاقات الطبيعيّة التي تربط الاتّحاد الأوروبي مع إسرائيل بعد هذا القانون؟ كيف نُجنّد المناصرين للحق الفلسطيني بالخروج والاحتجاج على طبيعيّة هذه العلاقات مع دولة غير طبيعيّة مثل إسرائيل؟ هناك العديد من الناشطين الفلسطينيين والعرب في أوروبا الذين بمقدورهم المساهمة في ذلك، بالإضافة إلى يهود وإسرائيليين لا صهيونيين مستعدين للعمل والنشاط.

كل هذا يتطلب قبل كل شيء (انطلاقًا من وجود إرداة سياسية لذلك) أن نؤسس دائرة خاصة للفلسطينيين في إسرائيل تعمل على الصعيد الدولي، وليس لجنة هنا أو مسؤول هناك، بل مكتبًا يعمل بشكل يومي يضم مهنيين ومختصين بعيدًا عن أي تجاذبات حزبيّة، يستطيع أن ينسج شبكة علاقات باسم الفلسطينيين في الداخل وقياداتهم السياسيّة، يقوم بالرصد الإعلامي والسياسي وإعداد التقارير والمراسلات والتواصل مع الإعلام والمؤسسات والأحزاب في أوروبا. حينها نستطيع أن نقول أننا نعمل على الصعيد الدولي. أمّا أن نطير إلى أوروبا لمدّة أسبوع بهدف لقاءات سياسية دون خطّة، سيُصيبنا ما أصابنا هذا الأسبوع من "خيبة أمل" في بروكسل.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018