الاستنزاف.. الحرب المنسية

الاستنزاف.. الحرب المنسية

أنطوان شلحت

استعمل المؤرخ الإسرائيلي، يوآف غلبر، قبل نحو عام، عبارة "الحرب المنسيّة" لتوصيف حرب الاستنزاف، أو حرب الألف يوم كما يطلق عليها بعض الإسرائيليين، في كتابٍ موسوم بهذا العنوان. والاستنزاف مصطلح أطلقه الرئيس المصري الراحل، جمال عبد الناصر، على تلك الحرب التي دارت رحاها بعد هزيمة 1967، واستمرت نحو ثلاثة أعوام. 

لا يحتوي الكتاب على تأريخ عسكري للحرب، كما يوضح مؤلفه منذ بدايته، بل يتمحور حول "جهود إسرائيل لترجمة إنجازات حرب 1967 إلى واقعٍ سياسيٍّ جديد، وسعي الدول العظمى إلى التوصل إلى تسويةٍ سياسيةٍ ما في الشرق الأوسط في ظروف الحرب الباردة والمنافسة على الهيمنة الإقليمية والعالمية". ولهذا الغرض، تطرّق إلى الاتصالات السياسية بين إسرائيل والولايات المتحدة والمداولات الداخلية التي جرت لدى الجانبين، من خلال الاستعانة ببرقياتٍ لوزارة الخارجية الإسرائيلية رُفع عنها غطاء السريّة. 

ومن بين ما كُشف عنه أنه تبيّن للأميركيين، منذ ذلك الوقت، عدم إمكان الاعتماد على أقوال زعماء إسرائيل بشأن نفي أي مطامع إقليمية، وأن الإسرائيليين يتكلمون بأكثر من لغة. كذلك تهربت الدبلوماسية الإسرائيلية من إعطاء ردّ سلبيّ على مبادراتٍ دوليةٍ للدفع بتسوياتٍ سلمية، على الرغم من معارضتها تلك المبادرات، حتى لا تظهر أنها الجانب الرافض. 

كما جادل غلبر بأن دفاع إسرائيل عن الخطوط الجديدة لجبهة القتال، والتي جرى الادّعاء بأنها "الحدود الآمنة" لدولة الاحتلال، تسبّب بتحويلها تدريجيًا إلى محميّة للولايات المتحدة على نحوٍ شبه مطلق، وإلى ورقةٍ استراتيجية في يد الأخيرة ضمن سياق المواجهة مع الاتحاد السوفياتي السابق، فضلا عن التسبّب بتحويل الجيش الإسرائيلي إلى ما يسميه "مقاول أشغال عملانية" ومكلّف أساسًا بتوفير الأمن الجاري. 

وقبل غلبر بعدة أعوام، تصدّى الباحث الرئيسي حول حرب الاستنزاف في شعبة التاريخ التابعة لأركان الجيش الإسرائيلي، وهو ضابط برتبة عقيد، لتفسير أسباب أن تلك الحرب منسيّة، فنوّه بأن هذا النسيان أقرب إلى التناسي، كونه تحصيل عملية إقصاء مسبقة البرمجة والأدلجة من الذاكرة الجمعية، نظرًا إلى أن تلك الحرب "مسّت الروح الوطنية الإسرائيلية في الصميم". وبرأيه، تحاشت دولةالاحتلال استخدام مصطلح استنزاف في أثناء تلك الحرب وما بعدها وصولًا إلى اليوم، والحروب الراهنة التي تشبهها تُسمى "حروبا محدودة" أو "حروبا ذات قوة منخفضة". 

وحتى حرب الاستنزاف كانت دولة الاحتلال معتادةً على حروبٍ يكون الحسم فيها جليًّا، في حين أن الاستنزاف حربٌ نفسيَّة تهدف إلى إرباك الرُّوح المعنويَّة للخصم وإنقاصها، وتطاول ليس جبهة القتال فقط بل أيضًا الجبهة الداخلية والرأي العام ووسائل الإعلام، ولا تصل إلى نقطة حسم. 

ولفت هذا الضابط إلى أن أول قرارٍ اتخذته هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي، بعد انتهاء حرب الاستنزاف، هو عدم خوض أي حربٍ شبيهةٍ بها بعدها. لكنه في الوقت عينه لمّح إلى أنّ الانتفاضة الفلسطينية والمواجهات في منطقة الحدود مع قطاع غزة (قبل "مسيرات العودة وكسر الحصار" أخيرا) تندرج في إطار حرب الاستنزاف، في إشارةٍ بليغةٍ إلى أن خوض حروبٍ من هذا النوع أو عدم خوضها غير مرهون بقرار الأركان العامة.

يقدّم هذا العرض جانبًا من أسبابٍ تجعل حرب الاستنزاف في خانة النسيان أو التناسي من دولة الاحتلال، ولا سيما بالتزامن مع فصل جديد منها متمثّل في "مسيرات العودة" الأسبوعية، المستمرة منذ 30 آذار/ مارس الفائت. 

ليس هذا فقط، ذلك أن غلبر يلوّح، ولو إشاريًا، إلى أنه في أثناء حرب الاستنزاف أقدمت مصر على دفع منظومة الدفاع الجوي نحو منطقة قناة السويس. وبموجب قراءاتٍ عسكريةٍ إسرائيلية، شلّت هذه المنظومة التفوّق الإسرائيلي الجوي في بداية حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، بل إن بعض هذه القراءات تعتقد أن مصر ما كانت ستخوض تلك الحرب من دون هذه المنظومة. ويؤكّد هؤلاء أن عبد الناصر أبدى مرونة في محادثات وقف إطلاق النار من أجل التستر على هذه الخطوة.

(العربي الجديد)

اقرأ/ي أيضًا | يمين، يسار، ما الفرق؟

 

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص